في مديح المُتسكِّعات: النسوة اللواتي استَعَدْنَ شوارع مُدننا | لورن إلكِن

5782

لم تحز الكتابة عن المشي في المدن على رواجٍ يفوق رواجها الآن. إذ باتت الكتب النفس-جغرافية صِنعةً سهلة التداول وَعُدَّ مؤلَّفوها فلاسفةً في الحداثة. تعود جذور ما يمارسونه إلى ظاهرةٍ من القرن التاسع عشر، ألا وهي المتَسّكِّع flâneurكرمزٍ للحظوة والرفاهية، في حوزته ما يكفي من الوقت والمال  ليجول المدينةَ هوناً كيفما شاء.  المُتَسّكِّع مدفوعٌ بصخب المدينة والحشود وأنغامها ومشتاطٌ منها في الآن ذاته؛ إنّه جزءٌ من مشهد المدينة لكنه منفصلٌ عنه في آن، إنه الممُثِّل والمُتفرِّج معاً.

كما أنّه رجلُ دائماً. وَلهو أمرٌ غريب: فلطالما سكنت النساءُ المدنَ منذُ عمرانها، إلا أننا حين نود معرفة ما ينطوي عليه التجوّل بتأنٍ في المدينة، لا نجد إلا تراثاً كتابياً طويلاً دوّنه الرجال لينبئنا عن الأمر، تراثٍ يمتدّ من توما الإكويني مروراً بآندريه بريتون حتى وِل سِلف. أمّا إن أردنا معرفة كيف عايشت النساء المدينة؟ فإنَّ على المتسكِّعة، إن أمكن للمرء ادّعاء وجودها، أن تكون  مومساً أو مشرّدةً، أو أخرىً ذات حظٍ عاثرٍ حملتها الظروف على عيش الشوارع. اليوم، في الحين الذي تمتلك أغلب النساء اللواتي تلتقيهنّ حكايةً أو اثنتين يروينها عن التحرّش في الشارع ، تبدو فكرة التجوّل في الشوارع وحيدةً مُقترَحاً ملغوماً.

لعلَّ ذلك يشرح الاهتمام الضئيل الموجّه لكتابة النساء عن المشي في المدينة: إذ يفترض الأغلبيّة أنها  إما معدومة، أو أنها الاستثناء الذي يثبت القاعدة. تتكئ مصادرنا حول وصفِ مشهدِ الشوارع في القرن التاسع عشر على روايات الرجال، الذين يبصرون المدينة على نحو بعينه. يُعتقَدُ أن العابرة الغامضة الفاتنة التي خلَّدها بودلير في قصيدته “إلى عابرة”، ضمن مجموعته “أزهار الشرّ” كانت فتاة ليل: “الليل الصاخب يضجّ حولي/ ممشوقةً، هيفاءَ، في حدادٍ ثقيلٍ، ترفل في الجلال/ عبرت امرأةٌ بي (…) خطرت في بهاء، بساقين عاجيَّتين/ مرتعشاً كمَمْسوسٍ، رشفت من / عينيها، سماءٍ شاحبة فيها تُولَد الأعاصير/ الرقّة الفاتنة وَاللذّة القاتلة.”  بالكاد يسع بودلير القبض على تفاصيلها: إنها سريعة جداً (وإن كانت، في الوقت ذاته، ثابتةً كمنحوتة). لا يحمله دافعٌ إلى اعتبار مَن تكون حقاً. إنها، بالنسبة له، مكمن سرٍّ غامض، في حوزتها قدرةٌ على سحرِ الغير وَتسميمه.

كذلك غضَّت النساء طرفهنَّ عن احتمالات التسكّع. في عام 1888، كتبت الشاعرة والكاتبة والروائية البريطانية “أيمي ليفي”، “لا تزال صورة المرأة مرتادة النوادي، المتسكّعة في شارع القدّيس جيمس، بمفتاح منزلٍ في جيبها ونظّارة معلّقة على طرف أنفها، مخلوقاً يسكن المخيّلة فحسب.” غير أنه لطالما وُجِدت نساءٌ يكتبن عن المدن، ويؤرّخن لحياتهنّ، وَيسردن قصصاً، وَيلتقطنَ صوراً، وَيصنعن أفلاماً، منخرطاتٍ في المدينة بأي وسيلةٍ بين أيديهنّ – بما فيهنَّ “ليفي” ذاتها. أن نفترض انعدام المتسكّعات لمجرد أنه لم يكن هناك متسكّعة أنثى بالمعنى الحرفيّ يفضي إلى اختزال الوسائل التي عايشت عبرها النساءُ المدينةَ إلى الوسائل التي عايشّ عبرها الرجال المدينة. لعلّ الحل لا يمكن في محاولة موائمة المرأة لمفهومٍ ذكوريّ، بل في إعادة تعريف المفهوم ذاته. حان الوقت لنعترف بتراثٍ مقابلٍ للتسكّع، معيدين النظر في “جورج ساند” أو “جين ريز”، أو في أيامنا هذه  في “صوفي كال”  أو لورا أولدفيلد فورد”.

حتّى تكون المرأة متسكّعة، عليّها أولاً وقبل أي شئ آخر، أن تكون جوّالة – أي شخصاً في مُكنته معرفة المدينة عبر التجوّل في شوارعها، تفحّص زواياها المعتمة، استراق النظر من خلف واجهاتها، واختراق ساحاتها السريّة. أطلقت “فرجينيا وولف” على هذه الممارسة اسمَ “اصطياد الشوارع” في مقالةٍ تحت ذات الاسم:  أن نهيم في مساء شتوي، مكتَنَفِين بـ “الوهج الخمريّ للهواء وألفة الشوارع”، نُخلِّف الأشياء التي تُعرِّفنا وراءنا في المنزل، لنمسي “جزءاً من ذاك الجيش الجماهيريّ الضخم من السيّارةِ المجهولين”. عند خروج “وولف” بدعوى شراء قلمٍ رصاص، تُحوِّلها صفات الضوء والهواء والطريق.  إذ نشقُّ مشهد المدينة نبلغ نقطةً لا نعود فيها منفعلين فحسب: بل متفاعلين أيضاً، مبعوثين خلقاً جديداً تحت وقع هذا التفاعل.

رأت رسامة القرن التاسع عشر الروسيّة “ماري باشكرستف” صلةً جليّةً بين المشي في المدينة واَلعمل الذي يخلقه الفنّانون. “أتوق إلى حريّة الخروج وحيدة: أن أذهب، أعود، أجلس على مقعدٍ في حدائق توليري، أن أذهب خاصةً إلى لوكسمبرغ، أن أنظر إلى واجهات الدكاكين المزيَّنة، أن أدخل الكنائس والمتاحف، أن أجول الشوارع القديمة في المساء. هذا ما أَحْسِد الغيرَ عليه. دونَ هذه الحريّة لا يمكن للمرء أن يصبح فناناً عظيماً.”

بالنسبة لـ “وولف”، التي واتتها فكرة روايتها “إلى المنارة” ذات ظهيرة خلال مشيها في ميدان تفيستوك، ثمة صلة وثيقة بين المشي والإبداع. كتبت في رسالةٍ إلى “إثِل سمِث” عامَ 1930: “لا يمكنني القبض على شعور الوحدةِ والتماسك وكلّ ما يجعلني أتمنّى كتابة المنارة وغيرها ما لم أُحفَّز باستمرار.” يتأتى هذا التحفيز من الانشغال بالعالم، من “الانغمار بلندن، ما بينَ وقتِ الشاي والعشاء، وَالمشي، المشي، أُشعل جذوة حرائقي، في المدينة، في خربة بائسة، حيث أسترق النظر من أبواب الحانات الشعبية”.

تلخّص الكلمات الأولى لشخصيّة مسز دلاوي، التي خلقتها “فرجينيا وولف”، كل الأمر: “أحب المشي في لندن، قالت السيدة دلاوي، فعلاً، إنه أفضل من المشي في الريف.” السيّدة دلاوي مصداق الرأة المتسكّعة، كما تشير لذلك كنيتها. “امرأة تحب التسكّع في الطريق[i]” كما تلفت لذلك “ريتشل بولبي”.  استخدمت “وولف” الشوارع كحقلٍ للبحث. ما رأته هناك حفّزها على التساؤل عن الناس وحيواتهم. دفعها تحدّي التقاط ما يشعرون به قدماً في مشروعها الأدبي – كيف تقدِّم “الحياة عينها” في صفحة كتاب.

عوضاً عن التسكّع دون هدىً، كما هو شأن نِدّها الرجل، تنطوي المرأة المتسكّعة على خصلةٍ من العصيان: إذ تذهب إلى حيث يُفترض بها ألا تكون. خذ مثالاً الفنانة الفرنسيّة “صوفي كال”، التي بدأت حرفتها المُحتفى بها في اليوم الذي، بدافع الملل، بدأت تتقصّى سراً أناساً في الشارع اختارتهم باعتباط. ذات مساء، في افتتاح أحد المعارض، قابلت رجلاً كانت تقتفي خطوه في ظهيرة اليوم نفسه. بدت المصادفة كإرهاصةٍ ما. عندما ذكر أنه مسافرٌ إلى البندقيّة اليومَ التالي، قررت ملاحقته سراً أيضاً وتبعته حول المدينة حتّى ميّزها من تحت شعرها  الأشقر المستعار. جمعت “كال” ملاحظاتها وصورها وحوّلتها إلى عملٍ فنّي َوكتاب ، اسمه  Suite Vénitienne. كمتسكعةٍ، استعادت “صوفي كال” حقها في المشي في المدينة – لا عبر تتبّع رَجلها ببساطة، بل عبر ملاحقة طريدتها.

985

تعبر المتسكّعة الشوارع بتحدٍّ، كما تلمّح لذلك صورة مأخوذة عامَ 1929 من قبل “ماريان بريسلر”. في مقدّمة المشهد تقف امرأة في الشارع في باريس، موشكةً على إشعال سيجارة. خلفها على الجدار التنبيه المألوف: (Défense d’afficher الإعلانات ممنوعة)، والذي يشير إلى حظرٍ في أواخر القرن التاسع عشر يهدف إلى حماية المدينة من التحوّل إلى مكبٍّ للوحات الإعلانات. فوق التنبيه محفورةٌ بعض الأحرف – في تحدٍ؟ أم أنها كانت هنا أولاً؟- معلنةً أنه كان يمكن الحصول على اللحوم هنا، أو قريباً منها. وَتحته رسمَ شخصٌ ملامحَ خام لوجهٍ ما.

لم يعد مشهد المرأة المدخّنة في العلن غير مألوفٍ في الزمن الذي التقطت فيه “بريسلر” الصورة. إلا أنها ما زالت تحتفظ بملمحٍ من خطيئة: امرأة، مرئيةٌ في مواجهة الحائط خلفها، وسط حقلٍ من الحظرِ والمخالفة، توشك على إشعال سيجارة. تثير صورةُ “بريسلر” الإشكالَ الرئيسَ في قلب التجربة المدينيّة: أَ نحن أفراد، أم أننا جزء من حشد؟ هل نريد أن نمتاز عن الجَمع أم أن نتماهى معه؟ هل الأمر ممكن أساساً؟ كيف نريد – أياً يكن جنسنا – أن نُرى في العلن؟ هل نريد جذب العين المحدّقة أم الإفلات منها؟  أن نكون جديرين بالملاحظة أم في حلٍّ من الملاحظات؟  Défense d’afficher. لا تُعلِنْ. لكن ها هي ذي. إنّها تُعلِن. تعرض ذاتها. تتبدَّى أمام المدينة.

يمكننا توسيع تعريف المتسكّعة حتى ليشمل المراسلة الصحفيّة. أخبرت “مارثا غلهورن”، مراسلةُ الحرب العظيمة، “فكتوريا غلندنغ” أن “التسكّع يماثل العزلة أهميّة: هكذا تستمرّ التوليفة بالنموّ في الذهن.” وضعت “غلهورن” نفسها وسط الدماء والقذارة واليأس، مسافرة من إسبانيا إلى الصين، إلى فنلندا وَفيتنام.

عند حلولها مدريد لنقل أنباء الحرب الأهلية الإسبانية، شعرت “غلهورن” أنها لا تمتلك القدرة الصحفية لتغطية الأحداث الكبرى، فالتفتت عوضاً عن ذلك للمراسلة حول الحياة اليوميّة في المدينة المحاصَرة. في سلسلة من التقارير كتبتها لـ كوليير، وهي مجلة أمريكية، وصفت “غلهورن” جولاتها اليوميّة حول المدينة، ممعنةً في تفاصيل الأثر اليوميّ للحرب على الناس القاطنة هناك. كتبت عن غرابة أن يجد المرء حرباً قريبةً من طريقه، وَوصفت الناس ينتظرون ببساطةٍ القصف التالي، أو نزولَ خطبٍ آخر. كان الناس “يقفون عند العتبات بالقرب من الميدان، يقفون هناك في جَلَد، ثم تنزل قذيفة فجأة، فتنبثق نافورة من حجر الصوّان في الهواء، ويطفو دخان اللِدايت الفضّي برقةٍ صعداً”. لا يحتمل أحد الرجال وقوفه عند العتبة ضمن آخرين، فيقول إنه يظن الأمر انتهى، لكن عليه الذهاب على أية حال: “عندي عمل أنجزه. أنا رجلٌ جادّ. لا يمكنني تبديد وقتي في انتظار القذائف. في صحّتكم.” قال ومضى في سكينةٍ إلى الشارع، وفي سكينةٍ قطَعَه.” هذا النوع من التقرير المجهريّ الذي يُنبئ العالَم لا بما وقع في اجتماعٍ بين جنرالات الحرب، بل بمقدار أهميّة رغيف الخبز لمعماريٍّ وأولاده.

على نحوٍ ما، تعارض “غلهورن” بصراحةٍ صورتنا عن المتسكِّع – هذا المراقب المدينيّ المنعزل المستقل. لا يمكن للمتسكّعة وهي تواجه الحرب والمعاناة أن تقف موقف المتفرج: “من الصعب البقاء خارجاً ومشاهدة ما لا يمكنك مدّ العون له ولا تبديله؛ من الأهون عليك أن تغمض عينيك وتوصد رأسك وتقفز في البؤس العام، حيث لا تملك خياراً غيرَ الكثير من الصحبة الانفراديّة.” عبر تفانيها في الكشف عن الأسى، حولت “غلهورن” التسكّع إلى شهادة عيان.

كيف قامت بذلك؟ كيف وجدت القدرة على التحدّي، وَقلب التوقعات، وَالسفر بعيداً جداً عن الوطن؟ كيف تفاوضت مع التشكيك في الذات، مع القلق، مع الشعور بالعار من أن تبدو متخطيَّة، متجاوزِةً، غير لائقة؟ حتى في يومنا هذا يتطلَّب تحويلُ الفضول الطبيعي إلى مشيئة قدراً مهولاً من الإيمان. أن تنهض وتمضي لهو أشجع تعبير عن تماسك الذات. لطالما مكّنت استعادةُ حقِّ التسكّع النساءَ من إعادة رسم الطرق التي أُريد لهنَّ أن يتبعنها، وأقلقت الحيوات التي أريد لهن أن يعشنها.

إشارة إلى المعنى المُضمَر في كنيتها، حيث يعني المقطع الأول منه “التسكّع” to dally، بينما يعني المقطع الثاني “الطريق” way.

Deux jours, une nuit (2014)

Two-Days-One-Night

عوداً إلى الحكايا المُتدليّة من شُرف القلبِ كَكروم العِنَب، إلى ماءِ سَردِها السُكَّري وَخِفَّةِ وَقْعِها على الرُوحِ كندَفٍ من غيمٍ شَفيف. ينقلُ فيلم “deux jours, une nuit [يومان وَليلة]” قِصَّة امرأةٍ تخوضُ حرباً صغيرةً لاستردادِ وظيفتها في أحدِ المصانع. تعودُ “ساندرا”، التي تؤدّي دورها بإتقانٍ “ماريون كوتيار”، إلى عملها بعدَ إجازةٍ لعارضٍ نفسيٍّ ألمَّ بها – لا يخوضُ الفيلم في تفاصيله – ، لتجدَ نفسَها إلى جانب عمّال المصنع الآخرين أمامَ خيارين يرسمهما الرئيس المباشر: أَن يُصوِّت العُمّال إمّا لرحيل ساندرا من المصنع، أَو لخسارةِ علاوةٍ موعودة. “ساندرا”، التي لم تستعد عافيتها بعد، والتي بالكادِ تتداركُ الغصّةَ في صوتِها، تخوضُ يومين طويلين لإقناعِ زملائها في المصنعِ واحداً واحداً بالتصويتِ لبقائها.

two-daystwodays2

يبدو خطُّ الحكاية أُحاديّاً وبالغَ البساطة، لكنَّ المُتلقّي يستغرق في رحلةِ “ساندرا” لا الخارجيّة فحسب – تلكَ التي تتقصَّى فيها سُكنى زُملائها لإقناعهم- بل الداخليّة أيضاً، رحلتِها لتجاوز إرهاق روحها، لعلاجِ اكتئابهِا بالأدويةِ حيناً، وَبالبكاءِ أحياناً كثيرة؛ يقتفي المشاهد عثراتها المتواترة، استسلامها، نحولها، الخوفَ المتوثّب من عينيها، مرارتها وَهي تشعرُ بمَذلَّةِ سؤال الآخرين، الضعفَ الذي تحاول سَتره عن طفليها، قلبها الذي يرتعشُ لحنو الآخرين تارةً وَيهوي مِن قسوتهم تارةً أُخرى. ليس الصراع الذي تخوضه “ساندرا” مجرَّد محاولةٍ لاستعادِة استقرارِها الوظيفيّ، بل رحلةً عبرَ المطهَر وَالجحيم ؛ رحلةً تصهر بلّور روحها الهشّ، معيدةً تكوينه وَصقله.

فكرةٌ على الهامِش: يُحسن الفيلم تصويرَ الاكتئاب دونَ أن يستَغرِق في الكآبة.

بيتنا | مرجان فرساد “أغنية فارسيّة”

بيتنا بعيدٌ بعيد..

وراء جبالٍ صابِرة

وراء حقول ذهبية

وراء صحارى خالية.

بيتنا على الجانب الآخر من الماء،

على الجانب الآخر من الأمواج المضطربة،

وراءَ غابات السرو،

إنّه حلمٌ، خيال.

وراء المحيط الأزرق،

وراء حدائق الكُمّثْرى،

على الجانب الآخر من كروم ِالعنب

وراء خلايا النحل.

بيتنا وراء الغَيم،

على الجانبِ الآخر من أَحْزاننا،

في نهايةَ الطرق المُبتلة،

وراء المطرِ، وراءَ البحر.

ثمة حكايات في بيتنا،

ثمة كرزٌ حامضٌ وفستق،

وراء ضحكاته الدافئة

ثمة أناس متعبة.

ثمة بهجةٌ في بيتنا،

سمكٌ في أحواضه،

كرات بلورية في عرصاته،

ثمة قطط لطيفة.

بيتنا دافئ وحميم

بصورٍ قديمة على جدرانه..

صورِ اللعب في الشرفة

عند شاطئ البحرِ صيفاً

صورةِ يومٍ مضى تحت المطر

بشهقةٍ وحقيبة سفر

راحلين عن ناسٍ لُطفاء وَدودين.

بيتنا بعيد بعيد،

وراء جبال صابِرة،

وراء حقول ذهبية،

وراء صحارى خالية.

بيتنا على الجانب الآخر من الماء،

على الجانب الآخر من الأمواج المضطربة،

وراء غابات السرو،

إنه حلمٌ، خيال.

soundcloud

مَخرَجٌ عبرَ متجر الهدايا

“Those people, they got nothing in their souls

And they make our TVs blind us

From our visions and our goals

Oh the trigger of time it tricks you

So you have no way to grow

exit-through-the-arte-historia

“لعلَّه ليسَ عظيماً كفيلم ذهبَ مع الريح، لكنه قَد لا يخلو من حكمةٍ ما”. يقولُ بانسكي ابتداءاً، بنبرةٍ لا تخلو من شكٍّ وَحيرة، مُهيّئاً المُشاهد لفيلمٍ في طَوْر الولادة، فيلمٍ لم تُرَتَّب صُوَره بما يكفي ليقول بانسكي عنه كلاماً مفيداً.

يبدأ الفيلم كمحاولةٍ لتوثيق فنِّ الشوارع، هذا الفنّ الزائل الذي سُرعان ما تمحوه يدُ “النظام”، وَعلى النقيض من الفنون الكلاسيكيّة الأخرى، لم يجد له حصناً داخل المعارض والغاليريّات إلا حديثاً. يتعرّف المشاهد على رحلة التوثيق هذه عبرَ عينيّ “تيري غيتا” – المهاجر الفرنسيّ إلى أمريكا، وَالمهووس هوساً لا حدَّ له بحملِ كاميرا الفيديو وَالتقاطِ شرائطَ تلوَ شرائط تسجيليّة من كلِّ شئ، وأّيّ شئ. قبلَ أن يتحوَّل هوسه إلى أن يُصبحَ المصوّر المُصاحِب لفنّاني الشوارع، يرافقهم في جولاتهم الليليّة ويوثّق أعمالهم الفنيّة وَهي تمتدُّ وَتشرئبُّ على جدران شوارع المدن وأسوارِها كتَعريشةِ ياسمين. حتّى تبقي به الصُدفَة لملاقاةِ “بانسكي” حين يزور الأخير لوس أنجلس وَيحتاج مُرشداً يقوده لأفضل جدران المدينة.

ExitThroughTheGiftShop1banksy, -girl with balloons-Screen shot 2011-03-12 at PM 11.28.31

وما إن يحتلّ فن الشوارع مكانته في المشهد الفني الحديث، ويصير “بانسكي” واحداً من أشهر الأسماء الذي يحجّ الناس لرؤية أعماله واقتنائها، تتخذُ الحكاية منحىً مُفاجِئاً: إذ يتّجه “تيري غيتا” ذاته لافتتاح معرضه الشخصيّ، تيري الذي لم يُنتج لوحةً في حياته يوظّفُ طاقماً ضخماً من الفنانين الهواة وَيمدّهم بأفكاره التي لا تتجاوز إعادَة إنتاج صُور وأعمال أخرى مع لَمساتٍ “ما بعد حداثيّة”. نجحت الفكرة رغم جنونها واستقطبَ معرضه مئاتٍ من الزوّار، انهالوا على اقتناء أعماله. بينَ ليلةٍ وضحاها، صار “تيري” مصوّر الفيديو الهاوي اسماً عالميّاً تلجأُ له “مادونا” ذاتها لتصميم أحد أغلفة ألبوماتها.

thierry-guetta-mr-brainwash1

على الجانب الآخر يقفُ فنانو الشوارع مشدوهين أمام هذه الشعبيّة السريعة التي حظت بها أعمال “تيري” رغم افتقارها للمعنى. يسخرُ الفيلم بوضوحٍ من عبثيّة المشهد وَهشاشة الذوق الفنّي الذي يسقط على الأعمال ما يُريد أن يراه فقط. يقول بانسكي مستسلماً في نهاية الفيلم وَمؤكداً على هذه العبثيّة: “العبرة من الفيلم.. أظنّ أنه ليست هناك عبرة.” .

غير أنَّ بانسكي – الذي سخَّرَ أعماله للسخرية من النظام القائم ومحاولة تقويضه – ليسَ عبثيّاً، وَلم يعرض حكايته تسليةً لمشاهديه فقط. فحتى وإن صحّت الإدعاءات التي تتهم بانسكي باختلاق الحكاية وَشخصية “تيري” برمّتها، إلا أنَّ العِبرة تتسقُ معَ مذهب “بانسكي” في قلبِ المَشاهِدِ وَفتح أعينِ الجمهور على ما ينطوي عليه النظام من انتهازيّةٍ وَتضليلٍ وَخواءٍ إعلاميٍّ فارغ من المعنى.. كما هي أعمال “تيري” التي تتناسخُ وَتولّدُ بعضها بعضاً دونَ هدف.

Exit Through the Gift Shop (2010)

أُغنيةُ الغداء | كرستُفر ريد*

2xreid

يتركُ رسالةً، صفراءَ لاصقة،

على السوادِ المَيْتِ

لشاشةِ حاسوبِه:

“ذاهبٌ للغداء. قَد أَستَغرِقُ وقتاً.”

لن يُبصِرَهُ زُملاؤه

لما تبقّى من الظهيرة.

يمكنُ لبهجةِ الغيابِ وَالهربِ الجسور

أن تغفوَ بالقبَّعةِ

فلن يلحظَها أحد.

يوصدُ البابَ على كلبِ

رحيلهِ النائم،

يعجلُ غير مسرعٍ جداً عبر البَهو،

ينقرُ زرَّ المصعدِ، وَينتظر.

لو التقى شخصاً واحِداً

في هذه البرهَةِ الرهيفَةِ

لَفسد المشروعُ كلّه،

لكنَّ الحظَّ بحوزته:

يتثائبُ المصعدُ بامتدادِ فراغِه،

يخطو بداخلهِ،

مُحتَوىً مُنزَلاً إلى ضوءِ شمسٍ

وَما يشبهُ هواءً نقيّاً لِلَندن.

بوثبةٍ واحدةٍ يغدو حُرّاً!

إنَّهُ حَيُّ أشباحٍ أدبيّةٍ

تمشي تحتَ ضوء النهار.

قشّرْ مخيّلتك وانظُر

فرجينيا وولف

تمشي خفافاً إلى المكتبة

بسلَّةٍ ملأى بالكُتُب.

بعدَ كل عشرين خطوةٍ

تسحبُ نفساً حادّاً من سيجارةٍ

وتمدُّ وجهاً مُعذَّباً

كما لو أنَّها لم تذُق في حياتها

شيئاً أشدَّ قَرَفا.

وها هو تِ. إس. إليوت

يهمُّ برشفِ كأسه المارتيني الأوَّل لهذا اليوم.

بعدستين وضّائتين وأناقةٍ صقيلةٍ

يعبرك كليموزينَ:

طرازٍ أميريكيٍّ قَويّ.

بلُومزْبَري ولوحاتها الزرقاء.

الساحاتُ والشرفات الجصيّة،

حيثُ لا زال الناشرون المجتهدونَ الصغار

يهوون إخفاءَ مكاتبهم.

أرضٌ أدبيَّةُ، وَرَقيّةٌ

قيَّضَ لها قضاءٌ ما

أن تقفَ وحيدةً

وسطَ حُفَرِ شوارع وَرافعاتٍ شاهقةٍ تدور.

في الخمسينَ، يُؤثِرُ خطوَ

الشابِّ العَجِل،

مناوِراً المُشاةَ المتسكّعينَ

أو الواقِفينَ في بَلَهٍ،

مُتجاسِراً على سيّاراتِ الاُجرَةِ وَالشاحنات.

لن تُتقِن العيشَ في لندنَ،

ما لم تراوغ، وَتتخذ سُبُلاً موجزَة.

لكنَّ المسافةَ عشرون دقيقةً

من عملهِ حتّى موعدِ غدائه

معَ غرامٍ قديم.

قطعانٌ من السيّاح

تهيمُ باستفزازٍ مفرَط؛

الطريقُ إلى ساحة بِدفورد مَسدودة:

حواجزُ بلاستيكية برتقاليّة –

أهَمُّ إسهامٍ لبلادنا

في الفنِّ التافه لتأثيثِ الشوارع !

لا ضيرَ، فهو يصنعُ وقتاً طيّباً –

لاحِظْ قَصديَّة الفِعل –

ويتوقَّعُ تأخّرها.

لذا سيأذنُ لنفسه

بالاستمتاعِ بانفلاته،

في فكرةِ كونهِ لا المحمولَ

بل الراكبَ لتيّارِ

السَيلِ البشريِّ وَدوَّاماته.

وقد يقفُ بينَ لحظةٍ وأخرى

ليسمحَ لآخر بالعبور،

إنَّ لُطفاً لا ينتظرُ الشُكر

أعظمُ لفتةٍ

تبدرُ عن متروبوليِّ أنيق.

المطعَمُ

وَكرٌ قديمٌ،

وَإن لم يرتَدْهُ سنينَ طوال؛

منذُ أن احتُلَّت صَنْعَةُ النَّشر،

ساحةُ المُتعنترين والقراصِنة،

بالبدلات الرسميّة والآلات الحاسبة.

وَعلى الظهيرةِ

فُرِض حظرُ تجوَّلٍ صارِم.

وداعاً لساعاتِ الغداء الطويلة

ومساعٍ مخمورةٍ أُخرى،

مرحى بالعهدِ الجديدِ

عهدِ الالتصاقِ بالمكتبِ،

ساعاتِ حبس صارمة،

وَبصر تعذّبهُ

شاشةٌ إلكترونيّة بليدة!

إلا أنَّ الرجُلَ يحتاجُ أحياناً

أن ينفضَ روحه،

أن ينثرَ ضميرَ حساب الوقتِ

في الريح،

يجرعَ بضعَ زجاجاتٍ –

وَيلعنَ العواقب.

إن لم يكُن حَقّاً،

فإنّها شعيرة[1]،

صادقت عليها سُلطَةٌ

وهميَّةٌ عُليا.

الغداء لعبةٌ شروطها قليلة،

وَغير مدوَّنة،

من المهمِّ أن تبقى ساحةَ اللعبِ

على حالها

كما يتذكَّرها بوله.

“زَنزوتي”: مطعمٌ إيطاليٌّ في “سوهو” لم يتغيَّر.

نبيذُ الكيانتي في السلَّة،

أصابعُ خبزٍ تقصمها أصابعُكَ

فتثير غباراً خفيفاً.

مفارشُ حمراء مخططة

مبسوطةٌ جانبياَّ

إلى جانب أخرى خضراءَ ورقيّة.

لطخات الأصابعِ

على عُنقِ دورق الماء.

و”مَسيمو” يحومُ حول الطاولاتِ

بنفسه

بأُلفته الزائفة.

إلا أن “سوهو” تغيَّرت برمتها،

أُجبِرَت محال الطعام المتخصصة

على الإغلاق،

طُرِدت الفطائرُ من الشوارع،

فيمَ حلَّ نوعٌ جديدٌ من التفاهة:

عابِر، لا لونَ له.

يقفُ مُفسِحاً لولدٍ هزيلٍ

يدفعُ حاويةً كبيرةً متقلقلة

متقيّحةً يأكلها الصدأ

ليركنها في زاويةِ الشارع،

وَيتسائل عما سيجِد.

*جزءٌ من قصيدةٍ طويلة

[1]  في هذا السطرِ وَسابقه تلاعبٌ بالجِناس اللفظيّ لمفردتي right  و rite

لم تعُد تُقلِقها الأسئلة..

الفتاةُ التي اعتادَت قصَّ شَعْرها قصيراً جِدّاً َوَصبغه بلونٍ أشَقَرَ، وَفي ساحةِ المدرسةِ المسوَّرَة ترفَعُ طَرَف مريولِها وتكشف عن ساقيها وَتعدو. لكنَّ أسئلتها – كالفِراخ الملوَّنةِ الكثيرة التي اشترَتها من عابرٍ في الطريقِ وهي صغيرة – انتَهَت إلى العَدَم والنسيان تحتَ وطء ظهيرات أغسطس الحارِقة. لم تَعُد تقلِقُها الأسئلة، بل غيابُ هذه الأسئلة عن رأسِها الذي طالت خصلاته واستعادَت لونها الأقربَ لرمادِ “أرجيلةِ” جدَّتِها أُمِّ سلمان. هذا الغيابُ الذي لا يشرئبُ عنقهُ إلا مَوْسِميَّاً، مَرّةً كُلَّ شهر؟ لا، تلكَ مُبالغة. بل أوائل كُلِّ عامٍ، حينَ -كأفواجِ البشريّة السمراء التي أمضت سِنيّ مُراهقتها معَ “فريندز” – يُلحُّ عليها خاطر قطعِ وعودٍ جديدةٍ تعلمُ يقيناً أنها ستنكثها صبيحةَ يناير. يُقلقها هذا اليباب الشاسع الذي يحتلُّ قلبَها، لم تعد تعرف.تسألُ “غوغل” أن يُزوِّدَها بقراراتٍ جديدة: تتلصصُ على قوائم الآخرين في السوشيل ميديا، وَتدوِّنُ عشراتٍ منها في رأسها، وَحين تصحو فجرَ اليوم التالي لتهذَّبَ الثنيات في ثوبِ زوجِها الأبيض بمكواةٍ بخار، ستتساقطُ القوائمُ وَسينهش الضجرُ ذاكرة البارحة. ستعدُّ له سندوتشات البيض برأسٍ مثقلٍ، وَقبلَ أن تنغمس في نصفِ العتمةِ التي تلفُّ سريرَها الآن، ستندُّ عنها “آه” .. كما لو أنها تتثائب. وَستضعُ يدَها على قلبِها الذي تخشَّب، تنفضُ نملاً أبيضَ عنه، ثمَّ تغفو.