Featured Image -- 332

سياسات «كشف النقاب عن المرأة السعودية» : بين المخيال ما بعد الاستعماريّ ودولة الرقابة

Originally posted on ما العمل؟:

- أميلي لو رينار[i]


مع ترسيخ دعائم الدولة السعودية ابتداءاً من ستينات القرن الماضي، أخذ النظامُ تدريجياً بفرضِ قانونٍ على الزيّ للرجال والنساء السعوديين. عنى الأمرُ للفئة الثانية ارتداءَ عباءاتٍ طويلة سوداء وتغطيةَ الوجه. عملت مؤسسات حكومية مختلفة، كالمدارس والجامعات وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – التي يُشار إليها غالباً بـ«شرطة الآداب» أو «المطاوعة» – على فرض رقابةٍ شديدة بشكل متزايد على قانون الزيّ النسائي الصارم، والذي كُتِبَ عنه الكثير (لو رينار، 2011، 2014، الرشيد، 2013). يتناول هذا المقال علاقةً مختلفةً للسلطة حظيت باهتمامٍ أقل. ويبيّن كيف أن النظام السعوديّ الآن منخرطٌ في ما يبدو أنه ممارسات انتقائية متناقضة تتعلق بـ«كشف النقاب» عن المرأة السعودية. فمن جهةٍ، ينطوي كشف النساء السعوديّات على العرضِ العلنيّ لنساء سعوديّات كاشفات وناجحات – واللواتي يصوّرهن النظام كـ«نساءٍ متميزات»- على العالَم، كاستراتيجيةٍ إعلامية تتواطأ معها غابلاً وسائل الإعلام الأجنبية، خاصةً الأوروبية والأمريكية منها. من جهةٍ أخرى، تجد ممارسة الكشف هذه أصولَها في…

View original 2,907 more words

عبدُ العين

“سيأكُلنا الجراد…”

تمتمت “سَكْنة” وهي تقلّب الجمرات الحُمر في رأسِ “القدْو” بطَرَفِ قلمها. تنهّدت نسوةٌ فيما انشغلت هي بغرزِ القلمِ في خاصرةِ النارجيلة. كان المأتمُ قد اختتمَ ليلته الأخيرة. المحسّن المرحوم كان جارَ سكنة، رجلاً طاعناً في السن، يزعمُ البعضُ أنه جاوزَ المائة وخمسةَ عشرَ عاماً من عمره. ليسَ في القريةِ من يثبتُ هذا الزعمَ إلا أنَّ الدفّان أقسمَ ثلاثاً أن المرحومَ – الذي عمل في ختان الصبيةِ أيضاً – قد ختنَ جدّه.

لم تحضر سكنة المأتمَ لكون المتوفَّى جارها فحسب، بل لأن سكنة حاضرةٌ في كل مأتمٍ وعُرسٍ. سكنة تنسلُّ بين جدران العُشش الضيقةِ عَصراً أو ظهيرة، تقفُ عند أبوابها وتصيح باسمِ فلانة. تدلفُ إلى الدار تتناثرُ منها قصصٌ عن أهل القريةِ وأقاويلُ عن قرىً مجاورة. فمُها يفيضُ بالحكاياتِ وهي تكنسُ الدارَ عن صاحبة الدار، أو تنفض الغُبارَ عن الفُرش، أو تقلّب الحبَّ اللزجَ في القِدر الساخن. كل هذا وهي تحلف لصاحبة الدار أنها لا تريدُ لَبَناً ولا تمراً للضيافة، وأنها ما أتتْ إلا لأن فلانة أعزّ عليها من نفسها وأنها افتقدتها بين النسوة وهنَّ ينجزنَ الغسيلَ حول عينِ “القحّةِ” بالأمس. أحياناً تدخل سكنة محملةً بالأعطيات: مروحةٍ من السَعَف سفّتها لها إحدى الجارات، سحّارةٍ ملأى باللوزِ الأحمرِ الحلو، وللأحبّةِ قد تحملُ دبساً شهياً للعصيدِ، لَبأً من مولودٍ جديدٍ، أو شاياً حملهُ البحّارة من إفرنجةٍ يسكنونَ الهند.

للمأتمِ تدّخر سكنة ما هو أكبرُ من هموم القرية الصغيرة. هنا تنثرُ حكاياتٍ حملتها من زيارتها الأخيرة لأهلها في البحرين أو التقطتها وهي تبتاع السمك من “الچبرة” في قلبِ المدينة أو سمعتها عن جدّها الذي كان بحّاراً أيضاً. قصصاً عن غيلانٍ تسكنُ البحر وتقرضُ سفنهم إذا غضبت. كذلك كانت تعرفُ أخبارَ المحاصيلِ – هي التي ورثت عن والدها فدّاناتٍ من نخيلٍ وأشجارِ كعْكٍ ولوزٍ وليمون. عرفت سكنة ما هو أبعد من مواسم الحصاد: أينَ تغفو أسرابُ الروبيانِ كجوهَرٍ مكنون، لماذا يقل منسوبُ الماءِ في العين، ولأيّ شئٍ تجهمت وجوه الرجال بغتة.

“سيأكلنا الجراد!”

قالت ببصيرةِ نبيٍّ وهي تختم قصتها عن رجالٍ عادوا من عراقٍ عصفَ الجرادُ بمحاصيلها، حتى صارَ أهلها لا يجدونُ غيرَ ماءَ دجلة و جذبَ النخيل يسدون به جوعهم. نسوة المأتم كنَّ بين مصدقٍ ومكذّب، لكنَّ أياً منهن لم تذهب أبعدَ من حدودِ البرِّ الغربي، فلم يجرؤنَ على مسائلةِ الخبر. صرنَ يتمتمنَ كلاماً خفيضاً عن الصبرِ والبلايا، فيما يُعدنَ لفَّ ملافعهن السود حول رؤوسهن، أو يربتن بأيديهن على الحصير ينفضنَ غباراً خَفيّا.

وحدها مُلّاية المأتم “مَدينة” نّأتْ عنهنَّ بعدَ أن لملمت مجاميعها. تستمعُ إلى الحكاية بنصفِ قلبٍ وهي تنفثُ نارَ نارجيلتها الصغيرة متكئةً على حجرٍ إلى جوارِ الستار الخفيف الذي يحجب البابَ وَيفصل المجلِس عن الطريق. كان الستارُ يتأرجحُ معَ النسيمِ الربيعي البارد فيكشفُ لها شيئاً من الحمرة المغربيّة خلف المنازل وَيشبع أنفهَا برائحة الطين الطازج بعدَ مطرِ الأمس. في حضنها استسلمت رضيعتها ذات الشهور الأربعة للنوم. سمَّتها فاطمة لكنَّ زوجها أصرَّ على اسمِ زليخة. “مدينة” التي كانت من قلائلَ درسوا الحرفَ شعرت أن بداخلها قصيدة. الآن وهي تحدّق في وجه رضيعتها النائمة تشعرُ ببيتِ شعرٍ ينمو على لسانها، وأنها يمكن أن تقفَ بين الجمع – لو لم ينفضّ – وتهطلَ شعرا. عادةً ما تزورها القصائد وهي تحملُ المجموعَ وسطَ عزاء النساء تُلقي قصائدَ أخرى. أو حينَ تجلسُ وحيدةً تسلّي نفسها بحفظ مراثي جديدة. لكنَّ القصيدة الجديدة تراودُها الآن، وهي تشعرُ بأنفاس ابنتها النائمة تخبو وتستكين. منذ الصباح وَجزعٌ صغيرٌ بحجمِ حبةِ هريسٍ يسكن قلبها، استيقظت وكبدها تأنُّ فجأةً كفسلةٍ تحترق. لا تذكرُ تفاصيل الحلم الذي زارّها البارحة، لكنّها تذكر العرق البارد يسيل في ظهرها حينَ استيقظت، ونظرتها الفزِعة إلى مهدِ ابنتها، وبيت الشِعْر الذي نما على لسانها دونَ تتمّة.

***

بلغت مدينة دارها مع الشفق الأخير. مهديُّ كان في جانبِ “الحَوِي” يسكبُ في كفّيه ماءً للوضوء. وضعت مدينة رضيعتها في المهدِ منهكةً وسألت مهدي: “صحيحٌ أن الجرادَ قادمٌ من العراق؟”

  • ليسَ من العراق.
  • إذن هو قادم؟
  • من أين ؟
  • من الصحراء.

تنهّدت. هذه البَسيطة الخضراء محاصرةٌ بلعنة الصحراء مهما امتدَّت. مهما غرست النخيل جذورها عميقاً في الأرض، ستلتهمها هبوبها وغاراتها وجرادها. سألتهُ من جديد: ذهبتم إلى الزعيم؟

  • ذَهَبوا إليه.
  • ماذا قال؟

هزَّ كتفيه: سيكتبُ لمأمور الحكومة.

بدا مهدي غيرَ مكترث. لا لضآلة خسائره – هو الفلاح الذي اعتاش على الزرع طيلة عمره – بل لأنه لا يثق بالزعيم ولا بالحكومة ومأمورها. الحكومة بعيدة والزعيمُ ثلثا أمواله في البحر لا في هذه الأرض اليباب. أخذت الرعشة في صوت مدينة تتضاعف: ماذا سنفعل ؟

ردَّ بضحكةٍ خفيفة: اللي أصغر منك كُلْه.

لكنّها لم تضحك، ظلت واقفةً تتكئ إلى الجريد كمن رأى غولة الليل بأم عينه. ليسَ الجراد ما يشغلُ بال مدينة. استغربَ مهدي:

  • ما بكِ؟ الجراد لم يأتِ! كل سنةٍ يشيعون ذات الكلام ولا يأتي.

بلعت ريقها ولم تُجبه. نفضَ ماءَ ذراعيه على تُربةِ الأرض: مدينة.. ما بك ؟!

مشت بضعَ خطواتٍ إلى الجرة وطفقت تغمر كفيها بماء الوضوء. يعرفُ مهدي أنها لا تحبُّ الكلام كثيراً: أهي البنت؟

أجابت دونَ أن تلتفت: “لا أدري. لعلها عينٌ حارة في المأتم. بعدَه غفت ولم تستيقظ.” انحنت تمسحُ قَدَميها برطوبة الماء، تفحّصت نتوءَ ظفرٍ في إبهام القَدَم، وَكَمن يحدّث نفسه:” أولَعلّه بطنها”.

  • بعدَ الصلاة أمرُّ بجواد وآتي منه بدواء.
  • لا، عندي مُرّةٌ في المخزن منذ مرضك العام الفائت.

***

فقدت مدينة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية سبعةَ أطفال. ثلاثةٌ حصدتهم الحُمّى، واحدٌ ابتلعهُ العبدُ الذي قِيل إنه يكمن للصبيةِ يسبحون في قاعِ العين، توأمٌ حملتهما الريح بعدَ ليالٍ ثلاث، والسابعة أخذها الجَدَريُّ بعد أن قضَم جلدها طويلاً. مدينةُ مشت ستَّ مراتٍ خلفَ جنائز أولادها ملفوفينَ في حصرٍ تفوح بروائحَ كافورٍ وسدر. كذلكَ كتبت ستَّ مراثٍ في عبد الله الرضيع ورقيّة أبناء الحسين، لم تُلقِ أي منها في مولدٍ أو مأتم. ذَخَرتها لليالي أرقٍ وحزنٍ طويل. تحاول تذكَّر بيت الشِعر الذي استيقظ على لسانها هذا الصباح، فلا تتذكّره.

***

“ألهاكمُ التكاثر..”

الحوي عامرٌ بتلامذة مدينة. أوكلت إلى سلمى ابنةِ سَكنة كنسَ الدار فيما انشغلت هي بتحفيظ أحد الأولاد.

“حتى زرتمُ المقابر..”.

دلف ابنها إلى الدارِ بعدَ أن حمل زُوّادةَ الغداء لأبيه. عادةً ما تُوكِل إليه تحفيظَ سلمى أو ابراهيم ابن القلاف، إلا أنَّ عليّاً يشتدُّ وسلمى تستطيل وتستدير. قرأت مدينة الوَلَه في عينِ عليٍّ فصارت تصرفه ليهتمَّ بقنِّ الدجاج.

الرضيعة ظلت نائمةً في المهد منذُ اليوم الفائت. أيقظتها مدينة مرتين حينها وحملتها على أن ترضع من ثديها. لم تُقبِل فاطمة على حليبِ أمّها. قبضت على الحلمة بفمها نصفَ ثانيةٍ بعنفٍ ثم أفلتتها في وهن. لم تكن مصابةً بالحمى ولا بالإسهال.بَدَت كمسافرٍ أرهقه سفرٌ طويلٌ. مسحت أقدامها بزيت الورد، قَطَرت في فمها المُرّة، عقدت قماطاً رطِباً حول تمرةٍ وقربتها من فمها. تحرّك أنفُ الرضيعة يلتقطُ حلاوة التمرِ قبلَ أن تنام من جديد. لا جدوى. تركتها في المهد وانصرفت بقلبٍ غائرٍ إلى شغلها.

فكرت في المأتم، حديثِ سكنة والجراد. الحلم الذي راودَها بالأمس. أمرت سلمى أن تُشعِل شبَّة وتبخّر الدار. برزَ علي. سألته أمه: أي خبرٍ عن الجراد؟

  • يقولون أن الحكومة تعرفُ دواءً له.
  • ومتى كانت الحكومة تعرفُ دواءً للبشرِ حتى تُعنى بمداوة الجراد؟

عينُ عليٍّ سرعانَ ما انشغلت بسلمى وهي توقدُ الجمرَ وحرارته تتوهّج في خديها. يتنبه لأمه وقد اصطادت نظرته الطويلة. يُداري حَرَجه: ليش الشبّة يمه ؟

  • عن عيون المحبين. قالت بصوتٍ فاتر.

ندّت عنه ضحكةٌ قصيرةٍ ومرتبكة: تخافي من الحب يمه ؟

  • أخشى غدره.

قالت والألم في صدرها يكبر، وقبضةُ المراثي السبعة تلتفُّ حول فؤادها. تودُّ لو تدخلُ حجرتها الآن وتدوّن قصيدتها الأخيرة.

  • فاطمة تعبانة، يمه ؟

أعرضت عن جوابه والتفتت ناحيةَ سلمى: اعطيني الشبّة عيني، سأتولى تبخير الدار.

لم تقُل شيئاً للصبي ذي الأربعة عشر عاماً الذي شهدَ إخوته يتساقطون واحداً واحداً كأعذاق رطبٍ في صيفٍ قائظ. حملت الشبَّة ونقّلت جَسَدَها الأربعيني النحيل في حُجَر الدار، تبثُّ فيها الدخان وتهشُّ عنها أشباحاً خفية. تمتمت بأسماءِ أعداءٍ تعرفهم يقيناً وأعداء محتملين، أسماءِ أحبّةٍ وجيرانٍ وعيونٍ خفيةٍ في الجدران، بالجنِّ والشياطين ودوابِّ الأرض. حينَ طال تنقّلها بين الغرف، أدركت مدينة أنها كانت تحاول أن تطردُ عنها الحلمَ لا أي شئٍ آخر. لكنّ الحلم صار يتكثّف أمامها في زوايا الحُجيرات ويستحضرُ صوره في الدخان. معه كانَ يكبرُ الرعب الذي استيقظت بهِ يومَ أمس. تذكَّرت الجاثوم الذي كبسَ أنفاسها، وصوتَ نحيبٍ ينسكبُ في أذنها، عينيها المفتوحتين في جَزَعٍ وامرأةً  – أكانت امرأةً حقاً؟ – بلا ملامحٍ تمدُّ ما يشبهُ ذراعاً طويلةً لتقلبَ شيئاً ما. خارت قواها فجأةً، جلست على فراشها تتنحب دون صوت. إنها تعرفُ الآن. لا تتذكرُ بيت القصيد لكنها تعرف. اقتحمت سكنة الحجرة فجأة. شهقت ما إن رأت دموعها وقالت: ما يُقال صحيحٌ إذن ! في فاطمة خطبٌ ما!

جففت دموعها بملفعها في حَرَجٍ فيما هي تلتقطُ الشبَّةَ التي انطفأت. أخذت بضعَ ثوانٍ قبل أن تقول وهي تغادر الحجرة: ما فيها إلا الخير. ريحٌ في بطنها فحسب.

  • لا تكابري يا مدينة ! زوجي سمِع أبا عليٍّ في المسجد يسألُ الحوَّاج عن دواءٍ لها. ما بها فاطمة ؟

ألقت مدينة نظرةً على مهدِ ابنتها في الغرفة: لا شئ. إنها متعبة فقط ولا ترضع كثيراً.

  • منذ متى ؟
  • منذ يومين.

هرعت سكينة إلى الغرفة وحملت الطفلة من مهدها، هدهدتها ، مسحت على رأسها ونفخت في أذنِها صلواتٍ لكن الطفلة لم تستجب. التفتت لأمِّها: الطفلة أصغرُ من أن تشكو لكِ! خذيها إلى الحكيم.

“لا تكبّري الأمر. الطفلة ستطيب في يومٍ أو اثنين يا سكنة !” قالت بوهنٍ شديد وقلبٍ يرجف.

  • ستأخذينها ! غداً بعدَ الفجر سينطلقُ بعض الرجال إلى المدينة بعدَ صلاة الفجر لرؤية الزعيم ومأمور الحكومة حولَ أمر الجراد. أذهبُ معكِ بصحبتهم ونعرضُ الطفلة على الحكيم في دار الشمال.

حارت مدينة في أمرِها، التفتت إلى الفتيةِ في الدار: من يتكفّل بتحفيظهم غداً ؟

  • علي رجّال ويمكنه أن يتكفّل بالأمر. لمَ المكابرة؟ قبلَ ساعةٍ كنتِ تغرقينَ في دمعك.

ترددت مدينة قبلَ أن تقول وعبرةٌ تخنقها: “رأيتُ حُلماً قبل يومين” . لكن سكنة لم تمهلها لتكمل: “لا تسردي الحُلم. ضعي صَدَقةً تحت منامكِ الليلة”. وضعت الطفلة في المنامِ ثانيةً، أعادتْ لفَّ قماطها وهي تردد: “ليسَ إلا خيراً، ليسَ إلا خيراً يا أم علي. غداً نأخذها للحكيم …”

قاطعتها مدينة بما يشبه احتجاجاً: “لكنَّ الموتَ حقّ. “

  • أتريدينَ قتلها !

صمتت مدينة ولم تعرِف كيفَ تُجِب. لا لعجزها عن إيجادِ جوابٍ، بل لحيرتها كيف تقول لسكينة أن منامَها صارَ يقيناً، وأنّها ليست بحاجةٍ للسيّد لتأويله. خوفها الأكبر من أن تنطق بالأمر فيصبح حقيقة. لعلّها إن تفادت الحديث عنه ستفلح في طردِه أو تأجيله على الأقل. تلكَ الليلة لم تَنَم. بعدَ العشاء ونوم الجميع، انسحبت بحصير صلاتها إلى الحوي. انخرطت في صلاةِ ليلٍ طويلةٍ ممتدة، حَشَدَتها بذخيرةِ عمرِها من الأدعية. كانَت جذوة الجَزَعِ في قلبِها تخبو حيناً فتفلحُ في تذكِّر شعرها القديم وتأخذ بترديده للسلوى. ثمَّ تشتعل في كبدها من جديدٍ فتنخرط في بكاءٍ وجسدها يرتجف بشدَّة. قررت أن تهبَ استغفارها الليلة لأولادها السبعة، عشراً لكلٍّ منهم. لا دَفعاً لخطايا لم يمهلهم العمر لارتكابها، بل لأنها لم تعرف تحيّةً أخرى تخاطبهم بها الليلة. فكَّرت كيف ستميّزهم عن بعضٍ في الجنة إن صاروا كلهم طيورا، كيف سيختلفُ أكبرهم عن أصغرهم، كيف ستُجلسهم في حجرها وتلقمهم. ماذا عن المراثِ السبع التي كتبتها ولم تلقِها يوماً؟ هل تلقيها على مسامعهم في الجنّةِ وهم يتضاحكون؟ كيف تستحضر سيرةَ الموت وهم أمامها أحياء؟ نهضت إلى مجموعها الذي تحفظه في صندوقٍ في دارِها. بحثت عن قصائدها السبع ونزعتها ثم طوتها ودسّتها بعنايةٍ بين طيّاتِ ثيابها التي ترتديها.. قريباً من قلبِها.

***

قبلَ بزوغِ الخيطِ الأبيض، طرقت سَكْنَة بابها. لم تتبادلا غير التحيّة وحديثاً قصيراً هامساً عن وضعِ فاطمة. التفَّتا بردائيهما الأسودين وقطعتا عَتمة الأزقة والساباطات. حملت مدينة سراجاً يقدح بالزيت، في حين اقترحت سكنة أن تتكفل بحملِ الرضيعة بعد أن رأت بؤس حالِ الأولى. كانت العربةُ تنتظرُ عندَ بوابة السورِ الشماليّ حيث اجتمع ثلاثةٌ من الرجال أمام “گاري” يجرّه حمار. كانت الخطة أن ينطلقوا إلى لقاءِ رجالٍ من قريةٍ مجاورة قبل يتجهوا سويةً للقلعة للغرضِ ذاته: رؤية الزعيم.

اعتلت مدينة الـﮕاري وسكنت إلى الزاويةِ اليسرى منه بصمت. حاولت سكنة أن تفتتح حواراً معها لكن مدينة ظلّت واجمةً وبالكاد ترد بعبارةٍ مقتضبةٍ أو اثنتين. أخذ الـﮕاري يقطعُ مزارَع النخيلِ شمالاً بمحاذاةِ سدٍّ يفيضِ بالماء بعدَ أمطار أول الأسبوع. شعرت مدينةُ بقلبها يثبُ من مكانهِ مع كلّ اهتزازٍ للعربة. وكلما لامست وجهها نسمةٌ فجريةٌ شعرت برغبةٍ في البكاء. في لحظاتٍ كانت الصور تزدادُ في عينيها عتمةً والألم في خاصرتها يتضاعف. شهَقَت بضع مراتٍ لكنَّ أحداً من الرجال لم يلتفت وسطَ ثرثرتهم، وتظاهرت سكنة بعدم سماعها.

فجأةً قالت مدينة بحنجرةٍ ترتعش: “ائتيني بها” . مدَّت لها الرضيعة دونَ سؤال. أخذتها أمها ودستها تحتَ ردائها، حاولت أن ترضعها. فتحت فاطمةُ شفتيها وقبضت على الحَلَمة بجهدٍ ثُمَّ أفلتتها بعد مصّةٍ أو اثنتين. أعادتها لسكنة ثمَّ قالت وعينها على الماءِ في السدّ: “لعلكِ تجدينَ لها مرضعةً أخرى حين نعود.” قبلَ أن تجدَ سكنة جواباً أو تقترحَ اسماً، أخرجت سكنةُ لفافة الأوراق من جيبها وقالت بصوتٍ عالٍ: “كتبتُ هذه المرثية في عبد الله الرضيع ولم ألقِها من قبل. أُلقيها عليكم؟” وجدَ اقتراحها هوىً في نفوسهم بعدَ أن نفدت خزينتهم من الأحاديث. قرفصت مدينةُ كما تفعلُ في كلِّ مأتم، قلّبت أوراقها تتخيّرُ منها، ثمَّ بدأت بأوَّلَ مرثيةٍ كتبتها بعدَ أن ابتلعَ بكرَها عبدُ العين.

***

لم تكتملْ مرثيّتها الأولى. كانتَ منحنيةً على أوراقها المفروشة فوقَ خَشَب الـﮕاري حينَ وثبَ شئٌ فوقَ تلك الأوراقِ فجأة. اتّسعت عيناها وارتدَّ جَسدها وهي تشهقُ  في رعب. التفتَ الرجال لها باستغرابٍ لكن سُرعان ما بوغتوا هُم أيضاً بسربٍ صغيرٍ من جرادٍ يثبُ تحتَ عجلات الـﮕاري ويتطاير حولَهم. لا يتذكّرُ أحدٌ الكثير مما حدث بعدها. يتذكّر السائس أنهُ انشغل بالسيطرة على الحمارِ الذي صارَ يتخبط بعنفٍ والسربُ يكتسحُ العربةَ كعاصفةٍ صغيرة. الرجالُ يتذكّرون أنهم هبّوا واقفين وانشغلوا بنفضِ ملابِسهم. قال آخرُ لم يشهد الحَدَث أن وقوفهم كان السبب في إفزاع الحِمار لا سربَ الجراد نفسه. سكنةٌ لا تتذكرُ صوتَ الحِمار ولا سوطَ السائس ولا الرِجال ينفضون ملابسهم؛ تعرفُ أنها انحنَت حينها وصنعت من رِدائِها خيمَة لها ولجسدِ الرضيعة. كان هذا قبلَ أن ترفعَ عينيها وترى مدينة بعينين دامعتين تتشبث بيدٍ بجناحِ الـﮕاري وتقبض بالأخرى على مرثياتها. كانت مدينة تنظرُ لها بما يشبه اللوم، غير عابئةٍ بالجرادِ يجدُ ملاذهُ في ردائها. همّت سكنة بقولِ شئٍ، لا تتذكرُ ما هو الآن، لكنّ العربةَ انحنت على جانبها اليسار وسطَ الضجيج. تتذكرُ مدينةُ هذه اللحظة جيداً: جسدُها ينزلقُ إلى السدّ، الجرادُ يتطاير من طيّات عبائتها كفراشٍ مذعور، برودةُ الماء تلطمُ جِلدها الأربعينيّ الجافّ، تتذكرُ أيضاً صراخها يترددُ في رأسها وبين النخيل، قبل أن تدركَ أن أحداً من أهل الـﮕاري لن يتمكّن من إنقاذها، أنّها لم تعد تصرخ لأنَّ الماء ملأ رئتيها الآن، ولم تعد تراهم لأن الموجَ ابتلعها إلى أعماقه. أنها لم تعد قادرةً على البكاء ولا الذعر، ولا تأويلَ حلمها، ولا تذكّر هذه اللحظة.

***

كيف استدلّوا على الـﮕاري ؟

قالوا أن أهلَ القرية المجاورة حينَ طال انتظارهم بعثوا واحداً من رجالهم يتقصّى الأمر. ذكروا أنهم أول ما رأوا الحمارَ يرعى على بعدِ فدّانٍ من موضعِ انقلاب العربة. كانوا جميعاً في وضعٍ يُرثى له. واحدٌ من الرجال كان على وشكِ الغرق لولا أن تداركهُ آخر. ذكرت سكنة أنه حاولَ في لحظة جنونٍ إنقاذ مدينة من لجة السدّ. وزادت على الحكاية بعدَ سنين في مجالسِ القريةِ التي عادت ترتادها بعَرَجٍ خفيفٍ في رِجلها، زادتْ أن الرجال اهتدوا إليهم من بكاءِ فاطمة. سمعَ الرجالُ بكاءَ فاطمة من مسافةِ فدانين لا واحد فهرعوا إليهم. فاطمة التي كبرت صحيحةَ الجسم.. لكن بكماء.

 ..وَجْداً على أمِّها التي رأتها بأمِّ عينها يبتلعها عبدُ العين، أضافت سكنة.

  • تمّت -

تيري اﻳﮕلتن مُراجِعاً كِتابَيّ سلاﭬوي جيجك “بلبلة في الفردوس” و”ارتدادٌ مطلق”

eaglton slavoj

يُروى عن جان بول سارتر أنَّ وجههُ ابْيَضَّ حماسةً حينَ أتاهُ زميلٌ من ألمانيا مُسرعِاً، مُخبِراً إياه أن بوسعِ المرء صناعةَ الفلسفة من مطفئة السجائر. في هذين الكتابين الجديدين، يُفلسِفُ سلاﭬوي جيجك بالروحِ ذاتها مسائلَ الجنسِ، والقَسَم، والقهوةِ منزوعةِ الكافيين، ومصاصي الدماء، وهنري كسنجر، وفيلم “صوت الموسيقى”، والإخوان المسلمين، ونسبة الانتحار في كوريا الجنوبية، ومسائلَ أَكثَر. إن بَدَت بلبلته الفكريّة لا متناهية، فذاكَ لإصابته بآفةٍ نادرةٍ تُدعى الاهتمامَ بكُلِّ شئ. يميلُ الفلاسفة في بريطانيا إلى الانقسام ما بينَ أكاديميينَ يكتبونَ لبعضهم البعض وَوسطاء لمعنى الحياةِ يشيعون أفكارهم بين العامّة. جزءٌ من سِرِّ جيجِك أنّهُ يجمع الاثنين في آن: علّامةٌ جهبذ لا يُشَق له غبار، مُتَمَكّنٌ من كانط وهيدغر، كما يملكُ حماسةً شَرِهةً لليوميّ. جيجِك يشعرُ بالألفة ذاتها تجاه هيدﮔر وهتشكوك، السقوط من عَدن وسقوطَ مبارك. إذا كانَ عالِماً ﺑﭭاﮔنر وشونبرﮒ، فهو كذلك مُستهلِكٌ طَمِعٌ لأفلام مصاصي الدماء والأدب البوليسي. وقد تعَلَّم الكثير من قرّائهِ فهمَ فرويد أو نيتشه من خلال النظر إليهم عبر عدسة فيلم “الفك المُفترس Jaws” أو “ماري ﭘوﭘنز”.

يمكنُ للفلاسفة الأكاديميين أن يتسموا بالغموض، في حين يسعى الشعبيون منهم إلى الوضوح. مدفوعاً برغبته في تفكيك الأضداد، يجمعُ جيجك هنا بين الطريقتين. إن بدت أفكاره عسرَة الهضم، فإنَّ أسلوبه أنموذجٌ في البيان. يملأُ كتابَ “ارتدادٌ مطلق” مسائلُ تستعصي على الحل، لكنَّ كتاب “بلبلة في الفردوس” يُخبِر عن الوضع السياسيّ في مصر والصين وكوريا وأوكرانيا والعالمِ عامَّةً في سردٍ رشيقٍ مُحكَم لا بُدَّ أن تفخر أي صحيفة بنشره. دونَ أن يعني أن عديداً من الصحف ستقوم بذلك، باعتبارِ آراء جيجك السياسية المُستفِزّة. إنّه يرى العالمَ مقسوماً بين الرأسمالية الليبرالية والأصولية – بعبارةٍ أخرى، بين من لا يكاد يؤمن بشئ ومن يؤمن بإفراط. إلا إنه عوضاً عن أن ينحاز لأحد الموقفين، يؤكّدُ على التواطئ السرّي بين المعسكرين. الأصوليّةُ هي العقيدة البشعة لمن يشعرون بالمذلة والهوان أمام غربٍ ركبَهم ضدَّ مصالحهم. يقول جيجك في “بلبلة في الفردوس”، بأنَّ أحد دروس الثورة المصريّة أنه إذا ما واصلت القوى الليبرالية المعتدلة تجاهل اليسار المتطرّف، “فسيولّدون موجةً أصوليّة لا تُقهر”. ليسَ إسقاط الطغاة الذي يهلل له الليبراليون الجيدون إلا مُقَدِّمةً لعمل تحوّلٍ اجتماعيِّ جذريّ شاق، من دونه تعودُ الأصولية إلى الظهور. في عالمٍ يرزخ كلّه تحت سلطةِ رأس المال، وحدها السياسة المُتطرّفة بوسعها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإرث الليبرالي. لا عجبَ إذن ألا يحظى جيجك بمحبّة القناة الرابعة وول ستريت على حدٍّ سواء.

على كلٍّ، ليست حرية السوق والأصولية الدينية خطّين لا يتقاطعان. ففي الأمم الآسيويّة تمَّ تجنيد القيم “الروحيّة” لغاياتٍ رأسمالية. إنَّ المعارضَة التبسيطيّة بين التسامح الليبراليّ والقمع الأصوليّ تحتاج إلى مُراجعة. يشير جيجك إلى أنَّ تصاعد الفاشية الإسلامية مضى يداً بيد مع تلاشي اليسار العلماني في البلاد الإسلامية، تلاشياً ساهمَ الغرب كثيراً في دعمه. من يتذكّر الآن أن أفغانستان كانت قبل أربعين عاماً بلداً علمانياً قوياً مع حزبٍ شيوعي مُتنفّذ يمسك زمام السلطة مستقلاً عن الاتحاد السوفييتي؟ كتبَ ولتر بنجامين أن في كلِّ ظهورٍ للفاشية شهادةً على ثورةٍ مجهضة. في العالم الإسلامي لعبَ الغرب دوراً بارزاً في سحق هذه الحركات، محدِثاً فراغاً سياسياً تمكّنت الأصولية من شغله. لا يمكن للغرب الآن ادعاء البراءة من ماضيه الوحشي في وجه الرَدّ الإسلامي الذي ساهمَ في إطلاقه. يقترح جيجك على أولئك المترددين حيال نقدِ الديمقراطية الليبرالية، أن يلتزموا بالصمت إذن حيال الأصولية.

صاخبٌ، مجنونٌ قليلاً، ويستحيلُ إسكاته تقريباً. جيجك رجلٌ ينهض من منامه متكلّماً في التحليل النفسي ويعودُ إليه صادحاً برأيه حول الصهيونية. وبوصفهِ ناشطاً مثقفاً محموماً، تجده في ستة أماكن حولَ الأرضِ في آن. قد يبدأ يومه بزيارة جوليان أسانج في السفارة الإكوادورية وينتهي بكتابته رسائلَ دعمٍ لإحدى سجيناتِ فرقة Pussy Riot الاستعراضية. وفيما بينهما، يمضي وقته معلناً العداء ضدّ شريحةٍ كبرى من سكان العالم. إذا ما كان سوطاً على الرأسمالية الجديدة، فقد أقسم أيضاً على معاداة التعددية الليبرالية والتصحيح السياسي. في حادثةٍ يرويها جيجك عن حضورهِ ندوةً تنويريّةً أمريكية لا شية فيها، افتتح الرئيس بسؤال الحضور أن يعرّفوا بأسمائهم وميولهم الجنسية. قمعَ جيجك رغبةَ أن يعلن بينهم أنه يستمتعُ بمضاجعة الصبيان وشرب دمهم. كما يُعلِّق أن الحاضرين كانوا سيصبحون أقلّ صراحةً لو سئلوا عن رواتبهم.

قد يعودُ الأمر كلّه لكونه من سلوﭬانيا. علاقة الأمم الصغيرة بالأمم القويّة تميل لأن تكونَ مضطربة، كما يمكن لكل من عرفَ الإيرلنديين أن يشهد. ثمّة نفحة من أوسكار وايلد الدبلنيّ في جيجك، الرجل الذي لم يحتمل سماعَ عاطفةٍ انجليزيّةٍ وَرِعةٍ دونَ الشعور برغبةٍ نزّاعةٍ لعكسِ مصطلحاتها، تمزيقها، أوقلبها رأساً على عقب. لا يملك جيجك، المُتسمُ بمَظهرٍ جَهِمٍ لقاتلٍ مأجورٍ في مأساةٍ يعقوبيّة [1]، تأنّقَ وايلد وكياسته. كما يفتقر إلى دَمغته الفَكِهة المميزة. إن جيجك مضحكٌ لكنّهُ ليسَ لمّاحاً. قد يلقي بعض نكاتٍ ممتازةٍ ولهُ حِسٌّ عبثي حذِق، لكن يستحيل استخراج كتابٍ من الحِكَمٍ epigrams مِن كتاباته، بالطريقة ذاتها التي يمكن للمرء أن يستخرجها من وايلد. إلا أن الرجُلين تقويضيّان وفاضحان للزيفِ بالفطرة، ينفران من النبرة الأخلاقية العاليّة والمَرَح النقيَّ الحَسَن. ليسَ من المُفاجئ أن يكون جيجك داعيةً محترفاً للنكتةِ اليهوديّة السوداء، كأنّه وودي آلن ليوبليانيّ [2]. إلا أن حِرصه على أن يمسخ ويستصغر أبعد ما يكون عن التهكميّة الكلبيّة cynicism. من اللافت أنّه يجمع الرؤية المأساوية لفرويد بالإيمان الماركسيّ بالمستقبل.

كبقية أعماله، فإن هذين الكتابين مابعدحداثيين في الشكل، ومضادّين لما بعد الحداثة في المحتوى. يمتلك جيجك انتقائيّة ما بعد الحداثي، إلى جانبِ مزجها بين الأجناس العُليا والدنيا. كتبه أعمالٌ محنيّة الظهر تثبُ باضطرابٍ من موضوعٍ لآخر. كتابه “ارتداد مطلق”، الذي يترنّح من أفكارٍ عن الهستيريا والفن والمعرفة المطلقة إلى أفكارٍ عن الله والموت والهبوط من الجنة، يتّخذ بعظمةٍ عنواناً فرعيّاً “تجاه تأصيلٍ جديدٍ للماديّة الجدليّة”، إلا أنَّ العنوان خديعةٌ سافرة. لا يضم الكتاب أكثر من حفنة إشاراتٍ إلى المادية الجدليّة بين صفحاته الأربعمائة. نادراً ما تتحدث كتب جيجك عن الأمور التي تقول أنها تتمحور حولها، ذلك أنه لا يقاوم الحديث في 50 موضوعاً في الوقت ذاته. وهو ما بعد حداثيٍّ أيضاً في تشكيكه بالأصالة originality. الكثير مما يقولُ قد قِيل مسبقاً، لا من قِبل آخرين، بل من قِبَله هو. إنّه واحدٌ من أعظم المُنتحلين لِذاتهم self-plagiarisers في زماننا، بمداومته على السرقةِ من أعماله المنشورة. تظهرُ أجزاءٌ بتمامها من “ارتداد مطلق” مرةً أخرى في “بلبلة في الفردوس”، كما تتكرر أجزاءٌ بتمامها من “بلبلة في الفردوس” في الكتاب ذاته.إنه يلقي النكات ذاتها، ويعيد تدوير ذات البصائر وسرد ذات القصص عشرات المرات.

أحد الجوانب المابعدحداثيّة الأخرى في عمله هو الدمج بين الوهم والواقع. بالنسبةِ لجاك لاكان، مُعَلِّمِ جيجك، لا أحدّ أشد انخداعاً من التهكّمي الذي يدّعي أنهُ جرَّب الأمورَ كلها، متجاهلاً الادعاء الفرويديَّ بأن الوَهم (أو الخيالَ) مجدولٌ مع الواقع ذاته. الأمر ذاته ينطبق على كتابة جيجك. أَ كُتبه جَدَلٌ خالصٌ أم استعراضٌ عَلَني؟ ما مبلغ الصدقِ في نيّته؟ إن كانَ حَذِقاً بشكلٍ يخطف الأنفاس، فإنّه يمكن أن يصبح مستهتراً بإفراط. أيعقل أن يكون جادّاً بقوله في “بلبلة في الفردوس” أن “أسوأ ما في الستالينيّة أفضل من أفضل ما في دولة الرفاه الليبرو-رأسمالية”، أم أن غايته افتضاح الضواحي لا غير؟ هل يعتقد حقاً أن سوءَ السلوك الجنسيّ المُتهَم بهِ أسانج “هامشيّ” ؟ أو خذ مثالاً جدله المتكرر حولَ إمكانيّة التغيير الجذريّة للمسيحية، والذي أعاده في “ارتداد مطلق”، رغم كونه يعدّ نفسه ملحداً. لا يتمحور الإشكال حولَ كون المرء مسيحياً [مؤمِناً] في الظاهرِ وغيرَ مؤمنٍ في الواقع. بل يمكن القول أنه يؤمن بالمسيحية ويجحدها في الوقت ذاته. أو ماذا إن كان يظن نفسه ملحداً وهو ليس كذلك؟ ماذا لو أن الربَّ – الذي لا يؤمن به – يعلم بإيمانه؟

إن جيجك نفسه خليطٌ عجيبٌ من الوهم والواقع. في “بلبلة في الفردوس”، يتحدَّثُ عن هاملت كمُهرِّج، وعن نفسه كمثقفٍ وبهلول. إن بهاليل شكسبير واعون بعدم واقعيّتهم، وكذلك جيجك فإنه يعي لا واقعيته أيضاً. بالنسبة لهذا الرجل الذي يبدو أن صفةَ “زاهي الألوان” اختُرِعت لأجله فقط، فهو شيخُ طريقةٍ يسخرُ من مقامِ طريقته، رجلٌ يتملكه إصرار قاتلٌ في حين يبدع في المحاكاة الساخرة لذاته. ثمة شئٌ خياليّ، أكبر من الحياة، في عَدْوه الدائم حول العالم وطرائفه المشتعلة، كما لو كان شخصيّةً من روايات “دﻳﭭد لودج” ضلّت طريقها. شهيته الشرِهة للأفكار مثيرة للإعجاب، لكنها مثيرة لبعض قلقٍ أيضاً. لن يتفاجأ المرء لو سمِع أن جيجك إنّما صُمم من قبل لجنةٍ لاختبار ذائقة المستهلك على مجموعاتٍ طلابيّةٍ بحثية.

بالرغم عن ذلك، عند الحديث عن المحتوى، لا شئ أبعد عن التعددية ما بعد الحداثية من سياسة جيجك الثوريّة غير المداهنة. إنّها لإشارة غريبةُ عن هذا الزمان أن يكون أكثر المثقفين شعبيةً شيوعياً مُتفانياً. الدرسُ المستخلص من “بلبلة في الفردوس”، بعنوانه الفرعيّ “من نهاية التاريخ إلى نهاية الرأسمالية”، بسيط: “إن عصراً مظلماً جديداً يوشك على الحدوث، حيث تتفجّر العواطف الدينية والعرقية، وتتراجع قيم التنوير”. يشتهر أسلوب جيجك برفضه الصلدِ أن تستحكم به العاطفة، وهي سمةٌ ما بعدَ حداثية أخرى. إلا أنه يصعب حتى عليه أن يكبح اشمئزازه من تخيّل المصرفيين اللصوص يتلقّون دعماً مالياً من ضحاياهم المفلسين. كما يتسائل برتولد برخت: “ما قيمة سرقة بنكٍ أمام إنشاء واحد؟”.

إنّ “بلبلة في الفردوس”، بالتقاطاته التي لا تخطئ للنفاق السياسيّ، كتابٌ ينتفع الجميع من قرائته، وليسَ أقلَّهم سادة الكون. أما “ارتداد مطلق”، بتأملاته المعقّدة حول الماديّة والجدليات، فقد يجدُ مقبوليّةً أقل. ففيه القليل عن النفاق والكثير عن كانط. رغم ذلك، ما زال يضمّ بين دفتيه بعضَ الأفكار الساحرة عن الكبالا، روايات الرقّ، الجاسوسيّة، الموسيقى الحُرَّة، والرب كمجرمٍ أعلى. لا ريبَ أن الفرصة ستتكرر لقراءةِ بعضٍ من هذا في كتبه القادمة.

[1] نسبةً لعصر ملك انجلترا جيمس الأول (1567-1625)

[2] نسبةً لمدينة ليوبليانا عاصمة سلوﭬنيا

* نُشرت المراجعة في صحيفة الغارديان بتاريخ 12 نوفمبر 2014

السادة حكومتنا الرشيدة،
في حين أنّي لا أظنّكِ مسؤولةً – بشكلٍ مباشر – عن الجنون الذي طال الأحساء الأمس، كما لا أظنَّ أن سواد الشعب السعوديّ بسنيّه وشيعيّه، ومعتدليه ومحافظيه وليبرالييه، له يدٌ في هذا الجرم، إلا أني أودّ تذكيركِ أن الشيعة الذين قُتلوا في الأحساء، والذين صار يمكن الحديث عنهم كمسلمين – شهادتهم موضعُ خلاف فقهيٍ طبعاً – هم نفسهم الشيعة الذين ظهرَ واحدٌ منهم على غلافِ كتابٍ مَدَرسيٍّ خَطَأً فسارعتِ مذعورةً بسحبهِ، كما لو أنَّ أحداً يمكن أن يبدّلَ مذهبه على إثْرِ صورة! الشيعة الذين قُتلوا هم نفسهم الذين حاكمتِ واحداً من أبنائك قبل يومين بتهمة “مخالطتهم!”. والمكان الذي قُتلوا فيه يُدعى “حسينية”، لا “مجلسَ عزاء” ولا “أحد المواقع”. (معَ أنّي أعترف أن في تسميتهِ مجلسَ عزاءٍ ارتقاءاً داروينياً مهمّاً عن لفظةِ “السرداب”). نعم، let’s be adults, dear government, and start calling things by their real names. إذا كان الشيعة جزءاً من هذا الوطن، فإنَّ ثقافتهم وشعائرهم جزءٌ من هذا الوطن أيضاً، واسم “حسينية” لا ينبغي أن يكونَ جريرةً تتعففينَ عن ذكرِها في بيانِك، دِير حكومة. إمّا هذا أو أن تتوقفي عن اللعبِ على الحبلين، وتختمي زواجكِ المسيار (أو المتعة– سمّهِ ما شئت) بهذه الطائفة بالحُسنى، لا أن تُدنيهم تارةً وتنفيهم أخرى وفقاً للهوا السياسيّ، مُصيّرةً إياهم زوجةً سريّةٍ تَمُنّين عليها بغضّكِ الطَرْف عن ممارساتها وشعائرها – التي هي حقٌّ أصيل- وَتخشين أن يظهَرَ الأمر للعلن.

أظنّ أن الوقت قد حان لا لنقول أن السنة والشيعة واحد، بل لنقرّ أنّهم مختلفون. لسنا بحاجةٍ لجبر هذا الاختلاف، ولا تغييره، ولا إنكار وجوده، ولا التعامي عنه، بل تقبّله واحترامه. وأن نرمي بالمحاولات العقيمة لجعلِ الناس كلها على هيئةٍ واحدةٍ ومعتقدٍ واحد عرضَ الحائط.

آند دير طائفيين من الشعب الكريم،
لم يعُد يُجدي أن تخفي طائفيتك تحتَ مسميّات “رافضي” وَ”ناصبيّ”، لتكفّر الناس وتقسم عليهم تذاكر إلى الجنة والنار على مزاجك. إما أن نرمي هذه المصطلحات في الزبالة أو أن نخلع جلدَ طائفيتنا الأملَس.

دير بَلَد كريم،
أمضيتُ ثلاثين سنةً لا أعرفُ إن كنتُ أكرهك أو أُحبّك. ثلاثونَ سنةً عشتها على هيئة اعتذارٍ عن الصدفة التي ولدتني في هذه الأرض. ثلاثون سنةً وأنا أخشى أن يتم تصنيفي في الثانية التي أنطق فيها اسمَ مدينتي. ثلاثونَ سنةً وأنا أخشى أن أُحَمَّل جريرةَ كلَّ شيعيٍ في العالم. ثلاثونَ سنةً وأنا أقاوم انتزاعي من هذا المكان، وزعمَ وجودي الطارئَ فيه. ثلاثونَ سنةً لا آمنُ فيها على نفسي من رصاصةٍ غادرة. دير بَلَد كريم، فقط لو تمنحني أملَ أنَّ لابنتي – التي لم تسمع في حياتها القصيرة وصفَ “سنيٍّ” أو”شيعي” –أن تعيشَ دونَ أن تُصَنَّف وتُعَلَّب وتٌسيَّس وتُقصى أو تُتَهم، لو تمنحني هذا الأمل، سأجد بعضَ طاقةٍ لأعيشَ أكثر.

معَ دمي ودموعي وابتسامتي،
مواطنة غير صالحة جداً

لحن الربيع لـ توفه يانسن

Image

في مساءٍ هادئٍ وصافٍ أواخرَ أبريل، وجدَ “سنفكين” نفسَهُ بعيداً عن أطرافِ الشمال، ليُشاهد بِرَك الجليد الذي لم يذُب بعد على المنحدرات الشماليّة.

أمضى يومهُ كاملاُ يقطعُ طبيعةً خاليةً لا يكدّرها مخلوق، مصغياً إلى صيحات العصافير وهي تتجّه إلى منزلها شمالاً، عائدةً من الجنوب.

كان المشوار يسيراً إذ أن حقيبته فارغةٌ تقريباً وعقلهُ خالٍ من الهموم. شعرَ بالسعادة تجاه الغابةِ والأجواء،وتجاه نفسه أيضاً. فالأمس والغد بعيدانِ الآن، أما في لحظته الراهنة فالشمسُ تسطعُ في حُمرةٍ زاهيةٍ بين أغصانِ البتولا، والهواءُ ناعمٌ ولطيف.

“إنها ليلةٌ ملائمةٌ لتأليفِ لحن”، فكّر “سنفكن”. لحنٌ جديد، أملٌ في جزءٍ منه، حزنٌ ربيعيّ في جزئين، أما البقيّةٌ فعن البهجة العظيمة للمشي وحيداً وعن مُتعتها.

لقد احتفظَ بلحنهِ تحتَ قبّعتهِ لعدّة أيام، غير أنه لم يجرؤ على إخراجه بعد. إذ يلزمُ أن ينموَ حتى يصبحَ شيئاً من عقيدةٍ بهيجة، ثمُ كل ما عليه أن يضعَ شفتيه على الهرمونيكا ببساطةٍ فتقفز النوتات مباشرةً إلى مواضِعها.

إن أطلقها باكراً، قد تعلقُ في منتصف المسافة مكوِّنةً لحناً نصفَ جيّد، أو قد يفقدها تماماً ولا يجد مزاجاً ملائماً للإمساك بها من جديد. الألحان بالغةُ الجدّة، لا سيما إن كان عليها أن تكون مرِحةً وحزينةٍ في آن.

لكن “سنفكن” كان واثقاً من لحنه هذا المساء. كان اللحنُ هناك، ناضجاً ينتظره – وسصبحُ أفضلَ لحنٍ صنعهُ في حياته.

وحينَ يبلغ وادي المومين، سيجلسُ على سورِ الجسر ويعزفه، وسيقول له “مومِين ترول” حالاً: “إنهُ لحنٌ جيد، لحنٌ جيدٌ بالفعل.”

أوقفَ “سنفكِن” مسيرَه إذ شعرَ بشئٍ من الانزعاج. نعم، “مومِن ترول” المنتظِر والمُشتاق أبداً. “مومن ترول” الذي جلسَ في البيت، منتظراً إياه، معجباً به، قائلاً له دائماً: “بالطبع لا بُد أن تشعر بالحرية. طبيعيٌ أن عليكَ الرحيل. أفهمُ أنك تحتاجُ أن تكونَ وحيداً أحياناً.”

في حين تشتدُّ عيناه سواداً وتمتلآن بالخيبة دونَ أن يملكا فعل شئ.

“اوه، ياه. اوه، ياه” قال سنفكِن لنفسه وواصلَ طريقه.

“اوه. ياه. اوه، ياه. هذا المومن ترول غامرٌ بالمشاعر. لن أفكّر به الآن. إنه مومنٌ رائع غير إني لست بحاجةٍ للتفكير به الآن. الليلةُ سأكون وحيداً مع اللحن، والليلةُ ليست الغد.”

تمكّن سنفكِن من نسيانِ مومين ترول خلال فترةٍ وجيزة. أخذ يستشمّ المكان حوله بحثاً موقعٍ ملائمٍ يخيم فيه، وحينَ سمعَ خريرَ جدولٍ يبعدُ قليلاً داخل الغابة، اتجهَ ناحية الصوت.

اختفت آخر حزمةٍ من الشعاع الأحمر بينَ أغصان البتولا. حينها حلَّ شفق الربيع، بطيئاً أزرقا. تغيّرت الغابة بأكملها، وهامت جذوع البتولا البيضاء بعيداً بعيداً في الغبش الأزرق.

كان الجدولُ لطيفاً.

كانَ يجري بُنيّاً صافياً فوقَ صفٍّ من أوراقِ العام الماضي، خلل معابرَ صغيرةٍ من الجليد الذائب، متمايلاً عبرَ الطحلب الأخضر ومنهمراً على رأسهِ في هيئة شلالٍ صغيرٍ إلى مصبٍ من الرمل الأبيض. في مواضعَ أزَّ بحدّةٍ كبعوضة، ثم حاول أن يرعد ويتضخم، توقّفَ، قرقر بفمٍ ملئٍ بالثلج المذاب، ثم لفظه كلّه ضاحكاً.

وقفَ سنفكِن على الطحلب الرطب مصغياً. “لا بُدَّ أن أضع الجدولَ في لحني أيضاً.” فكّر. “في اللازمة، ربما”

انحدَرَ حجرٌ صغيرٌ فجأة قربَ الشلال فَرفعَ نغمةَ الجدول أوكتافاً كاملا.

“ليسَ سيئاً” قال سنفكن بإعجاب. “هكذا يُقضى الأمر. تغييرٌ مفاجئٌ وعابر. عليَّ أن أجد لذاك الجدولِ لحنه الخاص”.

أخرجَ قِدرَه القديم وغمره بماءٍ من الشلال. ثم نزلَ تحت أشجار التنوب باحثاً عن حطبٍ للنار. ما زالت الأرض رطبةً منأثر الذوبان والمطر، واضطر سنفكن للزحف بعيداً تحتَ الشائك المسّاقطِ بفعل الريح ليجدَ أي عصيٍّ جافة. حينَ مدّ يده، أطلق شخص صرخةً مفاجئة وعبره مسرعاً بين أشجار التنوب، فيما هو يبكي ويصرّ طيلة الوقت.

“اوه، نعم.” قال سنفكن. “مخلوقات الكريب والوودي منتشرة في كل مكان. مضحكٌ كم تبدو متوترةً دائماً. كلما صغر حجمها كلما زاد وثبها.”

وجدَ جذعاً مقطوعاً جافاً وبعضَ العصي فأشعل لنفسه ناراً جيدةً قرب الجدول. اعتادَ سنفكن طبخَ عشائه بنفسه. لم يكن يطبخ عشاءً لغيره طالما أمكنه تجنب ذلك، ولا اهتمَّ يوماً بعشاءِ الآخرين. فالكثير من الناس يصرّون على الحديث خلال الوجبة.

كما أن الناس مفتونون بالكراسي والطاولات، والبعض منهم يستخدم المناديل. بل إنه سمعَ أن “هموليناً” اعتادَ تغيير ملابسه كل مرةٍ قبل أن يأكل، لكن لعل الحديث افتراءٌ عليه فقط.

بذهنٍ مشوشٍ قليلاً، تناول سنفكن حساءه الهزيل وعيناه مثبتتان على الطحلب الأخضر جوارَ البتولا.

كان اللحن قريباً في متناول اليد، سهلَ الالتقاط من ذيله. لكن ثمة ما يكفي من الوقت للانتظار: اللحن مطوق الآن ولا يسعه الهرب. لا، من الأفضل غسل الصحون أولاً، فإشعال غليون – ثمَّ بعدها، حين تخبو النار وتبدأ مخلوقات الليل تنادي بعضها بعضاً، سيقبض عليه.

كان سنفكِن يغسلُ قِدرَه في الجدول حين لمحَ الـ”كريب” جالساً في جهةٍ بعيدةٍ تحت جذر شجرة، ينظرُ إليه. كانت عيناه خائفتين لكنْ تتابعان حركات سنفكن بكل اهتمام.

 عينان خجِلتان تحت مكنسةٍ كثيفة من الشعر، بنظرة يحملها أولئك الذين لا يلتفت إليهم أحد.

تظاهر سنفكن بعدم رؤيةِ الكريب. أوقدَ ناره وَقطع لنفسه بضع أغصان تنوبٍ ليجلس عليها. أخرجَ غليونه وأشعله. نفثَ بعض غيماتِ دخان صوبَ السماء الليلية منتظراً لحن الربيع.

لكن اللحن لم يأتِ. بدلاً عن ذلك شعرَ بنظرات الكريب محدقةً به. كانتا تتابعان كل ما يفعل بإعجاب، أخذ يشعر ببعض الضيق مرة أخرى. صفق ظِلفيه معاً وصاح: “شوو! اخرج!”

بهذا النداء انسل الكريب من تحت جذر الشجرة – في الجهة الأخرى من النهر-  وقال بخجل: “أرجو ألا أكون أخفتك. أعرفُ من تكون. أنتَ سنفكن.”

ثم خطا الكريب مباشرة نحوَ الجدول وبدأ يخوض الماء قاطعاً إياه. لكن الجدول كان واسعاً بالنسبة له، والماء بارداً كالثلج، حتى أنه فقدَ توازنه أكثر من مرة وسقط. غير أن سنفكن كان متضايقاً جداً فلم يفكر ببساطة بمد يد العون.

Image

أخيراً زحفَ الكريب ناحلاً وبئيساً إلى الضفة وقال بأضراسٍ مصطَكّة: “مرحباً. سعيدٌ بلقائك”.

“مرحباً” ردَّ سنفكن ببرودةٍ مماثلة.

“هل لي أن أُدفئَ نفسي بنارك؟” واصلَ الكريب ووجهه المبلل الصغير يضئ بالفرح. “فكّر بالأمر. سأصبحَ الكريب الذي جلس إلى نارِ سنفكن. لن أنسى هذا أبداً.”

اقترب الكريب ومدَّ ظلفاً إلى الحقيبة هامساً بمهابة: “أهنا تحتفظ بالهرمونيكا؟ أهي عندك هنا؟”

“نعم” قال سنفكن بحدة. لحنه ضاع ووحدته ذهبت، تغيّر كل شئ. أطبق أسنانه حول فمِ الغليون محدقاً صوب أشجار البتولا دون أن يراها.

“لا عليكَ مني الآن” قالَ الكريب ببراءة. “أعني، إن كنت تودّ العزف. لم أسمع عزفاً من قبل. لكني سمعتُ عنك. القنفذ والتوفل وأمي، كلهم حدثوني عنك… بل إن التوفل رآك مرة ! نعم، لا تتخيل … لا شئ يحدث هنا … لكننا نحلم كثيراً كثيرا …”.

“حسناً، ما اسمك؟” سأل سنفكن. كانت الأمسية قد أُفسدت على كل حال، لذا فكر أن الحديث أسهل.

“أنا من الصِغَر بحيث لا أملك اسماً” قال بشغف. “في واقع الأمر، لم يسألني أحد عن اسمي سابقاً. لكني ألتقيك، أنت الذي سمعت عنك الكثير ولطالما وددت رؤيتك، ليكون أول ما تسألني عنه اسمي! هل تظن … لعلك… أعني، هل سيثقل عليك جداً لو فكرتَ في اسمٍ لي، اسمٍ لي وحدي لا يمكن لأحد غيري أن يملكه؟ الآن، الليلة؟”

همهم سنفكن بشئٍ وخفضَ قبعته فوقَ عينيه. طارَ شئ فوق الجدول بجناحين طويلين حادّين وأطلق صيحةً طويلةً حزينةً بين الأشجار: يو-يووو، يو-يووو، تي-ووو.

“لا يمكنك أن تصبح حراً حقاً إن بالغت في الإعجاب بأحد” قال سنفكن فجأة. “أعرفُ هذا”.

Image

“أعرف أنك تعرف كل شئ” هدَرَ الكريب الصغير وهو يخطو أكثر “أعرف أنك رأيت كل شئ، أنتَ محقٌ في كل ما تقول، وسأحاول دائماً أن أكون حراً مثلك … إذن أنت في طريقك إلى وادي المومن لتستريح وتلتقي أصدقائك … أخبرني القنفذ أن “مومِن ترول” ذاك يترقب قدومك ما إن يصحو من سبات الشتاء … أليس من اللطيف أن تعرف أن ثمة من يشتاقك وينتظر طويلاً رؤيتك ثانية؟”

“سآتي حين يحلو لي” صاح سنفكن بعنف “لعلي لا آتي أبداً. قد أذهب إلى مكانٍ آخر”

“اوه. سيصبحُ حزيناً حينها” قال الكريب.

بدأ فروه يجف وينقلب أسمراً فاتحاً وناعماً. أخذ يشد الحقيبة من جديدٍ وسأل بحذر: “لعلك … أنت الذي سافرت كثيراً …؟”

“لا” قال سنفكن وفكر غاضباً “لماذا لا يدعون تجولاتي وشأنها! ألا يدركون أني سأفككها حديثاً إن رويتها. فتفلت، وحين أحاول تذكر ما كانت عليه حقاً، لن أتذكر إلا قصتي”

خيم صمتُ طويل، وصاح طائر الليل ثانية.

نهض الكريب وقال بصوتٍ خفيض: “حسناً، يتوجب علي الرحيل الآن كما أظن. تشيروو”

“تشيروو.” قال سنفكن متململاً قليلاً. “إسمع. إمم. بالنسبة للاسم الذي طلبته. ما رأيك بـ تيتي-وو، مثلاً. تيتي-وو، ألا ترى، بدايةٌ خفيفة تقريباً، مختومةٌ بشئٍ من حزنٍ صغير.”

حدق الكريب الصغير بعينين صفراوين تحت ضوء النار. فكر باسمه، تذوقه، أصغى له، حبا داخله، وأخيراً رفع رأسه إلى السماء وعوى في نعومةٍ باسمه الجديد، في حزنٍ ونشوةٍ بالغين حتى أن رعشةً دبت في ظهر سنفكن.

ثم اختفى ذيلٌ أسمرٌ بين العلّيق، وعم الصمت.

“يا إلهي.” قال سنفكن وركلَ جمرة. نفضَ غليونه. ثم نهض وهتف: “مرحبا! عُد!”

لكن الغابة كانت صامتة. “اوه، حسناً.” فكر سنفكن. “لا يمكنك أن تكون لطيفاً ؛ ما من وقت. على الأقل حاز هذا الكريب اسماً.”

جلسَ ثانيةً وأصغى إلى الجدول والصمت، منتظراً لحنه أن يعود. لكنه لم يعد. أدرك حالاً أن اللحن مضى بعيداً حيث يصعب إمساكه. لعله لن يتمكن من صيده من جديد. الأمر الوحيد الذي يمكنه سماعه صوتُ الكريب الحيي الشَغِف، متحدثاً متحدثاً متحدثا.

“لماذا لا يظلون في البيت مع أمهاتهم.” قال سنفكن بحدة ثم ألقى بظهره على أغصان التنوب. بعد فترةٍ نهض وهتف ثانية. أصغى طويلاً ثم خفض قبعته فوق أنفه ونام.

واصل سنفكن مسيره اليومَ التالي. كان متعباً ومنزعجاً يمشي بتثاقلٍ جهة الشمال دون أن يلتفت يمنة أو يسرة. لم تتحرّك أي همسةٍ لبداية لحنٍ تحت قبعته.

لم يتمكن  من التفكير في أي شئ سوى الكريب. تذكر كل كلمةٍ قالها الكريب وقالها سنفكن نفسه، مضغها طويلاً حتى أنهكته فاحتاج أن يجلس ويستريح.

“ما الذي عراني؟” فكر سنفكن غاضباً ومحتاراً “لم أشعر بهذا من قبل. لا بد أني مريض.”

نهض وواصل طريقه، إلا أن الأمر عاوده، كل ما قاله له الكريب وكل ردٍ رده عليه.

في النهاية صار عليه أن يتوقف. عند الظهيرةِ التفتَ وعاد أدراجه.

بعد مهلةٍ شعرَ بتحسن وتسارعت خطواته، صار يبقبق ماشياً. رفرفرت ألحان صغيرة حول أذنيه لكنه لم يملك الوقت لالتقاطها. في المساء بلغَ غابة البتولا وبدأ ينادي.

“تيتي-وو!” صاح. “تيتي-وو!”. فاستيقظت طيور الليل وأجابته، تي-وو، تي-وو، لكنه لم يسمع شيئاً من الكريب.

قطعَ سنفكن المكان ذهاباً وإيابا، باحثاً ومنادياً ومصغيا، حتى حل الغسق. سطع القمر الجديد عالياً فوق فسحةٍ في الغابة، وقف سنفكن ينظر إليه شاعراً بالحيرة.

“علي أن أعقد أمنية” فكر “إنه قمرٌ جديد”.

أوشك أن يتمنى ما اعتاد عليه: لحناً جديداً، أو كما يفعل أحياناً، طريقاً جديدة. إلا إنه صحح نفسه في عجل وقال بصوتٍ عالٍ: “أن أجدَ تيتي-وو”.

ثم التف ثلاث مراتٍ وقطع الفسحة ماضياً في الغابة ومعتلياً الهضبة. خرخشَ شئٌ بين الشجيرات، شئٌ أسمرٌ فاتحٌ ومكسوٌ بالفرو.

“تيتي-وو!” نادى سنفكن بعذوبة. “لقد عدتُ لنثرثر”

“اوه، مرحباً،” أجاب تيتي-وو وأخرج رأسه من بين الشجيرات. “هذا رائع. لأن لدي ما أريك إياه. انظر! لوحةَ اسم! واسمي مكتوبٌ عليها، لأعلقها على بابي حين أملك منزلي الخاص”.

أراه الكريب قطعة لحاءٍ بعلامةِ مالكٍ عليها، ثم أكمل باهتمام “متقنة، أليس كذلك؟ هذا ما يظنه الجميع.”

“جداً!” قال سنفكن. “إذن ستمتلك منزلك الخاص؟”

“بالفعل!” قال الكريب بحماس “لقد ابتعدتُ عن المنزل وابتدأت حياتي. إنه أمرٌ مثير! كما ترى، قبل أن أملك اسماً، كنتُ اعتدت أن أثبَ حول المكان، ولعلي شعرت بهذا أو ذاك حول هذا الأمر أوذاك، كان كل شئٍ يحدث ببساطةٍ حولي، أشياءٌ لطيفة أحياناً وأحياناً غير لطيفة، لكن شيئاً من هذا لم يكن حقيقياً، ألا ترى؟”

حاول سنفكن الرد لكن  الكريب أكمل: “الآن أنا شخص، وكل ما يحدث يعني شيئاً. لأنه لا يحدث فقط، إنه يحدث لي، تيتي-وو. وتيتي-وو سيفكر في هذا الأمر أو ذاك كما يقتضي الأمر – إن كنت تفهمني؟”

“أفهم بالطبع.” قال سنفكن. “هذا أمر جيد بالنسبة لك.”

أومأ تيتي-وو وَبدأ يفتش في الشجيرات.

Image

“أتعلم؟” قال سنفكن. “ما زلت في طريقي إلى وادي المومِن. في الواقع، أريدُ رؤيته حقاً.”

“اوه؟” قال تيتي-وو. “مومِن ترول؟ نعم.”

“لعلك تود سماع بعض الألحان قبل أن أشرع بالمشي؟” واصل سنفكن. “أو بعض الحكايات ربما”.

أخرج الكريب رأسه من بين الشجيرات وقال: “حكايات؟ اوه، نعم. وقتاً آخرَ هذه الليلة، ربما. لكني مستعجل جداً هذه اللحظة – أنا متأكد أنك لا تمانع … “

اختفى الذيل الأسمر الفاتح تحت الخزامى، وبعد مدةٍ بانت أذنا تيتي-وو على مبعدة، صاحَ: “تشيروو، وبلغ سلامي لمومن ترول! علي الرحيل بأسرع وقت ممكن، فقد ضيعت الكثير من الوقت!”

ثم غاب.

حك سنفكن رأسه.

“إذن،” حدث نفسه “نعم، كما أرى”.

استلقى على ظهره ونظر إلى سماء الربيع. كان اللون أزرقَ معتماً وصافياً فوق رأسه وأخضرَ بحرياً فوق رؤوس الأشجار. بدأ اللحن يتحرك في مكانٍ تحت قبعته، أملٌ في جزءٍ منه، حزنٌ ربيعيّ في جزئين، أما البقية فبهجةٌ عظيمة للبقاءِ وحيداً.

Image

—–

الترجمة عن الإنجليزية من مجموعة “Tales from the Moominvalley

ثلاث وقفَات مع النضال النَسَوي للمثقف السعودي

Image

في مقالها المعنوَن بـ”النسوية السعودية والإصلاح السياسي“، وجهت إيمان القويفلي نقداً للحركات النسوية في السعودية التي قبلت المساومة على الحقوق السياسية مقابلَ الدخول في بلاط السلطة الأبوية. تمثّلَ هذا في استبشار النسويات بقرار تعيين النساء في مجلس شورىً غير منتخب ولا يملك أي صلاحيات تشريعية أو تنفيذية. وكانت القويفلي على حق، فأشهر النسويات السعوديات من الجيل الجديد، منال الشريف، أكّدت مراراً حين خرجت في مظاهرتها الشهيرة، أنها لا تعني بها تحدّي السلطة ولا التظاهر ضدها، بل هي تعمل من داخل نظام يضمن لها حقها في القيادة، أو أقلاً لا يصرّح بحرمانها من هذا الحق.

لكن يبدو أن هذا الانفصام بين النسويات السعوديات ومطالبات الإصلاح ليست من طرفٍ واحدٍ، بل اثنين. ففي حين لا تقف الكثير من النسويات لمراجعة موقفهن من الإصلاح، ينأى المثقف السعودي أيضاً بنفسه عن مراجعة النظرية النسوية. وحين أقولُ “ينأى” فإني أشدد على القصدية في هذا الفعل: إذ يتجنب المثقف السعودي ما يمكن أن يصمه – والعياذ بالله – بالتعاطف مع النسوية وانحيازها اللاعقلاني إلى حقوق جنسٍ واحدٍ دونَ غيره من دوابّ الأرض. إن أبعد محاولات المثقف السعودي في التنظير للنسوية لا تتعدى التقعيد لمزاجه الشخصي حول الجمال والمرأة، أو الترويج لفكرة تقليدية في قالبٍ متجاوز للعرف لا غير. لي هنا وقفة مع ثلاثة من الجيل الجديد من المثقفين السعوديين، وهي وقفات لا تقدّم مسحاً شاملاً للساحة الثقافية، لكنها تنتخب منها ثلةً من الفاعلين نتيّاً وإعلامياً باعتبارهم فئةً مؤثرةً في تكوين رأي الشارع.

أولاً: سعيد الوهابي وعقل المرأة

الوهابي صحفيٌّ ومدوّن شاب، كتبَ سابقاً تدوينات جيدة على غرار “صديقنا الملك، هل تسمعنا” وَ “من هو المواطن السعودي المعاصر؟”. لكنّ تدويناته الجيدة لم تنل من الشهرة ما ناله مقاله المثير في عكاظ اليوم “لماذا بعض النساء السعوديات غبيات وقبيحات؟”

، والذي تمّت “هشتقته” في تويتر لسويعاتٍ قلائل – وكل مستخدم لتويتر يعرف ماذا يعني أن تكون فريسة المُتَوْتِرين المُتَوَتّرين الجديدة – . في النصف الأول من مقاله يُقدّم الوهابي ما يشبه تفسيراً لكون المرأة السعودية قبيحة، وهو ليسَ تفسيراً بقدر ما هو مجموعة اعتباطية من الأمثلة لجمال العرق الأبيض وافتتان العالم به. أما النصف الثاني في مقاله فيتسائل لماذا هي غبية؟ بالطبع لا يتوقع الوهابي أن نسأله ما هو الغباء تحديداً قبلَ أن يعرّفه لنا بعدم معرفة سعر الدجاجة المشوية والفرق بين الخروف النعيمي والنجدي. وللأمانة يقدّم لنا الوهابي هنا ما هو أقرب للتفسير حين يقول إن المرأة لا تخرج إلى المجتمع ما جعلَ عوالمها محدودة الأفق.

المقال نال ما نال من الشهرة بسبب نيله من السعوديّات وبشكلٍ مباشرٍ وفجٍّ بدءاً من عنوانه. المسألة خيانة وطنية قبل أي شئ آخر. هذا عميلٌ من الداخل وطابورٌ خامس يريد أن يفتننا عن آلهتنا. هذا لا يعني أن أياً من “تصريحاته” في المقال تتسم بأدنى قدرٍ من الموضوعية. وهي ليست المرة الأولى التي يقدم فيها الوهابي رؤيةً كارثية حول المرأة. في مقالٍ آخر أقل شهرة يحدّثنا الوهابي عن غدةٍ في عقل المرأة نسيَ اسمها في اللحظةِ الإلهامية التي كتب فيها المقال (لم يكن يملك وقتاً لمراجعة موقع هذه الغدة واسمها لأنه كان يكتب المقال في جواله في شارعٍ مزدحمٍ بالجميلات  وغيرهنّ – هذه عبارته حرفياً-)، يحدثنا أن هذه الغدة الوهّابية تسيطر على عقل المرأة عندما تسمع كلمات إطراءٍ حلوة.

لست بصدد نقد المقاليَن الكارثيين على أكثر من صعيد، لكني أود الإشارة إلى حالة الكسل التي تنتاب المثقف السعودي حين يصير الحديث متعلقاً بالمرأة. في مقاله “صديقنا الملك” يقدّم الوهابي قائمةً بأسماءِ الوزراء وأعمارهم مقارنةً بمتوسط عمر الشعب، أما في الحديث عن سيكولوجية المرأة وفسيولوجيتها، يصبحُ الأمر مطروحاً للتخمين وضرب الوَدع. يتسائلُ الوهابي كيف لامرأةٍ جامعية أن تستشير مشعوذاً، في حين يحدّثنا عزيزنا الصحفي القاصّ المدوّن الجامعي عن غدةٍ أكبر وغدة أصغر! لا ينشغل المثقف السعودي بالبحث والتمحيص حين يقرر الانشغال بموضوع المرأة، بل يكفي لديه أن يسبغ عليها من اهتمامه ووقته بحيث يمنحها مساحةً في عموده الصحفي. الرجل السعودي هو الرائي أولاً وأخيراً، هو هدف الرؤية وهو الذي يمنح الموضوعَ المرئي/المرأة مضموناً ومعنى. لا يحتاج مثقفنا إلى الإطلاع على كم الأعمال النسوية المكتوبة فهي – في النهاية – لا تعدو كونها آراء متزمتة تسلب الرجل حريته في إطلاق العنان لخياله الرومانسي وتسميته علماً. كما أن الكتابة الصحفيةَ لدينا سهبٌ واسع المدى لا حدودَ له، بحيث يتسع لنشرِ هذا الهراء برحابة صدر.

ثانياً: أحمد العلي وفستانُ پِنك

أحمد العلي شاعرٌ شابٌ ومترجمٌ صدرت له العديد من الأعمال مؤخراً، منها عمله الشعري “يجلس عارياً أمام سكايب” وكتابه “نمو المفاهيم” (أعماله متوفرة للتحميل من مدونته الخاصة في لفتةٍ جميلةٍ منه). الغالب على مدونته أعماله الخاصة من شعرٍ وترجمات ورحلات، إلى جانب بضع مواضيع منها تدوينة حول الوضع السياسي في الشرقية، لا سيما ما يختص بشيعة الأحساء.

في تدوينةٍ شاعريةٍ عن متحف الجنس في نيويورك، يستهل العليّ حديثه بـ:

“رُمّانُ الله في صدورهن.. تلك الحبّات عندما تَنهَدُ يدورُ حولها الكوكب. يسرنَ بلا رويّة في مانهاتن، رُمّان الله يهتز ولا يسقط إلا في بركة النظرة الصافية.. لو وضعتُ يديّ عليها ستتغير ملابسي كلها، سيقف شعري و أخف، أصيرُ عازف دي-جي مجنون و ينقلبُ الرصيف ساحة رقص. “

لا يتضح في الجملة الأولى إلى من تحيلُ نون النسوة. بعدَ بضع كلماتٍ تعرفُ أنهن نساء نساء مانهاتن النواهد. كلهن؟! لا أدري. لم أزر مانهاتن سابقاً. يستطرد العليّ في خياله الشعري مروراً بوقوفِ مارلين مونرو أمام كاميرا بلاي بوي وانتهاءً بلقطتها الشهيرة بالفستان الأبيض.

لكنّ وقفتي مع العليّ تتعلق لا بتدويناته، بل بتغريدةٍ صادفَ أن مررتُ بها ليلة الاحتفال بجوائز الأوسكار هذا العام. حينَ ظهرت پِنك بفستانٍ أحمر على خشبة المسرح لتُغنّي Over the Rainbow، كتب العلي في حسابه في تويتر: “الفستان يا بينك=درجة الأحمر من الله… بس انتي داخله كنّك بيّاعة شورما.. الأحمر للشعر الطويل و التقاطيع الكلاسيكيه، فك أوف”.

حين سائلتُ حكمه هذا كان دفاعه رمياً بتهمة النسوية. النسوية! يا للعار والشنار! هذا أسوأ ما يُمكن أن تنعتَ به المرأة  – والرجل – في السعودية. بالطبع، يحق لك أن تصيّر ملبسَ الآخرين – النساء طبعاً- شأنكَ الخاص وانتهاكاً للحرم القدسي لمجالك البصريّ (أين تنتهي حدوده بالضبط؟) ، أليست هذه حرية التعبير بالضبط! حرية أن يطلق المثقف السعودي لنظرته الذكورية العنان لتقرر ما على المرأة أن تلبس لترضيه، بل أنكى من هذا، أن ينتخب الفساتين للنساء كخبير أزياءٍ في What Not to Wear . هكذا ينقلبُ مثقفنا العزيز من هموم المفاهيم إلى فاشن بوليس في توك شو. ليس من المعيب أن يكون للمرء نظرة حول الأزياء. لعل پِنك نفسها سألت شخصاً بالقرب – والذي صادف ألا يكون مثقفنا السعودي – : “كيف أبدو في هذا الفستان؟”، لكن أن نمنح الفانتازيا الخاصة في رؤسنا هذه الحمية الأخلاقية ليس إلا شكلاً ما بعدَ حداثيٍ تقويضياً فينمومينولوجياً للوصايةِ على المرأة.

ثالثاً: مظاهر اللاجامي – وآخرين – وبطن المرأة

اللاجامي روائي سعودي صدر له عملان “الدكة” و”بين علامتي تنصيص”، إلى جانب مقالات منشورة له في صحيفة العرب والحوار المتمدّن. مواضيعه تتنوّع بين الأدبي والسياسي، إلى الفلسفي المشغول بأسئلة الدين والهوية. في “ستاتس فيسبوكيّ” حديثٍ له كتب:

” أشد اللحظات التي أشعر فيها بالغثيان والقرف وقبح الوجود هي تلك اللحظة التي ألمح فيها جسد امرأة حبلى…”

Image

الفيسبوك بالطبع مساحة شخصية – أو هكذا يدّعي أصحاب الشبكة – ، لكنّي سأخمن الآن أن اللاجامي لم يترك نقاطه الثلاث في آخر العبارة، إلا وهو يتوقع استطراداً لها. لا من جهته، بل من جهة كم التعليقات التي ستنهال عليه (أو معه) بسبب العبارة المستفزة. لذلك أذكر في العنوان “آخرين”. آخرين دخلوا بوابة التعليق فزادوا الطين بلة. المثقف هنا لا يأتي بجديد، إنه يمارس حقه الذكوري الطبيعي في أن يمنح فانتازياه الخاصة هذه اللغة التقريرية التي تحكم بكمال جسد المرأة ونقصانه، الجزء الوحيد الذي خالف فيه اللاجامي العرف هو أنه انتهك حرمة الأمومة بعبارته. الأمومة لا المرأة. هذه الرغبة الحيوانية الطبيعية في التكاثر على الأرض. هنا ثار الجدل حتى بلغ سيل التعليقات ثمانيناً ونيف. ثمةَ من يجد شكل المرأة الحبلى جميلة لأنه يرى في الأمومة فكرة جميلة، وثمة من يستقبحها لأنه يراها شذوذاً على الطبيعة. هلموا يا سادة واحداً واحداً. أخبرونا أيضاً أي جزء في المرأة يعد شذوذاً وأيها يعدَ تناغماً.

حين يكون الحديث عن الرجل لا تمم مقارنته بالطبيعة. فالرجل – كما ترون – وليد الحضارة، هذا العالَم المتمدّن، إنه واحدٌ من مخرجاته، والترهلات التي ترونها في جسده هي حصيلة تراكم الدهون المشبعة في أجزاء مختلفة من جسمه بسبب تكوينه البدني وتقدمه في العمر الذي يجعل مسألة حرق هذه الدهون صعباً. (لا بد من لغةٍ علميةٍ هنا لنعقلن الفكرة). أما ترهلات المرأة فهي شذوذ عن الطبيعة، انتهاك لجمال هذا العالم، بل في أحسن أحوالها هي من جماليات القبح – في ابتكارٍ لاجاميٍّ عظيم. أما حبلها وانتفاخ بدنها – لا سمح له – فليسَ إلا اختلالاً في قدرتها على التناغم مع هذا الكون (لا بد من لغة رومانسية هنا). المرأة – كما ترون أيها السيدات والسادة – جزء من الطبيعة. هي أشبه بشجرة. شجرة رمان ربما باستعارة تعبير العليّ. أنت لا ترى شجرة الرمان تنتفخ حين تحبل بثمارها، بل هي تحمر وتصفرّ وتخضرّ. وهذا ما ينبغي على المرأة فعله بالضبط. أن تغير لونَ شعرها فقط، أما جذعها فمعاذَ الله أن ينتابه أي تغيير.

الحديث لا ينتهي هنا، فاللاجامي في تعليقٍ آخر – وبإشارة عنصرية فجة – يقول أنه يحترم الحبلى كما يحترم السوداء، كإنسان، لكنه لا يراها جميلة. كيف يحترمها كإنسان؟ لنقل -تخميناً منا – أنه لا يركلها ككلب ولا يأكلها كبقرة. اللاجامي الذي كان واضحاً في مساءلته للسلطة الكهنوتية وإمساكها برقاب الناس، لم يجد حاجةً لمساءلة فكرته عن الجمال والقبح، لأن هذه مفاهيم لا سلطة له على تغييرها في نظره. إنها نابعة من انطباعٍ فطريٍ طبيعيٍ نقيٍّ نحوَ القبح والجمال في هذا العالم. من أنت لتسائل حكم الفطرة ؟!

الأمر عند اللاجامي لا علاقة له بسنواتٍ طوال من إغراقنا في إعلامٍ رخيص يقرر مقومّات الجمال ومسلّماته. لا علاقة له بمحاولة ترويج فكرة واحدة للجمال دون غيرها. رغم أن هذه الفكرة عرضة للتبديل والتغيير بالطبع لتسيير العجلة الاستهلاكية لقائمة لا تنتهي من الفاشن مروراً بالمكياج وحتى عمليات التجميل. الأمر بمنتهى السهولة حتى يصبح من العادي جداً الإشارة لجسد المرأة بالسلعة، حين يقول أحد المعلقين على الستاتس “لولا الأسواق لبارت السلع” و”لكل ساقط لاقط”. نعم. هذا هو شكل الحديث الافتراضي عن المرأة.

***

يريد المثقف السعودي أن يكون – ويؤمن – مرآةَ المرأة. إنه عينها الداخلية، نظرتها إلى نفسها وقيمتها الخاصة. هذا المثقف لا يرغب بمراجعة نظرياته حول المرأة بل يتركها عرضةً لاستيهاماته وصوره الشعرية الخاصة، لأنها – خلافاً لمواضيع الدين والسياسة – لا يمكن أن ينتفع بها خارج هذا الإطار. أن يتخلى عن رسم الحد الفاصل بين الفانتازيا والتنظير يعني أن يخلع عمامة السلطان عن رأسه. ليس الآن. ليس وهو يستمتع بامتيازات السلطة الممنوحة له من قلب السلطة التي يقاومها. إنه لا يتخيل بأي شكلٍ من الأشكال أن نظرته للجسد قد شكّلتها سنوات من البحلقة في التلفاز أو تقليب المجلات – التي يلوم النسوة لاقتناءها وهو يحتفظ بها في أدراج سرية – ، بل يسبغ على نظرته هذه القيمة الأخلاقية المطلقة التي تمنحه – دون خجلٍ أو مواربة – جرأة التصريح به في عمودٍ صحفي أو تغريدةٍ أو حالة فيسبوكية. والأمر لا علاقة له بأي شكلٍ من الأشكال بأن تكون ليبرالياً أو محافظاً، أو “غير منحاز”. هذا الجيل الذي وُلِد على خطابات تقرر للمرأة من تكون وكيف تكون، ما زال يكرر ذات الخطاب ويبرر له بكل شكلٍ ممكن.