أُغنيةُ الغداء | كرستُفر ريد*

2xreid

يتركُ رسالةً، صفراءَ لاصقة،

على السوادِ المَيْتِ

لشاشةِ حاسوبِه:

“ذاهبٌ للغداء. قَد أَستَغرِقُ وقتاً.”

لن يُبصِرَهُ زُملاؤه

لما تبقّى من الظهيرة.

يمكنُ لبهجةِ الغيابِ وَالهربِ الجسور

أن تغفوَ بالقبَّعةِ

فلن يلحظَها أحد.

يوصدُ البابَ على كلبِ

رحيلهِ النائم،

يعجلُ غير مسرعٍ جداً عبر البَهو،

ينقرُ زرَّ المصعدِ، وَينتظر.

لو التقى شخصاً واحِداً

في هذه البرهَةِ الرهيفَةِ

لَفسد المشروعُ كلّه،

لكنَّ الحظَّ بحوزته:

يتثائبُ المصعدُ بامتدادِ فراغِه،

يخطو بداخلهِ،

مُحتَوىً مُنزَلاً إلى ضوءِ شمسٍ

وَما يشبهُ هواءً نقيّاً لِلَندن.

بوثبةٍ واحدةٍ يغدو حُرّاً!

إنَّهُ حَيُّ أشباحٍ أدبيّةٍ

تمشي تحتَ ضوء النهار.

قشّرْ مخيّلتك وانظُر

فرجينيا وولف

تمشي خفافاً إلى المكتبة

بسلَّةٍ ملأى بالكُتُب.

بعدَ كل عشرين خطوةٍ

تسحبُ نفساً حادّاً من سيجارةٍ

وتمدُّ وجهاً مُعذَّباً

كما لو أنَّها لم تذُق في حياتها

شيئاً أشدَّ قَرَفا.

وها هو تِ. إس. إليوت

يهمُّ برشفِ كأسه المارتيني الأوَّل لهذا اليوم.

بعدستين وضّائتين وأناقةٍ صقيلةٍ

يعبرك كليموزينَ:

طرازٍ أميريكيٍّ قَويّ.

بلُومزْبَري ولوحاتها الزرقاء.

الساحاتُ والشرفات الجصيّة،

حيثُ لا زال الناشرون المجتهدونَ الصغار

يهوون إخفاءَ مكاتبهم.

أرضٌ أدبيَّةُ، وَرَقيّةٌ

قيَّضَ لها قضاءٌ ما

أن تقفَ وحيدةً

وسطَ حُفَرِ شوارع وَرافعاتٍ شاهقةٍ تدور.

في الخمسينَ، يُؤثِرُ خطوَ

الشابِّ العَجِل،

مناوِراً المُشاةَ المتسكّعينَ

أو الواقِفينَ في بَلَهٍ،

مُتجاسِراً على سيّاراتِ الاُجرَةِ وَالشاحنات.

لن تُتقِن العيشَ في لندنَ،

ما لم تراوغ، وَتتخذ سُبُلاً موجزَة.

لكنَّ المسافةَ عشرون دقيقةً

من عملهِ حتّى موعدِ غدائه

معَ غرامٍ قديم.

قطعانٌ من السيّاح

تهيمُ باستفزازٍ مفرَط؛

الطريقُ إلى ساحة بِدفورد مَسدودة:

حواجزُ بلاستيكية برتقاليّة –

أهَمُّ إسهامٍ لبلادنا

في الفنِّ التافه لتأثيثِ الشوارع !

لا ضيرَ، فهو يصنعُ وقتاً طيّباً –

لاحِظْ قَصديَّة الفِعل –

ويتوقَّعُ تأخّرها.

لذا سيأذنُ لنفسه

بالاستمتاعِ بانفلاته،

في فكرةِ كونهِ لا المحمولَ

بل الراكبَ لتيّارِ

السَيلِ البشريِّ وَدوَّاماته.

وقد يقفُ بينَ لحظةٍ وأخرى

ليسمحَ لآخر بالعبور،

إنَّ لُطفاً لا ينتظرُ الشُكر

أعظمُ لفتةٍ

تبدرُ عن متروبوليِّ أنيق.

المطعَمُ

وَكرٌ قديمٌ،

وَإن لم يرتَدْهُ سنينَ طوال؛

منذُ أن احتُلَّت صَنْعَةُ النَّشر،

ساحةُ المُتعنترين والقراصِنة،

بالبدلات الرسميّة والآلات الحاسبة.

وَعلى الظهيرةِ

فُرِض حظرُ تجوَّلٍ صارِم.

وداعاً لساعاتِ الغداء الطويلة

ومساعٍ مخمورةٍ أُخرى،

مرحى بالعهدِ الجديدِ

عهدِ الالتصاقِ بالمكتبِ،

ساعاتِ حبس صارمة،

وَبصر تعذّبهُ

شاشةٌ إلكترونيّة بليدة!

إلا أنَّ الرجُلَ يحتاجُ أحياناً

أن ينفضَ روحه،

أن ينثرَ ضميرَ حساب الوقتِ

في الريح،

يجرعَ بضعَ زجاجاتٍ –

وَيلعنَ العواقب.

إن لم يكُن حَقّاً،

فإنّها شعيرة[1]،

صادقت عليها سُلطَةٌ

وهميَّةٌ عُليا.

الغداء لعبةٌ شروطها قليلة،

وَغير مدوَّنة،

من المهمِّ أن تبقى ساحةَ اللعبِ

على حالها

كما يتذكَّرها بوله.

“زَنزوتي”: مطعمٌ إيطاليٌّ في “سوهو” لم يتغيَّر.

نبيذُ الكيانتي في السلَّة،

أصابعُ خبزٍ تقصمها أصابعُكَ

فتثير غباراً خفيفاً.

مفارشُ حمراء مخططة

مبسوطةٌ جانبياَّ

إلى جانب أخرى خضراءَ ورقيّة.

لطخات الأصابعِ

على عُنقِ دورق الماء.

و”مَسيمو” يحومُ حول الطاولاتِ

بنفسه

بأُلفته الزائفة.

إلا أن “سوهو” تغيَّرت برمتها،

أُجبِرَت محال الطعام المتخصصة

على الإغلاق،

طُرِدت الفطائرُ من الشوارع،

فيمَ حلَّ نوعٌ جديدٌ من التفاهة:

عابِر، لا لونَ له.

يقفُ مُفسِحاً لولدٍ هزيلٍ

يدفعُ حاويةً كبيرةً متقلقلة

متقيّحةً يأكلها الصدأ

ليركنها في زاويةِ الشارع،

وَيتسائل عما سيجِد.

*جزءٌ من قصيدةٍ طويلة

[1]  في هذا السطرِ وَسابقه تلاعبٌ بالجِناس اللفظيّ لمفردتي right  و rite

لم تعُد تُقلِقها الأسئلة..

الفتاةُ التي اعتادَت قصَّ شَعْرها قصيراً جِدّاً َوَصبغه بلونٍ أشَقَرَ، وَفي ساحةِ المدرسةِ المسوَّرَة ترفَعُ طَرَف مريولِها وتكشف عن ساقيها وَتعدو. لكنَّ أسئلتها – كالفِراخ الملوَّنةِ الكثيرة التي اشترَتها من عابرٍ في الطريقِ وهي صغيرة – انتَهَت إلى العَدَم والنسيان تحتَ وطء ظهيرات أغسطس الحارِقة. لم تَعُد تقلِقُها الأسئلة، بل غيابُ هذه الأسئلة عن رأسِها الذي طالت خصلاته واستعادَت لونها الأقربَ لرمادِ “أرجيلةِ” جدَّتِها أُمِّ سلمان. هذا الغيابُ الذي لا يشرئبُ عنقهُ إلا مَوْسِميَّاً، مَرّةً كُلَّ شهر؟ لا، تلكَ مُبالغة. بل أوائل كُلِّ عامٍ، حينَ -كأفواجِ البشريّة السمراء التي أمضت سِنيّ مُراهقتها معَ “فريندز” – يُلحُّ عليها خاطر قطعِ وعودٍ جديدةٍ تعلمُ يقيناً أنها ستنكثها صبيحةَ يناير. يُقلقها هذا اليباب الشاسع الذي يحتلُّ قلبَها، لم تعد تعرف.تسألُ “غوغل” أن يُزوِّدَها بقراراتٍ جديدة: تتلصصُ على قوائم الآخرين في السوشيل ميديا، وَتدوِّنُ عشراتٍ منها في رأسها، وَحين تصحو فجرَ اليوم التالي لتهذَّبَ الثنيات في ثوبِ زوجِها الأبيض بمكواةٍ بخار، ستتساقطُ القوائمُ وَسينهش الضجرُ ذاكرة البارحة. ستعدُّ له سندوتشات البيض برأسٍ مثقلٍ، وَقبلَ أن تنغمس في نصفِ العتمةِ التي تلفُّ سريرَها الآن، ستندُّ عنها “آه” .. كما لو أنها تتثائب. وَستضعُ يدَها على قلبِها الذي تخشَّب، تنفضُ نملاً أبيضَ عنه، ثمَّ تغفو.

في ذمِّ المجاز

تُريدُ أن تقولَ أشياءَ لكنَّ المجازَ يقتُلها،

أن تتكلَّم لا كشيخٍ أوغرَ في حملِ هذه المعاني آلافاً من السنوات،

بل ببهجةِ المرأة الأولى وهي تُسرِّبُ الآهةَ من شفتيها سحابةً تحملها الريحُ إلى أُذن الرَّجُلِ الأوَّل،

أنَّ تشهدَ اتّساعَ حَدقَتيه وَرعشةَ أُذنيه وَهو يتعثَّرُ بتموَّج النَغَمِ الليّنِ للمرّةِ البكر (يا لتهالك هذا المجاز!)،

تُريدُ للكلامِ أن يُعيدَ تهذيبَ هذا العالم، أن يقذفَ فيه الطمأنينةَ القديمةَ بانتظام الوجود، لا بوتيرةِ التِكرار والملل وانعدامِ الرجاء، بل وتيرة النُعاسِ الذي يطوي جناحَهُ – بِوَعْدِ الخلاص – على المُخَلِّصِ المُتعَب.

في البدءِ كانَ الكلام،

وَفي المُنتهى ؟

لنتخيَّل المشهد

لنتخيّل المشهد..

نستعير عنوانَ سوزان عليوان، لا لنرسمَ واحداً من عوالمها الحُلُميَّة، بل لنقلبَ هذا المشهد الكافكويَّ الذي سيطر على الإعلام السعوديّ مؤخراً: مشهدَ التحرّش بفتاتين في جدَّة.

لم تكن ردود الفعل على هذا المشهد أقلَّ عبثيّةً من المشهد ذاته، فكثيرٌ من المستنكرين للفعل  – على استحياء- انجرُّوا لتأطيره ضمن إطار الفعل وَردّة الفعل. هكذا قُلِب المشهد ليصبح مظهرُ الفتاتين وَسلوكهما الشخصيّ فِعلاً صريحاً متعَمّداً وَمتجاوِزاً، في حينَ تم اختزال فعل التحرّش الجسديّ – بما فيه من حركةٍ ظاهرةٍ واختراقٍ للمساحة الشخصيّة – إلى مجردِ ردَّة فعل “غريزيّة” وَلا طوعيَّة. وَليس غريباً أن يكون المشهدُ مغرِقاً في الذكوريّة: فالرجُل في هذا المشهد كانَ المُصوِّرَ وَالمتفرِّجَ وَالهاتفَ والمُشجِّعَ والمُدين وَالمُعتدي. يبتدئ المشهد عند عين الرجل متلذذةً باختراقِ المرأةِ المؤقَّت للفضاءِ العامِ وينتهي عندَ يدِه الممتدّة لعقابها على ذلك. لا يُسمَح لاختراقها هذا أن يطوُل كثيراً لأنَّ استدامته تعني قَلباً لموازين القوى، وإذناً للمرأةِ بإعادةِ رسمِ الفضاء العام من الجديد، هذا الشباب الذي خرَجَ عن “أصول الذوق العام” بتشجيعه لهذا الخرق عن طريق الهُتاف والتصفيق، يحاولُ إعادةَ ترتيب المشهد من جديد وَيلحق العقاب بـ”المتسبب” الرئيس في إرباكه. تأتي تداعيات الموقف المُتأخِّرة -بعدَ إثارة الموضوع في تويتر – كتعزيزٍ لهذه الفِكرة، وَعقابٍ مضاعفٍ يؤيِّد استقرارَ المشهدَ الحاليّ وَيدينُ محاولات تبديله.

harassment-jeddah-girls-4-310x205

لكن لنقلب المشهد،

لنتخيّل أنَّ الراكبين على الدرَّاجة كانا شابين لا فتاتين، وأنَّ الجمهورَ المتحلّق حولهما كانَ من الفتيات هذه المرَّة، سيبدأ المشهد بالشابّينَ يكشفان عن ساقيهما ويشقّان رملَ الشاطئ وسطَ هتاف الفتيات، لكن إلى أينَ ينتهي؟ هل كانَ سينتهي إلى محاولةِ تحرُّشٍ جماعيّة؟ مثل هذا السيناريو الفنتازيّ مستبعدٌ تماماً إلا من مَشاهدِ “طاش ما طاش” الضحلة، ذلكَ أنَّ المشهد الأصلي – مشهد ركوب الفتى درَّاجة – عاديٌّ جِدَّاً وَمقبولٌ جِدّاً في الفضاءِ العام بحيث لا يُعد هتاف الفتيات من حوله استثارةً، بل “خِفَّةَ عقلٍ” من طرفهنَّ ربما. كما أنَّ إدانةَ ركوب الفتى للدرَّاجة مستبعدة أيضاً، بعكسِ إدانةِ ركوب الفتاة الذي يُصبحُ فعلاً مُتعمَّداً ومتواطئاً بأثرٍ رَجعي.

يبقى القولُ أنَّ الحُكمَ القضائيّ الذي سيصدُر لاحقاً قد يتواطأ مع هذه الرؤية وقد لا يفعل، ذلكَ أنَّ طرحَ موضوع التحرُّش على الطاولةِ الآن يعني أنَّ الحِوارَ قد بدأ للتوِّ وَلم ينتهِ بعد، وأن ثمة أكثر من طرفٍ يتنازعُ رسم المشهد القادِم.

Featured Image -- 332

سياسات «كشف النقاب عن المرأة السعودية» : بين المخيال ما بعد الاستعماريّ ودولة الرقابة

Originally posted on ما العمل؟:

– أميلي لو رينار[i]


مع ترسيخ دعائم الدولة السعودية ابتداءاً من ستينات القرن الماضي، أخذ النظامُ تدريجياً بفرضِ قانونٍ على الزيّ للرجال والنساء السعوديين. عنى الأمرُ للفئة الثانية ارتداءَ عباءاتٍ طويلة سوداء وتغطيةَ الوجه. عملت مؤسسات حكومية مختلفة، كالمدارس والجامعات وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – التي يُشار إليها غالباً بـ«شرطة الآداب» أو «المطاوعة» – على فرض رقابةٍ شديدة بشكل متزايد على قانون الزيّ النسائي الصارم، والذي كُتِبَ عنه الكثير (لو رينار، 2011، 2014، الرشيد، 2013). يتناول هذا المقال علاقةً مختلفةً للسلطة حظيت باهتمامٍ أقل. ويبيّن كيف أن النظام السعوديّ الآن منخرطٌ في ما يبدو أنه ممارسات انتقائية متناقضة تتعلق بـ«كشف النقاب» عن المرأة السعودية. فمن جهةٍ، ينطوي كشف النساء السعوديّات على العرضِ العلنيّ لنساء سعوديّات كاشفات وناجحات – واللواتي يصوّرهن النظام كـ«نساءٍ متميزات»– على العالَم، كاستراتيجيةٍ إعلامية تتواطأ معها غابلاً وسائل الإعلام الأجنبية، خاصةً الأوروبية والأمريكية منها. من جهةٍ أخرى، تجد ممارسة الكشف هذه أصولَها في…

View original 2,907 more words

عبدُ العين

“سيأكُلنا الجراد…”

تمتمت “سَكْنة” وهي تقلّب الجمرات الحُمر في رأسِ “القدْو” بطَرَفِ قلمها. تنهّدت نسوةٌ فيما انشغلت هي بغرزِ القلمِ في خاصرةِ النارجيلة. كان المأتمُ قد اختتمَ ليلته الأخيرة. المحسّن المرحوم كان جارَ سكنة، رجلاً طاعناً في السن، يزعمُ البعضُ أنه جاوزَ المائة وخمسةَ عشرَ عاماً من عمره. ليسَ في القريةِ من يثبتُ هذا الزعمَ إلا أنَّ الدفّان أقسمَ ثلاثاً أن المرحومَ – الذي عمل في ختان الصبيةِ أيضاً – قد ختنَ جدّه.

لم تحضر سكنة المأتمَ لكون المتوفَّى جارها فحسب، بل لأن سكنة حاضرةٌ في كل مأتمٍ وعُرسٍ. سكنة تنسلُّ بين جدران العُشش الضيقةِ عَصراً أو ظهيرة، تقفُ عند أبوابها وتصيح باسمِ فلانة. تدلفُ إلى الدار تتناثرُ منها قصصٌ عن أهل القريةِ وأقاويلُ عن قرىً مجاورة. فمُها يفيضُ بالحكاياتِ وهي تكنسُ الدارَ عن صاحبة الدار، أو تنفض الغُبارَ عن الفُرش، أو تقلّب الحبَّ اللزجَ في القِدر الساخن. كل هذا وهي تحلف لصاحبة الدار أنها لا تريدُ لَبَناً ولا تمراً للضيافة، وأنها ما أتتْ إلا لأن فلانة أعزّ عليها من نفسها وأنها افتقدتها بين النسوة وهنَّ ينجزنَ الغسيلَ حول عينِ “القحّةِ” بالأمس. أحياناً تدخل سكنة محملةً بالأعطيات: مروحةٍ من السَعَف سفّتها لها إحدى الجارات، سحّارةٍ ملأى باللوزِ الأحمرِ الحلو، وللأحبّةِ قد تحملُ دبساً شهياً للعصيدِ، لَبأً من مولودٍ جديدٍ، أو شاياً حملهُ البحّارة من إفرنجةٍ يسكنونَ الهند.

للمأتمِ تدّخر سكنة ما هو أكبرُ من هموم القرية الصغيرة. هنا تنثرُ حكاياتٍ حملتها من زيارتها الأخيرة لأهلها في البحرين أو التقطتها وهي تبتاع السمك من “الچبرة” في قلبِ المدينة أو سمعتها عن جدّها الذي كان بحّاراً أيضاً. قصصاً عن غيلانٍ تسكنُ البحر وتقرضُ سفنهم إذا غضبت. كذلك كانت تعرفُ أخبارَ المحاصيلِ – هي التي ورثت عن والدها فدّاناتٍ من نخيلٍ وأشجارِ كعْكٍ ولوزٍ وليمون. عرفت سكنة ما هو أبعد من مواسم الحصاد: أينَ تغفو أسرابُ الروبيانِ كجوهَرٍ مكنون، لماذا يقل منسوبُ الماءِ في العين، ولأيّ شئٍ تجهمت وجوه الرجال بغتة.

“سيأكلنا الجراد!”

قالت ببصيرةِ نبيٍّ وهي تختم قصتها عن رجالٍ عادوا من عراقٍ عصفَ الجرادُ بمحاصيلها، حتى صارَ أهلها لا يجدونُ غيرَ ماءَ دجلة و جذبَ النخيل يسدون به جوعهم. نسوة المأتم كنَّ بين مصدقٍ ومكذّب، لكنَّ أياً منهن لم تذهب أبعدَ من حدودِ البرِّ الغربي، فلم يجرؤنَ على مسائلةِ الخبر. صرنَ يتمتمنَ كلاماً خفيضاً عن الصبرِ والبلايا، فيما يُعدنَ لفَّ ملافعهن السود حول رؤوسهن، أو يربتن بأيديهن على الحصير ينفضنَ غباراً خَفيّا.

وحدها مُلّاية المأتم “مَدينة” نّأتْ عنهنَّ بعدَ أن لملمت مجاميعها. تستمعُ إلى الحكاية بنصفِ قلبٍ وهي تنفثُ نارَ نارجيلتها الصغيرة متكئةً على حجرٍ إلى جوارِ الستار الخفيف الذي يحجب البابَ وَيفصل المجلِس عن الطريق. كان الستارُ يتأرجحُ معَ النسيمِ الربيعي البارد فيكشفُ لها شيئاً من الحمرة المغربيّة خلف المنازل وَيشبع أنفهَا برائحة الطين الطازج بعدَ مطرِ الأمس. في حضنها استسلمت رضيعتها ذات الشهور الأربعة للنوم. سمَّتها فاطمة لكنَّ زوجها أصرَّ على اسمِ زليخة. “مدينة” التي كانت من قلائلَ درسوا الحرفَ شعرت أن بداخلها قصيدة. الآن وهي تحدّق في وجه رضيعتها النائمة تشعرُ ببيتِ شعرٍ ينمو على لسانها، وأنها يمكن أن تقفَ بين الجمع – لو لم ينفضّ – وتهطلَ شعرا. عادةً ما تزورها القصائد وهي تحملُ المجموعَ وسطَ عزاء النساء تُلقي قصائدَ أخرى. أو حينَ تجلسُ وحيدةً تسلّي نفسها بحفظ مراثي جديدة. لكنَّ القصيدة الجديدة تراودُها الآن، وهي تشعرُ بأنفاس ابنتها النائمة تخبو وتستكين. منذ الصباح وَجزعٌ صغيرٌ بحجمِ حبةِ هريسٍ يسكن قلبها، استيقظت وكبدها تأنُّ فجأةً كفسلةٍ تحترق. لا تذكرُ تفاصيل الحلم الذي زارّها البارحة، لكنّها تذكر العرق البارد يسيل في ظهرها حينَ استيقظت، ونظرتها الفزِعة إلى مهدِ ابنتها، وبيت الشِعْر الذي نما على لسانها دونَ تتمّة.

***

بلغت مدينة دارها مع الشفق الأخير. مهديُّ كان في جانبِ “الحَوِي” يسكبُ في كفّيه ماءً للوضوء. وضعت مدينة رضيعتها في المهدِ منهكةً وسألت مهدي: “صحيحٌ أن الجرادَ قادمٌ من العراق؟”

  • ليسَ من العراق.
  • إذن هو قادم؟
  • من أين ؟
  • من الصحراء.

تنهّدت. هذه البَسيطة الخضراء محاصرةٌ بلعنة الصحراء مهما امتدَّت. مهما غرست النخيل جذورها عميقاً في الأرض، ستلتهمها هبوبها وغاراتها وجرادها. سألتهُ من جديد: ذهبتم إلى الزعيم؟

  • ذَهَبوا إليه.
  • ماذا قال؟

هزَّ كتفيه: سيكتبُ لمأمور الحكومة.

بدا مهدي غيرَ مكترث. لا لضآلة خسائره – هو الفلاح الذي اعتاش على الزرع طيلة عمره – بل لأنه لا يثق بالزعيم ولا بالحكومة ومأمورها. الحكومة بعيدة والزعيمُ ثلثا أمواله في البحر لا في هذه الأرض اليباب. أخذت الرعشة في صوت مدينة تتضاعف: ماذا سنفعل ؟

ردَّ بضحكةٍ خفيفة: اللي أصغر منك كُلْه.

لكنّها لم تضحك، ظلت واقفةً تتكئ إلى الجريد كمن رأى غولة الليل بأم عينه. ليسَ الجراد ما يشغلُ بال مدينة. استغربَ مهدي:

  • ما بكِ؟ الجراد لم يأتِ! كل سنةٍ يشيعون ذات الكلام ولا يأتي.

بلعت ريقها ولم تُجبه. نفضَ ماءَ ذراعيه على تُربةِ الأرض: مدينة.. ما بك ؟!

مشت بضعَ خطواتٍ إلى الجرة وطفقت تغمر كفيها بماء الوضوء. يعرفُ مهدي أنها لا تحبُّ الكلام كثيراً: أهي البنت؟

أجابت دونَ أن تلتفت: “لا أدري. لعلها عينٌ حارة في المأتم. بعدَه غفت ولم تستيقظ.” انحنت تمسحُ قَدَميها برطوبة الماء، تفحّصت نتوءَ ظفرٍ في إبهام القَدَم، وَكَمن يحدّث نفسه:” أولَعلّه بطنها”.

  • بعدَ الصلاة أمرُّ بجواد وآتي منه بدواء.
  • لا، عندي مُرّةٌ في المخزن منذ مرضك العام الفائت.

***

فقدت مدينة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية سبعةَ أطفال. ثلاثةٌ حصدتهم الحُمّى، واحدٌ ابتلعهُ العبدُ الذي قِيل إنه يكمن للصبيةِ يسبحون في قاعِ العين، توأمٌ حملتهما الريح بعدَ ليالٍ ثلاث، والسابعة أخذها الجَدَريُّ بعد أن قضَم جلدها طويلاً. مدينةُ مشت ستَّ مراتٍ خلفَ جنائز أولادها ملفوفينَ في حصرٍ تفوح بروائحَ كافورٍ وسدر. كذلكَ كتبت ستَّ مراثٍ في عبد الله الرضيع ورقيّة أبناء الحسين، لم تُلقِ أي منها في مولدٍ أو مأتم. ذَخَرتها لليالي أرقٍ وحزنٍ طويل. تحاول تذكَّر بيت الشِعر الذي استيقظ على لسانها هذا الصباح، فلا تتذكّره.

***

“ألهاكمُ التكاثر..”

الحوي عامرٌ بتلامذة مدينة. أوكلت إلى سلمى ابنةِ سَكنة كنسَ الدار فيما انشغلت هي بتحفيظ أحد الأولاد.

“حتى زرتمُ المقابر..”.

دلف ابنها إلى الدارِ بعدَ أن حمل زُوّادةَ الغداء لأبيه. عادةً ما تُوكِل إليه تحفيظَ سلمى أو ابراهيم ابن القلاف، إلا أنَّ عليّاً يشتدُّ وسلمى تستطيل وتستدير. قرأت مدينة الوَلَه في عينِ عليٍّ فصارت تصرفه ليهتمَّ بقنِّ الدجاج.

الرضيعة ظلت نائمةً في المهد منذُ اليوم الفائت. أيقظتها مدينة مرتين حينها وحملتها على أن ترضع من ثديها. لم تُقبِل فاطمة على حليبِ أمّها. قبضت على الحلمة بفمها نصفَ ثانيةٍ بعنفٍ ثم أفلتتها في وهن. لم تكن مصابةً بالحمى ولا بالإسهال.بَدَت كمسافرٍ أرهقه سفرٌ طويلٌ. مسحت أقدامها بزيت الورد، قَطَرت في فمها المُرّة، عقدت قماطاً رطِباً حول تمرةٍ وقربتها من فمها. تحرّك أنفُ الرضيعة يلتقطُ حلاوة التمرِ قبلَ أن تنام من جديد. لا جدوى. تركتها في المهد وانصرفت بقلبٍ غائرٍ إلى شغلها.

فكرت في المأتم، حديثِ سكنة والجراد. الحلم الذي راودَها بالأمس. أمرت سلمى أن تُشعِل شبَّة وتبخّر الدار. برزَ علي. سألته أمه: أي خبرٍ عن الجراد؟

  • يقولون أن الحكومة تعرفُ دواءً له.
  • ومتى كانت الحكومة تعرفُ دواءً للبشرِ حتى تُعنى بمداوة الجراد؟

عينُ عليٍّ سرعانَ ما انشغلت بسلمى وهي توقدُ الجمرَ وحرارته تتوهّج في خديها. يتنبه لأمه وقد اصطادت نظرته الطويلة. يُداري حَرَجه: ليش الشبّة يمه ؟

  • عن عيون المحبين. قالت بصوتٍ فاتر.

ندّت عنه ضحكةٌ قصيرةٍ ومرتبكة: تخافي من الحب يمه ؟

  • أخشى غدره.

قالت والألم في صدرها يكبر، وقبضةُ المراثي السبعة تلتفُّ حول فؤادها. تودُّ لو تدخلُ حجرتها الآن وتدوّن قصيدتها الأخيرة.

  • فاطمة تعبانة، يمه ؟

أعرضت عن جوابه والتفتت ناحيةَ سلمى: اعطيني الشبّة عيني، سأتولى تبخير الدار.

لم تقُل شيئاً للصبي ذي الأربعة عشر عاماً الذي شهدَ إخوته يتساقطون واحداً واحداً كأعذاق رطبٍ في صيفٍ قائظ. حملت الشبَّة ونقّلت جَسَدَها الأربعيني النحيل في حُجَر الدار، تبثُّ فيها الدخان وتهشُّ عنها أشباحاً خفية. تمتمت بأسماءِ أعداءٍ تعرفهم يقيناً وأعداء محتملين، أسماءِ أحبّةٍ وجيرانٍ وعيونٍ خفيةٍ في الجدران، بالجنِّ والشياطين ودوابِّ الأرض. حينَ طال تنقّلها بين الغرف، أدركت مدينة أنها كانت تحاول أن تطردُ عنها الحلمَ لا أي شئٍ آخر. لكنّ الحلم صار يتكثّف أمامها في زوايا الحُجيرات ويستحضرُ صوره في الدخان. معه كانَ يكبرُ الرعب الذي استيقظت بهِ يومَ أمس. تذكَّرت الجاثوم الذي كبسَ أنفاسها، وصوتَ نحيبٍ ينسكبُ في أذنها، عينيها المفتوحتين في جَزَعٍ وامرأةً  – أكانت امرأةً حقاً؟ – بلا ملامحٍ تمدُّ ما يشبهُ ذراعاً طويلةً لتقلبَ شيئاً ما. خارت قواها فجأةً، جلست على فراشها تتنحب دون صوت. إنها تعرفُ الآن. لا تتذكرُ بيت القصيد لكنها تعرف. اقتحمت سكنة الحجرة فجأة. شهقت ما إن رأت دموعها وقالت: ما يُقال صحيحٌ إذن ! في فاطمة خطبٌ ما!

جففت دموعها بملفعها في حَرَجٍ فيما هي تلتقطُ الشبَّةَ التي انطفأت. أخذت بضعَ ثوانٍ قبل أن تقول وهي تغادر الحجرة: ما فيها إلا الخير. ريحٌ في بطنها فحسب.

  • لا تكابري يا مدينة ! زوجي سمِع أبا عليٍّ في المسجد يسألُ الحوَّاج عن دواءٍ لها. ما بها فاطمة ؟

ألقت مدينة نظرةً على مهدِ ابنتها في الغرفة: لا شئ. إنها متعبة فقط ولا ترضع كثيراً.

  • منذ متى ؟
  • منذ يومين.

هرعت سكينة إلى الغرفة وحملت الطفلة من مهدها، هدهدتها ، مسحت على رأسها ونفخت في أذنِها صلواتٍ لكن الطفلة لم تستجب. التفتت لأمِّها: الطفلة أصغرُ من أن تشكو لكِ! خذيها إلى الحكيم.

“لا تكبّري الأمر. الطفلة ستطيب في يومٍ أو اثنين يا سكنة !” قالت بوهنٍ شديد وقلبٍ يرجف.

  • ستأخذينها ! غداً بعدَ الفجر سينطلقُ بعض الرجال إلى المدينة بعدَ صلاة الفجر لرؤية الزعيم ومأمور الحكومة حولَ أمر الجراد. أذهبُ معكِ بصحبتهم ونعرضُ الطفلة على الحكيم في دار الشمال.

حارت مدينة في أمرِها، التفتت إلى الفتيةِ في الدار: من يتكفّل بتحفيظهم غداً ؟

  • علي رجّال ويمكنه أن يتكفّل بالأمر. لمَ المكابرة؟ قبلَ ساعةٍ كنتِ تغرقينَ في دمعك.

ترددت مدينة قبلَ أن تقول وعبرةٌ تخنقها: “رأيتُ حُلماً قبل يومين” . لكن سكنة لم تمهلها لتكمل: “لا تسردي الحُلم. ضعي صَدَقةً تحت منامكِ الليلة”. وضعت الطفلة في المنامِ ثانيةً، أعادتْ لفَّ قماطها وهي تردد: “ليسَ إلا خيراً، ليسَ إلا خيراً يا أم علي. غداً نأخذها للحكيم …”

قاطعتها مدينة بما يشبه احتجاجاً: “لكنَّ الموتَ حقّ. “

  • أتريدينَ قتلها !

صمتت مدينة ولم تعرِف كيفَ تُجِب. لا لعجزها عن إيجادِ جوابٍ، بل لحيرتها كيف تقول لسكينة أن منامَها صارَ يقيناً، وأنّها ليست بحاجةٍ للسيّد لتأويله. خوفها الأكبر من أن تنطق بالأمر فيصبح حقيقة. لعلّها إن تفادت الحديث عنه ستفلح في طردِه أو تأجيله على الأقل. تلكَ الليلة لم تَنَم. بعدَ العشاء ونوم الجميع، انسحبت بحصير صلاتها إلى الحوي. انخرطت في صلاةِ ليلٍ طويلةٍ ممتدة، حَشَدَتها بذخيرةِ عمرِها من الأدعية. كانَت جذوة الجَزَعِ في قلبِها تخبو حيناً فتفلحُ في تذكِّر شعرها القديم وتأخذ بترديده للسلوى. ثمَّ تشتعل في كبدها من جديدٍ فتنخرط في بكاءٍ وجسدها يرتجف بشدَّة. قررت أن تهبَ استغفارها الليلة لأولادها السبعة، عشراً لكلٍّ منهم. لا دَفعاً لخطايا لم يمهلهم العمر لارتكابها، بل لأنها لم تعرف تحيّةً أخرى تخاطبهم بها الليلة. فكَّرت كيف ستميّزهم عن بعضٍ في الجنة إن صاروا كلهم طيورا، كيف سيختلفُ أكبرهم عن أصغرهم، كيف ستُجلسهم في حجرها وتلقمهم. ماذا عن المراثِ السبع التي كتبتها ولم تلقِها يوماً؟ هل تلقيها على مسامعهم في الجنّةِ وهم يتضاحكون؟ كيف تستحضر سيرةَ الموت وهم أمامها أحياء؟ نهضت إلى مجموعها الذي تحفظه في صندوقٍ في دارِها. بحثت عن قصائدها السبع ونزعتها ثم طوتها ودسّتها بعنايةٍ بين طيّاتِ ثيابها التي ترتديها.. قريباً من قلبِها.

***

قبلَ بزوغِ الخيطِ الأبيض، طرقت سَكْنَة بابها. لم تتبادلا غير التحيّة وحديثاً قصيراً هامساً عن وضعِ فاطمة. التفَّتا بردائيهما الأسودين وقطعتا عَتمة الأزقة والساباطات. حملت مدينة سراجاً يقدح بالزيت، في حين اقترحت سكنة أن تتكفل بحملِ الرضيعة بعد أن رأت بؤس حالِ الأولى. كانت العربةُ تنتظرُ عندَ بوابة السورِ الشماليّ حيث اجتمع ثلاثةٌ من الرجال أمام “گاري” يجرّه حمار. كانت الخطة أن ينطلقوا إلى لقاءِ رجالٍ من قريةٍ مجاورة قبل يتجهوا سويةً للقلعة للغرضِ ذاته: رؤية الزعيم.

اعتلت مدينة الـﮕاري وسكنت إلى الزاويةِ اليسرى منه بصمت. حاولت سكنة أن تفتتح حواراً معها لكن مدينة ظلّت واجمةً وبالكاد ترد بعبارةٍ مقتضبةٍ أو اثنتين. أخذ الـﮕاري يقطعُ مزارَع النخيلِ شمالاً بمحاذاةِ سدٍّ يفيضِ بالماء بعدَ أمطار أول الأسبوع. شعرت مدينةُ بقلبها يثبُ من مكانهِ مع كلّ اهتزازٍ للعربة. وكلما لامست وجهها نسمةٌ فجريةٌ شعرت برغبةٍ في البكاء. في لحظاتٍ كانت الصور تزدادُ في عينيها عتمةً والألم في خاصرتها يتضاعف. شهَقَت بضع مراتٍ لكنَّ أحداً من الرجال لم يلتفت وسطَ ثرثرتهم، وتظاهرت سكنة بعدم سماعها.

فجأةً قالت مدينة بحنجرةٍ ترتعش: “ائتيني بها” . مدَّت لها الرضيعة دونَ سؤال. أخذتها أمها ودستها تحتَ ردائها، حاولت أن ترضعها. فتحت فاطمةُ شفتيها وقبضت على الحَلَمة بجهدٍ ثُمَّ أفلتتها بعد مصّةٍ أو اثنتين. أعادتها لسكنة ثمَّ قالت وعينها على الماءِ في السدّ: “لعلكِ تجدينَ لها مرضعةً أخرى حين نعود.” قبلَ أن تجدَ سكنة جواباً أو تقترحَ اسماً، أخرجت سكنةُ لفافة الأوراق من جيبها وقالت بصوتٍ عالٍ: “كتبتُ هذه المرثية في عبد الله الرضيع ولم ألقِها من قبل. أُلقيها عليكم؟” وجدَ اقتراحها هوىً في نفوسهم بعدَ أن نفدت خزينتهم من الأحاديث. قرفصت مدينةُ كما تفعلُ في كلِّ مأتم، قلّبت أوراقها تتخيّرُ منها، ثمَّ بدأت بأوَّلَ مرثيةٍ كتبتها بعدَ أن ابتلعَ بكرَها عبدُ العين.

***

لم تكتملْ مرثيّتها الأولى. كانتَ منحنيةً على أوراقها المفروشة فوقَ خَشَب الـﮕاري حينَ وثبَ شئٌ فوقَ تلك الأوراقِ فجأة. اتّسعت عيناها وارتدَّ جَسدها وهي تشهقُ  في رعب. التفتَ الرجال لها باستغرابٍ لكن سُرعان ما بوغتوا هُم أيضاً بسربٍ صغيرٍ من جرادٍ يثبُ تحتَ عجلات الـﮕاري ويتطاير حولَهم. لا يتذكّرُ أحدٌ الكثير مما حدث بعدها. يتذكّر السائس أنهُ انشغل بالسيطرة على الحمارِ الذي صارَ يتخبط بعنفٍ والسربُ يكتسحُ العربةَ كعاصفةٍ صغيرة. الرجالُ يتذكّرون أنهم هبّوا واقفين وانشغلوا بنفضِ ملابِسهم. قال آخرُ لم يشهد الحَدَث أن وقوفهم كان السبب في إفزاع الحِمار لا سربَ الجراد نفسه. سكنةٌ لا تتذكرُ صوتَ الحِمار ولا سوطَ السائس ولا الرِجال ينفضون ملابسهم؛ تعرفُ أنها انحنَت حينها وصنعت من رِدائِها خيمَة لها ولجسدِ الرضيعة. كان هذا قبلَ أن ترفعَ عينيها وترى مدينة بعينين دامعتين تتشبث بيدٍ بجناحِ الـﮕاري وتقبض بالأخرى على مرثياتها. كانت مدينة تنظرُ لها بما يشبه اللوم، غير عابئةٍ بالجرادِ يجدُ ملاذهُ في ردائها. همّت سكنة بقولِ شئٍ، لا تتذكرُ ما هو الآن، لكنّ العربةَ انحنت على جانبها اليسار وسطَ الضجيج. تتذكرُ مدينةُ هذه اللحظة جيداً: جسدُها ينزلقُ إلى السدّ، الجرادُ يتطاير من طيّات عبائتها كفراشٍ مذعور، برودةُ الماء تلطمُ جِلدها الأربعينيّ الجافّ، تتذكرُ أيضاً صراخها يترددُ في رأسها وبين النخيل، قبل أن تدركَ أن أحداً من أهل الـﮕاري لن يتمكّن من إنقاذها، أنّها لم تعد تصرخ لأنَّ الماء ملأ رئتيها الآن، ولم تعد تراهم لأن الموجَ ابتلعها إلى أعماقه. أنها لم تعد قادرةً على البكاء ولا الذعر، ولا تأويلَ حلمها، ولا تذكّر هذه اللحظة.

***

كيف استدلّوا على الـﮕاري ؟

قالوا أن أهلَ القرية المجاورة حينَ طال انتظارهم بعثوا واحداً من رجالهم يتقصّى الأمر. ذكروا أنهم أول ما رأوا الحمارَ يرعى على بعدِ فدّانٍ من موضعِ انقلاب العربة. كانوا جميعاً في وضعٍ يُرثى له. واحدٌ من الرجال كان على وشكِ الغرق لولا أن تداركهُ آخر. ذكرت سكنة أنه حاولَ في لحظة جنونٍ إنقاذ مدينة من لجة السدّ. وزادت على الحكاية بعدَ سنين في مجالسِ القريةِ التي عادت ترتادها بعَرَجٍ خفيفٍ في رِجلها، زادتْ أن الرجال اهتدوا إليهم من بكاءِ فاطمة. سمعَ الرجالُ بكاءَ فاطمة من مسافةِ فدانين لا واحد فهرعوا إليهم. فاطمة التي كبرت صحيحةَ الجسم.. لكن بكماء.

 ..وَجْداً على أمِّها التي رأتها بأمِّ عينها يبتلعها عبدُ العين، أضافت سكنة.

  • تمّت –