Traduttore tradittore · ترجمات

في مديح المُتسكِّعات: النسوة اللواتي استَعَدْنَ شوارع مُدننا | لورن إلكِن

5782

لم تحز الكتابة عن المشي في المدن على رواجٍ يفوق رواجها الآن. إذ باتت الكتب النفس-جغرافية صِنعةً سهلة التداول وَعُدَّ مؤلَّفوها فلاسفةً في الحداثة. تعود جذور ما يمارسونه إلى ظاهرةٍ من القرن التاسع عشر، ألا وهي المتَسّكِّع flâneurكرمزٍ للحظوة والرفاهية، في حوزته ما يكفي من الوقت والمال  ليجول المدينةَ هوناً كيفما شاء.  المُتَسّكِّع مدفوعٌ بصخب المدينة والحشود وأنغامها ومشتاطٌ منها في الآن ذاته؛ إنّه جزءٌ من مشهد المدينة لكنه منفصلٌ عنه في آن، إنه الممُثِّل والمُتفرِّج معاً.

كما أنّه رجلُ دائماً. وَلهو أمرٌ غريب: فلطالما سكنت النساءُ المدنَ منذُ عمرانها، إلا أننا حين نود معرفة ما ينطوي عليه التجوّل بتأنٍ في المدينة، لا نجد إلا تراثاً كتابياً طويلاً دوّنه الرجال لينبئنا عن الأمر، تراثٍ يمتدّ من توما الإكويني مروراً بآندريه بريتون حتى وِل سِلف. أمّا إن أردنا معرفة كيف عايشت النساء المدينة؟ فإنَّ على المتسكِّعة، إن أمكن للمرء ادّعاء وجودها، أن تكون  مومساً أو مشرّدةً، أو أخرىً ذات حظٍ عاثرٍ حملتها الظروف على عيش الشوارع. اليوم، في الحين الذي تمتلك أغلب النساء اللواتي تلتقيهنّ حكايةً أو اثنتين يروينها عن التحرّش في الشارع ، تبدو فكرة التجوّل في الشوارع وحيدةً مُقترَحاً ملغوماً.

لعلَّ ذلك يشرح الاهتمام الضئيل الموجّه لكتابة النساء عن المشي في المدينة: إذ يفترض الأغلبيّة أنها  إما معدومة، أو أنها الاستثناء الذي يثبت القاعدة. تتكئ مصادرنا حول وصفِ مشهدِ الشوارع في القرن التاسع عشر على روايات الرجال، الذين يبصرون المدينة على نحو بعينه. يُعتقَدُ أن العابرة الغامضة الفاتنة التي خلَّدها بودلير في قصيدته “إلى عابرة”، ضمن مجموعته “أزهار الشرّ” كانت فتاة ليل: “الليل الصاخب يضجّ حولي/ ممشوقةً، هيفاءَ، في حدادٍ ثقيلٍ، ترفل في الجلال/ عبرت امرأةٌ بي (…) خطرت في بهاء، بساقين عاجيَّتين/ مرتعشاً كمَمْسوسٍ، رشفت من / عينيها، سماءٍ شاحبة فيها تُولَد الأعاصير/ الرقّة الفاتنة وَاللذّة القاتلة.”  بالكاد يسع بودلير القبض على تفاصيلها: إنها سريعة جداً (وإن كانت، في الوقت ذاته، ثابتةً كمنحوتة). لا يحمله دافعٌ إلى اعتبار مَن تكون حقاً. إنها، بالنسبة له، مكمن سرٍّ غامض، في حوزتها قدرةٌ على سحرِ الغير وَتسميمه.

كذلك غضَّت النساء طرفهنَّ عن احتمالات التسكّع. في عام 1888، كتبت الشاعرة والكاتبة والروائية البريطانية “أيمي ليفي”، “لا تزال صورة المرأة مرتادة النوادي، المتسكّعة في شارع القدّيس جيمس، بمفتاح منزلٍ في جيبها ونظّارة معلّقة على طرف أنفها، مخلوقاً يسكن المخيّلة فحسب.” غير أنه لطالما وُجِدت نساءٌ يكتبن عن المدن، ويؤرّخن لحياتهنّ، وَيسردن قصصاً، وَيلتقطنَ صوراً، وَيصنعن أفلاماً، منخرطاتٍ في المدينة بأي وسيلةٍ بين أيديهنّ – بما فيهنَّ “ليفي” ذاتها. أن نفترض انعدام المتسكّعات لمجرد أنه لم يكن هناك متسكّعة أنثى بالمعنى الحرفيّ يفضي إلى اختزال الوسائل التي عايشت عبرها النساءُ المدينةَ إلى الوسائل التي عايشّ عبرها الرجال المدينة. لعلّ الحل لا يمكن في محاولة موائمة المرأة لمفهومٍ ذكوريّ، بل في إعادة تعريف المفهوم ذاته. حان الوقت لنعترف بتراثٍ مقابلٍ للتسكّع، معيدين النظر في “جورج ساند” أو “جين ريز”، أو في أيامنا هذه  في “صوفي كال”  أو لورا أولدفيلد فورد”.

حتّى تكون المرأة متسكّعة، عليّها أولاً وقبل أي شئ آخر، أن تكون جوّالة – أي شخصاً في مُكنته معرفة المدينة عبر التجوّل في شوارعها، تفحّص زواياها المعتمة، استراق النظر من خلف واجهاتها، واختراق ساحاتها السريّة. أطلقت “فرجينيا وولف” على هذه الممارسة اسمَ “اصطياد الشوارع” في مقالةٍ تحت ذات الاسم:  أن نهيم في مساء شتوي، مكتَنَفِين بـ “الوهج الخمريّ للهواء وألفة الشوارع”، نُخلِّف الأشياء التي تُعرِّفنا وراءنا في المنزل، لنمسي “جزءاً من ذاك الجيش الجماهيريّ الضخم من السيّارةِ المجهولين”. عند خروج “وولف” بدعوى شراء قلمٍ رصاص، تُحوِّلها صفات الضوء والهواء والطريق.  إذ نشقُّ مشهد المدينة نبلغ نقطةً لا نعود فيها منفعلين فحسب: بل متفاعلين أيضاً، مبعوثين خلقاً جديداً تحت وقع هذا التفاعل.

رأت رسامة القرن التاسع عشر الروسيّة “ماري باشكرستف” صلةً جليّةً بين المشي في المدينة واَلعمل الذي يخلقه الفنّانون. “أتوق إلى حريّة الخروج وحيدة: أن أذهب، أعود، أجلس على مقعدٍ في حدائق توليري، أن أذهب خاصةً إلى لوكسمبرغ، أن أنظر إلى واجهات الدكاكين المزيَّنة، أن أدخل الكنائس والمتاحف، أن أجول الشوارع القديمة في المساء. هذا ما أَحْسِد الغيرَ عليه. دونَ هذه الحريّة لا يمكن للمرء أن يصبح فناناً عظيماً.”

بالنسبة لـ “وولف”، التي واتتها فكرة روايتها “إلى المنارة” ذات ظهيرة خلال مشيها في ميدان تفيستوك، ثمة صلة وثيقة بين المشي والإبداع. كتبت في رسالةٍ إلى “إثِل سمِث” عامَ 1930: “لا يمكنني القبض على شعور الوحدةِ والتماسك وكلّ ما يجعلني أتمنّى كتابة المنارة وغيرها ما لم أُحفَّز باستمرار.” يتأتى هذا التحفيز من الانشغال بالعالم، من “الانغمار بلندن، ما بينَ وقتِ الشاي والعشاء، وَالمشي، المشي، أُشعل جذوة حرائقي، في المدينة، في خربة بائسة، حيث أسترق النظر من أبواب الحانات الشعبية”.

تلخّص الكلمات الأولى لشخصيّة مسز دلاوي، التي خلقتها “فرجينيا وولف”، كل الأمر: “أحب المشي في لندن، قالت السيدة دلاوي، فعلاً، إنه أفضل من المشي في الريف.” السيّدة دلاوي مصداق الرأة المتسكّعة، كما تشير لذلك كنيتها. “امرأة تحب التسكّع في الطريق[i]” كما تلفت لذلك “ريتشل بولبي”.  استخدمت “وولف” الشوارع كحقلٍ للبحث. ما رأته هناك حفّزها على التساؤل عن الناس وحيواتهم. دفعها تحدّي التقاط ما يشعرون به قدماً في مشروعها الأدبي – كيف تقدِّم “الحياة عينها” في صفحة كتاب.

عوضاً عن التسكّع دون هدىً، كما هو شأن نِدّها الرجل، تنطوي المرأة المتسكّعة على خصلةٍ من العصيان: إذ تذهب إلى حيث يُفترض بها ألا تكون. خذ مثالاً الفنانة الفرنسيّة “صوفي كال”، التي بدأت حرفتها المُحتفى بها في اليوم الذي، بدافع الملل، بدأت تتقصّى سراً أناساً في الشارع اختارتهم باعتباط. ذات مساء، في افتتاح أحد المعارض، قابلت رجلاً كانت تقتفي خطوه في ظهيرة اليوم نفسه. بدت المصادفة كإرهاصةٍ ما. عندما ذكر أنه مسافرٌ إلى البندقيّة اليومَ التالي، قررت ملاحقته سراً أيضاً وتبعته حول المدينة حتّى ميّزها من تحت شعرها  الأشقر المستعار. جمعت “كال” ملاحظاتها وصورها وحوّلتها إلى عملٍ فنّي َوكتاب ، اسمه  Suite Vénitienne. كمتسكعةٍ، استعادت “صوفي كال” حقها في المشي في المدينة – لا عبر تتبّع رَجلها ببساطة، بل عبر ملاحقة طريدتها.

985

تعبر المتسكّعة الشوارع بتحدٍّ، كما تلمّح لذلك صورة مأخوذة عامَ 1929 من قبل “ماريان بريسلر”. في مقدّمة المشهد تقف امرأة في الشارع في باريس، موشكةً على إشعال سيجارة. خلفها على الجدار التنبيه المألوف: (Défense d’afficher الإعلانات ممنوعة)، والذي يشير إلى حظرٍ في أواخر القرن التاسع عشر يهدف إلى حماية المدينة من التحوّل إلى مكبٍّ للوحات الإعلانات. فوق التنبيه محفورةٌ بعض الأحرف – في تحدٍ؟ أم أنها كانت هنا أولاً؟- معلنةً أنه كان يمكن الحصول على اللحوم هنا، أو قريباً منها. وَتحته رسمَ شخصٌ ملامحَ خام لوجهٍ ما.

لم يعد مشهد المرأة المدخّنة في العلن غير مألوفٍ في الزمن الذي التقطت فيه “بريسلر” الصورة. إلا أنها ما زالت تحتفظ بملمحٍ من خطيئة: امرأة، مرئيةٌ في مواجهة الحائط خلفها، وسط حقلٍ من الحظرِ والمخالفة، توشك على إشعال سيجارة. تثير صورةُ “بريسلر” الإشكالَ الرئيسَ في قلب التجربة المدينيّة: أَ نحن أفراد، أم أننا جزء من حشد؟ هل نريد أن نمتاز عن الجَمع أم أن نتماهى معه؟ هل الأمر ممكن أساساً؟ كيف نريد – أياً يكن جنسنا – أن نُرى في العلن؟ هل نريد جذب العين المحدّقة أم الإفلات منها؟  أن نكون جديرين بالملاحظة أم في حلٍّ من الملاحظات؟  Défense d’afficher. لا تُعلِنْ. لكن ها هي ذي. إنّها تُعلِن. تعرض ذاتها. تتبدَّى أمام المدينة.

يمكننا توسيع تعريف المتسكّعة حتى ليشمل المراسلة الصحفيّة. أخبرت “مارثا غلهورن”، مراسلةُ الحرب العظيمة، “فكتوريا غلندنغ” أن “التسكّع يماثل العزلة أهميّة: هكذا تستمرّ التوليفة بالنموّ في الذهن.” وضعت “غلهورن” نفسها وسط الدماء والقذارة واليأس، مسافرة من إسبانيا إلى الصين، إلى فنلندا وَفيتنام.

عند حلولها مدريد لنقل أنباء الحرب الأهلية الإسبانية، شعرت “غلهورن” أنها لا تمتلك القدرة الصحفية لتغطية الأحداث الكبرى، فالتفتت عوضاً عن ذلك للمراسلة حول الحياة اليوميّة في المدينة المحاصَرة. في سلسلة من التقارير كتبتها لـ كوليير، وهي مجلة أمريكية، وصفت “غلهورن” جولاتها اليوميّة حول المدينة، ممعنةً في تفاصيل الأثر اليوميّ للحرب على الناس القاطنة هناك. كتبت عن غرابة أن يجد المرء حرباً قريبةً من طريقه، وَوصفت الناس ينتظرون ببساطةٍ القصف التالي، أو نزولَ خطبٍ آخر. كان الناس “يقفون عند العتبات بالقرب من الميدان، يقفون هناك في جَلَد، ثم تنزل قذيفة فجأة، فتنبثق نافورة من حجر الصوّان في الهواء، ويطفو دخان اللِدايت الفضّي برقةٍ صعداً”. لا يحتمل أحد الرجال وقوفه عند العتبة ضمن آخرين، فيقول إنه يظن الأمر انتهى، لكن عليه الذهاب على أية حال: “عندي عمل أنجزه. أنا رجلٌ جادّ. لا يمكنني تبديد وقتي في انتظار القذائف. في صحّتكم.” قال ومضى في سكينةٍ إلى الشارع، وفي سكينةٍ قطَعَه.” هذا النوع من التقرير المجهريّ الذي يُنبئ العالَم لا بما وقع في اجتماعٍ بين جنرالات الحرب، بل بمقدار أهميّة رغيف الخبز لمعماريٍّ وأولاده.

على نحوٍ ما، تعارض “غلهورن” بصراحةٍ صورتنا عن المتسكِّع – هذا المراقب المدينيّ المنعزل المستقل. لا يمكن للمتسكّعة وهي تواجه الحرب والمعاناة أن تقف موقف المتفرج: “من الصعب البقاء خارجاً ومشاهدة ما لا يمكنك مدّ العون له ولا تبديله؛ من الأهون عليك أن تغمض عينيك وتوصد رأسك وتقفز في البؤس العام، حيث لا تملك خياراً غيرَ الكثير من الصحبة الانفراديّة.” عبر تفانيها في الكشف عن الأسى، حولت “غلهورن” التسكّع إلى شهادة عيان.

كيف قامت بذلك؟ كيف وجدت القدرة على التحدّي، وَقلب التوقعات، وَالسفر بعيداً جداً عن الوطن؟ كيف تفاوضت مع التشكيك في الذات، مع القلق، مع الشعور بالعار من أن تبدو متخطيَّة، متجاوزِةً، غير لائقة؟ حتى في يومنا هذا يتطلَّب تحويلُ الفضول الطبيعي إلى مشيئة قدراً مهولاً من الإيمان. أن تنهض وتمضي لهو أشجع تعبير عن تماسك الذات. لطالما مكّنت استعادةُ حقِّ التسكّع النساءَ من إعادة رسم الطرق التي أُريد لهنَّ أن يتبعنها، وأقلقت الحيوات التي أريد لهن أن يعشنها.

إشارة إلى المعنى المُضمَر في كنيتها، حيث يعني المقطع الأول منه “التسكّع” to dally، بينما يعني المقطع الثاني “الطريق” way.

One thought on “في مديح المُتسكِّعات: النسوة اللواتي استَعَدْنَ شوارع مُدننا | لورن إلكِن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s