لستُ سوبرماناً

 

supermom

 

إذا كُنتِ امرأةً محسوبةً على معشر النساءِ – باختيارٍ منكِ أو بدونه – ، فإنَّ أحداً ما، في زمانٍ ما،  سيقولُ لكِ أنَّكِ عظيمة. قد يطلُّ عليكِ هذا الـ أحد من زاويةٍ في جريدةٍ، أَو يشرفُ فوق رأسكِ من منبرٍ ما، قَد يختزلها في 140 حرفٍ شاعريٍّ ممهوراً بوسمِ (#بوح) أَو في بوستٍ فيسبوكيٍّ طويلٍ يومَ المرأةِ العالميّ. وَقد تسمعينها شفاهةً من عابرٍ أَوْ جارةٍ أو صديقٍ أَو زميلةٍ أو رئيسِ عمل، ثمَّة شخصٌ ما، رجلاً أو امرأة، سيثبُ لكِ في إحدى منعطفات عمركِ ليكبّر عشراً وَيهلل عشراً وَيسبِّحَ عَشراً، قبلَ أن يحلفَ لكِ أيماناً موثّقةً بأنَّكِ – أيّتها المنهكَة المُرهقةُ- النموذج الحيّ لسوبرمان مرتدياً التنّورة (أو السْكِني جينز – لا فرق)، وَأنَّ قوَّة صبركِ وَجَلَدكِ وَاحتمالك تفوقُ سيزيف وَتبزّ هرقل، وَأنَّ العالم ينحني إجلالاً لهذا الكائن ما فوقَ الاعتيادي، ما فوقَ الإنسانيٍّ، هذا الكائنُ العصيّ على الوصفِ، المتساميّ في علوٍّ إلى جلال الملائكة، وَالمتهادي في حنوٍّ على تُرابِ أمِّنا الأرض، هذا الغريبُ القريبُ الذي ندعوه – تجاوزاً – امرأة.

 

لكنكِ، صدّقي أو لا تصدّقي – يا عزيزتي- ، لستِ سوبرماناً. أو أقلاً، هذا ما أعتقده شخصيّاً بعدَ ما يربو على الثلاثين عاماً أمضيتها في محاولة الطيران وإنقاذ هذا العالم. لا يحمل سجليّ أيَّ إنجازٍ خارقٍ للعادة. كُل ما أنجزته كانَ حصيلة ظروفٍ وَصدفٍ وَ”تسهيلاتٍ” مضمومةً إلى محاولاتي نصف الجيّدة وَنصف السيئة لتركِ أثرٍ ما في هذا العالم، لكنَّ أيّاً منها لم يكن خارقاً بأيّ شكلٍ من الأشكال. حتّى عندما حاولت هزّ المهدِ بيدٍ وَالعالم بيدٍ أخرى، كان الأثر محدوداً وَبالكاد يُذكر. حينَ أعودُ إلى المنزل كلَّ مساء، فإنِّي لا أخلع بزّةَ “كلارك كنت” لأكشفَ عَن الجسدِ الخارق للمرأة الخارقة، بل – على العكس وَمثل أيّ إنسان- أخلع قناعَ المرأة الخارقة لأكشفَ عن الجسدِ المنهكِ لامرأةٍ عاديّةٍ جدّاً وَمتعبةٍ جدّاً.

 

مفاجأة؟ ليسَ تحديداً. كلّنا نعرفُ كذبةَ المرأة الخارقة جيّداً لكننا نستمرئ ترديدها. لماذا يصرّ العالم على تأليهنا إذن؟ لأنّه الوجه الآخر لمحاولة تهميشنا. هكذا يسهلُ رميكِ تحت عجلات الحافلة – كما يقول أبناء العم سام – . هكذا يصبحُ من السهل انتقادكِ وَالانتقاص منكِ لأنَّكِ لست “إلهةً” بما يكفي، لأنَّكِ مهما حاولتِ وبذلتِ من جهدٍ، ومهما بلغ حجم الادّعاء الذي يريدكِ العالم أن تصدّقيه، لن تبلغي أبداً هذا النموذج “السوبرمانيّ” الخُلْوِ من النقصِ البشريّ: كربّة منزلٍ سيُوجَّه الانتقاد لانشغالكِ بالبيتِ عن مظهركِ أو تعليمك أو ترقيّك الوظيفيّ، كامرأةٍ عاملةٍ سيُوجَّه الانتقاد لانشغالك بعملكِ عن بيتكِ أو زواجكِ أو –أيضاً- مظهركِ. لأنَّ المفترض أن تكوني قادرةً قدرةً كليّةً على أن تكوني كلَّ شئ: حاضرةً في كلّ مكانٍ زمان. في الوقتِ الذي تقدّمين فيه فكرةً لامعةً في اجتماع عملٍ، يُمكنكِ أن تمدّي يداً أخطبوطيّةً لتقطّعي الباذنجان على لوحٍ في المطبخ، وَيداً ثالثةً إلى صالون التجميل لتعيد صقلَها من جديد، وَرابعةً لترتيبِ فراشِ ابنتك، وَخامسةً لتصفّح كتاب، وَسادسةً لتحضير شهادةٍ عُليا، وَسابعةً لتفقّد الجيران، وَثامنةً لأخذ درسٍ في الرقصِ الشرقيّ. ليسَ ثمّة حدٌّ لعدد الأذرع التي يمكنك – أو يجب عليكِ- أن تتزوّدي بها. وَلا يهم إن كنتِ تملكين هذه الأذرع اللامرئية أو لا تملكينها. يكفي للعالَم أن يؤمن إيماناً خالصاً لا شكَّ فيه بوجودها، لتكونَ موجودة.

 

هكذا ستقعين تحت وطأةِ ذنبٍ لا طائلَ له، ذنبٍ طويلٍ مريرٍ لأنَّك لستِ كاملةً بما يكفي، وَلا عظيمةً كما يجب، وَلا خارقةً كالكائنات الورقيّة في صفحات المجلات وَبرامج التلفاز. هكذا يُختَم لقب “السوبروومن” على فمكِ شمعاً أحمر، فإن قُلتِ بخلاف ذلك، إن بحتِ بعجزك وضعفكِ وَوهنك  الإنسانيِّين فأنتِ شكّاية بكّاية نكديّة، أقربُ إلى صورةِ “نعمة الله” بنبرةِ صياحها الحادّةِ مِن الملاكِ الفاتن في عباءةِ الحرير.

 

عزيزتي المرأة، قبلَ أن تضعي هذا الجسد المسكون بالقلق وَالندم على السرير، وَأنتِ تغمضين جفنيكِ، تُعدّينَ جدول اليوم التالي وتحلمين بإعادة خلقِ هذا العالم، تذكّري: لستِ سوبرماناً.

Deux jours, une nuit (2014)

Two-Days-One-Night

عوداً إلى الحكايا المُتدليّة من شُرف القلبِ كَكروم العِنَب، إلى ماءِ سَردِها السُكَّري وَخِفَّةِ وَقْعِها على الرُوحِ كندَفٍ من غيمٍ شَفيف. ينقلُ فيلم “deux jours, une nuit [يومان وَليلة]” قِصَّة امرأةٍ تخوضُ حرباً صغيرةً لاستردادِ وظيفتها في أحدِ المصانع. تعودُ “ساندرا”، التي تؤدّي دورها بإتقانٍ “ماريون كوتيار”، إلى عملها بعدَ إجازةٍ لعارضٍ نفسيٍّ ألمَّ بها – لا يخوضُ الفيلم في تفاصيله – ، لتجدَ نفسَها إلى جانب عمّال المصنع الآخرين أمامَ خيارين يرسمهما الرئيس المباشر: أَن يُصوِّت العُمّال إمّا لرحيل ساندرا من المصنع، أَو لخسارةِ علاوةٍ موعودة. “ساندرا”، التي لم تستعد عافيتها بعد، والتي بالكادِ تتداركُ الغصّةَ في صوتِها، تخوضُ يومين طويلين لإقناعِ زملائها في المصنعِ واحداً واحداً بالتصويتِ لبقائها.

two-daystwodays2

يبدو خطُّ الحكاية أُحاديّاً وبالغَ البساطة، لكنَّ المُتلقّي يستغرق في رحلةِ “ساندرا” لا الخارجيّة فحسب – تلكَ التي تتقصَّى فيها سُكنى زُملائها لإقناعهم- بل الداخليّة أيضاً، رحلتِها لتجاوز إرهاق روحها، لعلاجِ اكتئابهِا بالأدويةِ حيناً، وَبالبكاءِ أحياناً كثيرة؛ يقتفي المشاهد عثراتها المتواترة، استسلامها، نحولها، الخوفَ المتوثّب من عينيها، مرارتها وَهي تشعرُ بمَذلَّةِ سؤال الآخرين، الضعفَ الذي تحاول سَتره عن طفليها، قلبها الذي يرتعشُ لحنو الآخرين تارةً وَيهوي مِن قسوتهم تارةً أُخرى. ليس الصراع الذي تخوضه “ساندرا” مجرَّد محاولةٍ لاستعادِة استقرارِها الوظيفيّ، بل رحلةً عبرَ المطهَر وَالجحيم ؛ رحلةً تصهر بلّور روحها الهشّ، معيدةً تكوينه وَصقله.

فكرةٌ على الهامِش: يُحسن الفيلم تصويرَ الاكتئاب دونَ أن يستَغرِق في الكآبة.

بيتنا | مرجان فرساد “أغنية فارسيّة”

بيتنا بعيدٌ بعيد..

وراء جبالٍ صابِرة

وراء حقول ذهبية

وراء صحارى خالية.

بيتنا على الجانب الآخر من الماء،

على الجانب الآخر من الأمواج المضطربة،

وراءَ غابات السرو،

إنّه حلمٌ، خيال.

وراء المحيط الأزرق،

وراء حدائق الكُمّثْرى،

على الجانب الآخر من كروم ِالعنب

وراء خلايا النحل.

بيتنا وراء الغَيم،

على الجانبِ الآخر من أَحْزاننا،

في نهايةَ الطرق المُبتلة،

وراء المطرِ، وراءَ البحر.

ثمة حكايات في بيتنا،

ثمة كرزٌ حامضٌ وفستق،

وراء ضحكاته الدافئة

ثمة أناس متعبة.

ثمة بهجةٌ في بيتنا،

سمكٌ في أحواضه،

كرات بلورية في عرصاته،

ثمة قطط لطيفة.

بيتنا دافئ وحميم

بصورٍ قديمة على جدرانه..

صورِ اللعب في الشرفة

عند شاطئ البحرِ صيفاً

صورةِ يومٍ مضى تحت المطر

بشهقةٍ وحقيبة سفر

راحلين عن ناسٍ لُطفاء وَدودين.

بيتنا بعيد بعيد،

وراء جبال صابِرة،

وراء حقول ذهبية،

وراء صحارى خالية.

بيتنا على الجانب الآخر من الماء،

على الجانب الآخر من الأمواج المضطربة،

وراء غابات السرو،

إنه حلمٌ، خيال.

soundcloud

مَخرَجٌ عبرَ متجر الهدايا

“Those people, they got nothing in their souls

And they make our TVs blind us

From our visions and our goals

Oh the trigger of time it tricks you

So you have no way to grow

exit-through-the-arte-historia

“لعلَّه ليسَ عظيماً كفيلم ذهبَ مع الريح، لكنه قَد لا يخلو من حكمةٍ ما”. يقولُ بانسكي ابتداءاً، بنبرةٍ لا تخلو من شكٍّ وَحيرة، مُهيّئاً المُشاهد لفيلمٍ في طَوْر الولادة، فيلمٍ لم تُرَتَّب صُوَره بما يكفي ليقول بانسكي عنه كلاماً مفيداً.

يبدأ الفيلم كمحاولةٍ لتوثيق فنِّ الشوارع، هذا الفنّ الزائل الذي سُرعان ما تمحوه يدُ “النظام”، وَعلى النقيض من الفنون الكلاسيكيّة الأخرى، لم يجد له حصناً داخل المعارض والغاليريّات إلا حديثاً. يتعرّف المشاهد على رحلة التوثيق هذه عبرَ عينيّ “تيري غيتا” – المهاجر الفرنسيّ إلى أمريكا، وَالمهووس هوساً لا حدَّ له بحملِ كاميرا الفيديو وَالتقاطِ شرائطَ تلوَ شرائط تسجيليّة من كلِّ شئ، وأّيّ شئ. قبلَ أن يتحوَّل هوسه إلى أن يُصبحَ المصوّر المُصاحِب لفنّاني الشوارع، يرافقهم في جولاتهم الليليّة ويوثّق أعمالهم الفنيّة وَهي تمتدُّ وَتشرئبُّ على جدران شوارع المدن وأسوارِها كتَعريشةِ ياسمين. حتّى تبقي به الصُدفَة لملاقاةِ “بانسكي” حين يزور الأخير لوس أنجلس وَيحتاج مُرشداً يقوده لأفضل جدران المدينة.

ExitThroughTheGiftShop1banksy, -girl with balloons-Screen shot 2011-03-12 at PM 11.28.31

وما إن يحتلّ فن الشوارع مكانته في المشهد الفني الحديث، ويصير “بانسكي” واحداً من أشهر الأسماء الذي يحجّ الناس لرؤية أعماله واقتنائها، تتخذُ الحكاية منحىً مُفاجِئاً: إذ يتّجه “تيري غيتا” ذاته لافتتاح معرضه الشخصيّ، تيري الذي لم يُنتج لوحةً في حياته يوظّفُ طاقماً ضخماً من الفنانين الهواة وَيمدّهم بأفكاره التي لا تتجاوز إعادَة إنتاج صُور وأعمال أخرى مع لَمساتٍ “ما بعد حداثيّة”. نجحت الفكرة رغم جنونها واستقطبَ معرضه مئاتٍ من الزوّار، انهالوا على اقتناء أعماله. بينَ ليلةٍ وضحاها، صار “تيري” مصوّر الفيديو الهاوي اسماً عالميّاً تلجأُ له “مادونا” ذاتها لتصميم أحد أغلفة ألبوماتها.

thierry-guetta-mr-brainwash1

على الجانب الآخر يقفُ فنانو الشوارع مشدوهين أمام هذه الشعبيّة السريعة التي حظت بها أعمال “تيري” رغم افتقارها للمعنى. يسخرُ الفيلم بوضوحٍ من عبثيّة المشهد وَهشاشة الذوق الفنّي الذي يسقط على الأعمال ما يُريد أن يراه فقط. يقول بانسكي مستسلماً في نهاية الفيلم وَمؤكداً على هذه العبثيّة: “العبرة من الفيلم.. أظنّ أنه ليست هناك عبرة.” .

غير أنَّ بانسكي – الذي سخَّرَ أعماله للسخرية من النظام القائم ومحاولة تقويضه – ليسَ عبثيّاً، وَلم يعرض حكايته تسليةً لمشاهديه فقط. فحتى وإن صحّت الإدعاءات التي تتهم بانسكي باختلاق الحكاية وَشخصية “تيري” برمّتها، إلا أنَّ العِبرة تتسقُ معَ مذهب “بانسكي” في قلبِ المَشاهِدِ وَفتح أعينِ الجمهور على ما ينطوي عليه النظام من انتهازيّةٍ وَتضليلٍ وَخواءٍ إعلاميٍّ فارغ من المعنى.. كما هي أعمال “تيري” التي تتناسخُ وَتولّدُ بعضها بعضاً دونَ هدف.

Exit Through the Gift Shop (2010)

أُغنيةُ الغداء | كرستُفر ريد*

2xreid

يتركُ رسالةً، صفراءَ لاصقة،

على السوادِ المَيْتِ

لشاشةِ حاسوبِه:

“ذاهبٌ للغداء. قَد أَستَغرِقُ وقتاً.”

لن يُبصِرَهُ زُملاؤه

لما تبقّى من الظهيرة.

يمكنُ لبهجةِ الغيابِ وَالهربِ الجسور

أن تغفوَ بالقبَّعةِ

فلن يلحظَها أحد.

يوصدُ البابَ على كلبِ

رحيلهِ النائم،

يعجلُ غير مسرعٍ جداً عبر البَهو،

ينقرُ زرَّ المصعدِ، وَينتظر.

لو التقى شخصاً واحِداً

في هذه البرهَةِ الرهيفَةِ

لَفسد المشروعُ كلّه،

لكنَّ الحظَّ بحوزته:

يتثائبُ المصعدُ بامتدادِ فراغِه،

يخطو بداخلهِ،

مُحتَوىً مُنزَلاً إلى ضوءِ شمسٍ

وَما يشبهُ هواءً نقيّاً لِلَندن.

بوثبةٍ واحدةٍ يغدو حُرّاً!

إنَّهُ حَيُّ أشباحٍ أدبيّةٍ

تمشي تحتَ ضوء النهار.

قشّرْ مخيّلتك وانظُر

فرجينيا وولف

تمشي خفافاً إلى المكتبة

بسلَّةٍ ملأى بالكُتُب.

بعدَ كل عشرين خطوةٍ

تسحبُ نفساً حادّاً من سيجارةٍ

وتمدُّ وجهاً مُعذَّباً

كما لو أنَّها لم تذُق في حياتها

شيئاً أشدَّ قَرَفا.

وها هو تِ. إس. إليوت

يهمُّ برشفِ كأسه المارتيني الأوَّل لهذا اليوم.

بعدستين وضّائتين وأناقةٍ صقيلةٍ

يعبرك كليموزينَ:

طرازٍ أميريكيٍّ قَويّ.

بلُومزْبَري ولوحاتها الزرقاء.

الساحاتُ والشرفات الجصيّة،

حيثُ لا زال الناشرون المجتهدونَ الصغار

يهوون إخفاءَ مكاتبهم.

أرضٌ أدبيَّةُ، وَرَقيّةٌ

قيَّضَ لها قضاءٌ ما

أن تقفَ وحيدةً

وسطَ حُفَرِ شوارع وَرافعاتٍ شاهقةٍ تدور.

في الخمسينَ، يُؤثِرُ خطوَ

الشابِّ العَجِل،

مناوِراً المُشاةَ المتسكّعينَ

أو الواقِفينَ في بَلَهٍ،

مُتجاسِراً على سيّاراتِ الاُجرَةِ وَالشاحنات.

لن تُتقِن العيشَ في لندنَ،

ما لم تراوغ، وَتتخذ سُبُلاً موجزَة.

لكنَّ المسافةَ عشرون دقيقةً

من عملهِ حتّى موعدِ غدائه

معَ غرامٍ قديم.

قطعانٌ من السيّاح

تهيمُ باستفزازٍ مفرَط؛

الطريقُ إلى ساحة بِدفورد مَسدودة:

حواجزُ بلاستيكية برتقاليّة –

أهَمُّ إسهامٍ لبلادنا

في الفنِّ التافه لتأثيثِ الشوارع !

لا ضيرَ، فهو يصنعُ وقتاً طيّباً –

لاحِظْ قَصديَّة الفِعل –

ويتوقَّعُ تأخّرها.

لذا سيأذنُ لنفسه

بالاستمتاعِ بانفلاته،

في فكرةِ كونهِ لا المحمولَ

بل الراكبَ لتيّارِ

السَيلِ البشريِّ وَدوَّاماته.

وقد يقفُ بينَ لحظةٍ وأخرى

ليسمحَ لآخر بالعبور،

إنَّ لُطفاً لا ينتظرُ الشُكر

أعظمُ لفتةٍ

تبدرُ عن متروبوليِّ أنيق.

المطعَمُ

وَكرٌ قديمٌ،

وَإن لم يرتَدْهُ سنينَ طوال؛

منذُ أن احتُلَّت صَنْعَةُ النَّشر،

ساحةُ المُتعنترين والقراصِنة،

بالبدلات الرسميّة والآلات الحاسبة.

وَعلى الظهيرةِ

فُرِض حظرُ تجوَّلٍ صارِم.

وداعاً لساعاتِ الغداء الطويلة

ومساعٍ مخمورةٍ أُخرى،

مرحى بالعهدِ الجديدِ

عهدِ الالتصاقِ بالمكتبِ،

ساعاتِ حبس صارمة،

وَبصر تعذّبهُ

شاشةٌ إلكترونيّة بليدة!

إلا أنَّ الرجُلَ يحتاجُ أحياناً

أن ينفضَ روحه،

أن ينثرَ ضميرَ حساب الوقتِ

في الريح،

يجرعَ بضعَ زجاجاتٍ –

وَيلعنَ العواقب.

إن لم يكُن حَقّاً،

فإنّها شعيرة[1]،

صادقت عليها سُلطَةٌ

وهميَّةٌ عُليا.

الغداء لعبةٌ شروطها قليلة،

وَغير مدوَّنة،

من المهمِّ أن تبقى ساحةَ اللعبِ

على حالها

كما يتذكَّرها بوله.

“زَنزوتي”: مطعمٌ إيطاليٌّ في “سوهو” لم يتغيَّر.

نبيذُ الكيانتي في السلَّة،

أصابعُ خبزٍ تقصمها أصابعُكَ

فتثير غباراً خفيفاً.

مفارشُ حمراء مخططة

مبسوطةٌ جانبياَّ

إلى جانب أخرى خضراءَ ورقيّة.

لطخات الأصابعِ

على عُنقِ دورق الماء.

و”مَسيمو” يحومُ حول الطاولاتِ

بنفسه

بأُلفته الزائفة.

إلا أن “سوهو” تغيَّرت برمتها،

أُجبِرَت محال الطعام المتخصصة

على الإغلاق،

طُرِدت الفطائرُ من الشوارع،

فيمَ حلَّ نوعٌ جديدٌ من التفاهة:

عابِر، لا لونَ له.

يقفُ مُفسِحاً لولدٍ هزيلٍ

يدفعُ حاويةً كبيرةً متقلقلة

متقيّحةً يأكلها الصدأ

ليركنها في زاويةِ الشارع،

وَيتسائل عما سيجِد.

*جزءٌ من قصيدةٍ طويلة

[1]  في هذا السطرِ وَسابقه تلاعبٌ بالجِناس اللفظيّ لمفردتي right  و rite

لم تعُد تُقلِقها الأسئلة..

الفتاةُ التي اعتادَت قصَّ شَعْرها قصيراً جِدّاً َوَصبغه بلونٍ أشَقَرَ، وَفي ساحةِ المدرسةِ المسوَّرَة ترفَعُ طَرَف مريولِها وتكشف عن ساقيها وَتعدو. لكنَّ أسئلتها – كالفِراخ الملوَّنةِ الكثيرة التي اشترَتها من عابرٍ في الطريقِ وهي صغيرة – انتَهَت إلى العَدَم والنسيان تحتَ وطء ظهيرات أغسطس الحارِقة. لم تَعُد تقلِقُها الأسئلة، بل غيابُ هذه الأسئلة عن رأسِها الذي طالت خصلاته واستعادَت لونها الأقربَ لرمادِ “أرجيلةِ” جدَّتِها أُمِّ سلمان. هذا الغيابُ الذي لا يشرئبُ عنقهُ إلا مَوْسِميَّاً، مَرّةً كُلَّ شهر؟ لا، تلكَ مُبالغة. بل أوائل كُلِّ عامٍ، حينَ -كأفواجِ البشريّة السمراء التي أمضت سِنيّ مُراهقتها معَ “فريندز” – يُلحُّ عليها خاطر قطعِ وعودٍ جديدةٍ تعلمُ يقيناً أنها ستنكثها صبيحةَ يناير. يُقلقها هذا اليباب الشاسع الذي يحتلُّ قلبَها، لم تعد تعرف.تسألُ “غوغل” أن يُزوِّدَها بقراراتٍ جديدة: تتلصصُ على قوائم الآخرين في السوشيل ميديا، وَتدوِّنُ عشراتٍ منها في رأسها، وَحين تصحو فجرَ اليوم التالي لتهذَّبَ الثنيات في ثوبِ زوجِها الأبيض بمكواةٍ بخار، ستتساقطُ القوائمُ وَسينهش الضجرُ ذاكرة البارحة. ستعدُّ له سندوتشات البيض برأسٍ مثقلٍ، وَقبلَ أن تنغمس في نصفِ العتمةِ التي تلفُّ سريرَها الآن، ستندُّ عنها “آه” .. كما لو أنها تتثائب. وَستضعُ يدَها على قلبِها الذي تخشَّب، تنفضُ نملاً أبيضَ عنه، ثمَّ تغفو.