بعضُ نصائح لمسافر المسافات الطويلة | غيث عبد الأحد

بعضُ نصائح لمسافر المسافات الطويلة[1]

غيث عبد الأحد[2]

 

نشر صديقُ كرديّ من السليمانيّة شمال العراق مؤخراً رسماً بيانياً بخط اليد على صفحة الفيسبوك الخاصة به. بأسهمٍ صغيرةٍ وَأجسادٍ عصويّةٍ stick figures  وَصورٍ لقطارٍ وَمركبٍ أو اثنين، يبيّن الرسمُ كيفَ تصل من تركيا إلى الحدود الألمانيّة في عشرين خطوةٍ سهلة. فبعد أن تقطع رحلة الألف ميل إلى غرب تركيا، يحسن بالرحلة أن تبدأ بسيّارة أجرة من مدينة إزمير على الساحل. يشيرُ سهمٌ إلى الخطوة التالية: مركب يعبر بحرَ إيجة إلى “جزيرة يونانية”، كُلْفَته ما بين 950 إلى 1200 يورو. مركب آخر يحملك إلى أثينا. وَقطار – يلوحُ  كيُسروعةٍ ممسوخة- يؤدي إلى سالونيك. مشيٌ وَحافلاتٌ وَقطاران شبيهان بالدودةِ آخران ستأخذك عبر مقدونيا إلى سكوبيه، وَمنها عبر صربيا إلى بلغراد. يقطع جسدٌ كالعصا الحدود إلى هنغاريا بالقرب من مدينة سغد. ثم تكتمل المسيرة بسيارة أجرة إلى بودابست، وَ سيارةأجرة أخرى عبر النمسا كاملة. أسفل الصفحة يثبُ جسدٌ عصوي أزرق صغير  في الهواء ملوّحاً بعلم. ها قد وصل إلى ألمانيا، هاتفاً مرحباً بمينوخ، بعدَ رحلةٍ من ثلاثة آلاف ميل تقريباً، مستغرقاً ثلاثة أسابيع ربما، بكلفة إجمالية قدرها 2400 دولار.

abdu01_3719_01 

الهجرة موضوعُ أيّ حديثٍ تقريباً في مقاهي بغداد وَدمشق –كبير المدن وَصغيرها على امتداد سوريا وَالعراق وما وراءهما – إلى جانب مواضيع إيجابيات وَسلبيات الدعم الإجتماعي الممنوح للمهاجرين في بلادٍ مختلفة. تعد أفضل الطرق معرفةً متاحة للجميع، كما تنتشر المعلومات عن آخر التطورات وأحدث النصائح كالبرق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، عبر فاير، وتسب، وَفيسبوك. كل ما تحتاجه لبلوغ أوروبا هذه الأيام ألفيّ دولار وَجهاز محمول. الوضع تغيّر تماماً عما كان عليه أواخر التسعينات، عندما، في العراق على الأقل، عنت عقوبات الأمم المتحدة مجتمعةً مع ظروف دكتاتوريّة صدام أن العيش شبه مستحيل، لا سيما وَالحياة تتكئ على صدقات الحكومة وَرواتب الدولة الهزيلة. لم يملك إلا القلّة المال لبلوغ أوروبا. رحل عشرات الآلاف من العراقيين عن العراق إلا أن أغلبهم وهنَ في سأم عمّان في الأردن. أغلب من عرفت أرادوا الرحيل، وَأغلبهم فشل – لضعف المادّة أو العزيمة أو الحظ ببساطة.

كنت أحد الفاشلين. أنهيت درجة الهندسة المعماريّة وَصرت متلهفاً لإكمال دراستي في فيينا أو بيروت، أو لأجد على الأقل وظيفة شبه معتبرةٍ في عمّان أو دبي. كنت هارباً من الخدمة العسكريّة لذا لا أمل لي في حيازة جواز سفر: فرصتي الوحيدة للخروج من العراق تمثلت في توفير وثائق مزوّرة أو العثور على مهرّب. حاولت لثلاث سنوات. أنفقت ما يقارب 3000 دولار – التي كانت تعدّ ثروةً في حينها- على عمولات المهربين. تعرضت للكذب والخيانة والاحتيال في مالٍ استدنته. لتسعة أشهرٍ عشتُ وَحقائبي محزومة، متأهباً للرحيل، هاتفت المهرّب كل ليلة، المهرّب الذي كرر كذبه بالادّعاء أن غداً سيكون اليوم الموعود.  أخيراً، استسلمتُ وَأفرغتُ حقائبي وَانتظرت خمسة أعوامٍ أخرى.

لعقود ظّلّت السبل المفضية خارج الحرب وَالدمار وَالفقر إلى أمان الحياة في أوروبا سراً مصوناً بعناية، يملكه المهرّبون وَالمافيا المسيطرة على الطرق التي احتكرت المعرفة الضرورية. مارسوا تجارتهم المحظورة في مقاهٍ قذرةٍ داخل الأزقة الخفيّة بحيّ آقصراي باسطنبول وَ-لمن حالفهم الحظّ فبلغوا اليونان- في منطقة أمونيا بأثينا، حيث يُنقَّل القاطعون هذه المسافة كلها بين شبكةٍ وأخرى، ليتعرضوا للكذب وَالتلاعب من جديد.  ليس بوسعهم آخر الأمر إلا تسليم أموالهم مقابلَ وعدٍ وَأمل.

كل شئ تبدَّل هذا العام. لطالما انسربَ المهاجرون عبر بحر إيجة، الذي يُعَدُّ طريقاً غير مرغوبٍ لا  لهيجان مياهه وَ اضطراب مراكبه، بل لدمويّة رجال البوليس اليونايين وَضعف أمل الحصول على لجوء في أثينا. استحال الجدول الصغير إلى سيلٍ حين أعادت حكومة سيريزا الجديدة صياغة القوانين. “نصت السياسة على أن نعيد المراكب حتى وإن عرّضنا حيواتٍ للخطر”، أخبرني مسؤولٌ من خفر الساحل في لسبوس. “أما مع هذه الحكومة، صار الأمر: لا، دعوهم يأتون، وَساعدوهم إن احتاجوا المساعدة.” غضت تركيا البصر أيضاً عن المهاجرين، فوهنت شبكات المهربين القديمة وَحدود أوروبا شديدة الحراسة تحتَ وطء عشرات الآلاف من الناس. إلى السوريين النازحين مسبقاً في الأردن وَلبنان وتركيا انضمَّ العراقيون – أغلبهم من الشباب السنّة الهاربين من الدولة الإسلامية وَالميليشيا الشيعيّة- إلى جانب نسبة صغيرة من الأفغانيين والإريتيرييت والباكستانيين، فارّين جميعاً من صراعاتهم، ساعين جميعاً وراء سبلٍ جديدة أملاً في حياة أفضل. تقنيّات التعبئة المستخدمة في الربيع العربي، التي حشدت آلاف المتظاهرين في مكان واحد، استُخدمت الآن لتنظيم موجات المهاجرين الجديدة. ما عاد الأمر سِفرَ خروجٍ للمساكين وَالمستضعفين – رغم أن هذا حال الكثير منهم – بل حجاً في مجمله للشباب وَالمتعلّمين وَالطبقة الوسطى. خلَّف اقتحام الحدود الأوروبيّة فئتين من الناس غاضبتين، تجتهدان للعثور على سبيل لاسترداد النظام القديم: المهرّبين وَمسؤولي الاتحاد الأوروبيّ.

*

باكورةَ إحدى الصباحات في مدينة لسبوس، ركنَ رجلٌ قصير  رماديّ الشعرِ دراجته النارية تحتَ شجرة صنوبر وَجلس إلى شاطئ صخريّ تتناثر عليه ستر ات نجاة مهجورة – برتقاليّة، حمراء، وَزرقاء. في حين تتمدد جثث القواب المطاطيّة بالقرب. من بعيدٍ، على الضفة الأخرى من المحيط، تلوح الجبال التركيّة كئيبة: كان اليوم غائماً. يجيء الرجل إلى الشاطئ كل صباح، وَيجلس منتظراً قدوم مراكب المهاجرين. بين فينة وأخرى يمسحُ الأفقَ بمنظارٍ عسكريٍّ قديم يتدلّى من عنقه. يجلس اثنان من أصحابه إلى طاولةٍ جهّزاها على مبعدة يشربان القهوة. جميعهم كانوا صيّادي سمك، لكنهم أضحوا الآن، ككثيرٍ غيرهم على الجزيرة، لاقطي خردوات، يسلبون المحرّكات الخارجيّة للزوارق القادمة. ينصّ قانون البحر على أن بيدك الاحتفاظ بأيّ ما تجده تائهاً فيه.

“أحياناً يرسلونهم في محرّكات صينية سيئة”، قال الرجل في قلقٍ، لا على أمان المهاجرين بل على السعر الذي ستحصده اللقية. بالنسبة للرجال الثلاثة كان المهاجرون “درناً مقززاً” من “هناك”، غير أنهم كوّنوا بسعادةٍ شيئاً من لجنة استقبالٍ للوفود الجديدة مع كل محرّك خارجيّ محمّلٍ بوعد بضعة مئات من اليورو . أخذت التجارة تزدهر في كل الأنحاء بفضل الهجرة الحاليّة. ففي المرفأ القديم في إسطنبول، كاركوي، حققت محالّ المؤن المكشوفة -التي اعتاشت حتى الآن على مبيعات اليسير من صنانير الصيد – فجأةً تجارةً رابحةً من تسويق ستر النجاة وَزوارق بمحرّكاتٍ صغيرة.

بينما الشمس تعلو لاحت أربع لطخاتٍ صغيرة في الأفق، منطلقةً من الشاطئ التركيّ في صفٍّ منسّقٍ بعناية: إنّها عمليّة منفّذة بدقة عسكريّة. دنت اللطخات فبدت مراكب. انحرفت ثلاث منها إلى الشرق في حين اتجه واحد مباشرة نحوَ موقع انتظار الرجل. لا يثير  قدوم محرّك واحد فقط الشكوى: ما زال الصباح باكراً وَمن يدري كم محرّكاً آخر سيجيئ بقيّة النهار؟ لكن بعدَ مرور نصف ساعة بدا أن المركب بالكادِ يتحرّك. “ثمة خطب ما” قال الرجل لأصحابه. يمكنه أن يميّز عبر منظاره لطخات حمراء وَزرقاء وَأذرعاً تلوّح في اهتياج. قالَ “تعطّل المحرّك” .

وثب الرجال الثلاثة على الدراجة النارية وَانطلقوا في محاولة للحاق بالمراكب التي اتجهت شرقاً. حين بلغوها، كان قطار من البشر – رجالٍ ينوؤون تحت حقائب ظهر، نساءٍ يحملن أطفالاً وَيجرّونهم- يشق طريقه نحو قريةٍ بعد تسلقهم المنحدرات في الأسفل. كان ثمة مئة منهم، أو أكثر قليلاً، حمولة المراكب الثلاثة؛ أما الرابع فتمَّ سحبه إلى الساحل من قبل خفر السواحل اليونانيّ. غمر الرجال وَالنساء وَالأطفال شوارع القريّة، محتلين الأرصفة، مستريحين على العشب، مبدّلين المشهد. أخيراً لملموا ممتلكاتهم وَشرعوا في مسيرهم إلى ميتلين، البلدة الرئيسية في لسبوس، حيث ينبغي على كلّ المهاجرين التسجيل قبل أخذهم إلى أثينا.

 ها قد بدأت المسيرة الطويلة إلى أثينا. قافلة من عناقيد إثنيّة – أفغان وَعرب وَكرد – ينظمها خيطُ الإسفلت. يتبدّل ترتيب العناقيد وفقاً لمَن يرتاح وَمن يتحرّك؛ حيناً ينتشرون على امتداد كيلومترٍ وَحيناً يجتمعون معاً في حشدٍ واحد، مثيرين الخوف لدى السيّاح وَالمحليين. تقاطعت مجموعتان من المشاة معاً، مسافرتان في اتجاهين متعاكسين: من جانبٍ، تتجه بعيداً عن البلدة نحوَ البرية ثلة من متقاعدين أوروبيين – ألمان وبريطانيين- يرتدون جميعاً عُدة رياضية زاهية، أحذية “بوت” ضخمة وتيشيرتات. بدوا مضطربين جميعاً. من الجهة الأخرى يأتي المهاجرون، يتقدمون نحو البلدة، كثير منهم يغادر بلاده للمرة الأولى، جميعهم متعب من الطرقات الخطرة، لكنهم مرحون بلا حد، يتحدثون عن خططهم للرحلة المرتقبة. لم يسعفهم الوقت لتأمل مشهد الطبيعة. “لو كنت سائحاً هنا لمثّلَ هذا مكاناً رائعاً للزيارة” قال رجلٌ بصحبة ابنته وهما يعبران قريةً خلابة أخرى وَكرومها. “لعلّنا نعود إلى هنا يوماً ما برفقة أخيكِ وَأختك”.

كان اسمه خالد. له عينان حزينتان وَشعره الذي غزاه الشيب باكراً قُصَّ قصيراً. لم يبدُ واثقاً مما سيقدم عليه، وَما فتأ يسأل ابنته إن كانت بخير. بدت في الثانية عشر تقريباً. بالكاد أجابته لكن، على العكس منه، لم تكن منزعجة، وَاستمرت في المسير. التحقوا بجماعة من السوريين بيد أنهم جلسوا على مبعدة بضعة أقدامٍ منهم وَساروا خلفهم قليلاً. ذكر أنهم متجهين إلى الدنمارك، حيث يعيش أخو زوجته. كان يتحدث بلهجة عراقية ثقيلة لكنه قال أنه من الميادين، مدينة سورية قريبة من الحدود العراقية. فرّ وَأسرته بعد أن سيطرت الدولة الإسلامية على الميادين باكورة هذا العام، غير أنه لم يرتَح للحديث عن الأوضاع في مدينته. ما تزال زوجته وابن وابنة آخران في تركيا.

من المحظور نقل المسافرين “غير الشرعيين” على الجزر اليونانية. لا يُسمح لهم بركوب الحافلات أو سيارات الأجرة – كما يُهَدَّد المحليون بالغرامات لتهريب الناس – لذا ينبغي عليهم المشي أربعين كيلومتراً إلى مراكز التسجيل. عندما دنت فتاة يونانية طويلة شقراء لتعرض على خالد وابنته ركوب سيارتها، التفتَ في خجلٍ إلى المجموعة السورية وقال: “لقد وصلنا معاً، سيكون من المخزي أن أتركهم. سنواصل المسير معاً”. إلا أن الابنة أخذت تَهِنُ بوضوحٍ بعدَ مضي ساعة أخرى من المسير تحت الشمس، لذا حين عرضت الفتاة اليونانية أن تقلّهم من جديد وافقَ على الأمر. أصبح خالد أكثر نشاطاً في السيارة. طلب من ابنته أن تُخرِج جهاز “الكندل” الخاص بها، فمررت جهازاً لوحياً لتُطلع اليونانية على بعض صور لبقية العائلة.

ثمة رجال شرطة على بوابات المرفأ في ميتلين. الوقتُ أوَّل الظهيرة. مئات من المهاجرين استقرّوا في طابور؛ العديد منهم لبثوا الليلة الماضية هنا. أولئك الذين ما زالوا يسيرون بعد رسوهم هذا الصباح لن يصلوا قبل حلول الظلام. هنا، صنع أبٌ ليبيّ وأطفال خمسة منزلاً بين سيّارتين مركونتين. درزينتان من صوماليين وأفغان عند حافة الماء، مع أن الأغلبية جلست فقط في منتصف الشارع. ينبغي استكمال إجراءات كل فردٍ ثم أخذه إلى مخيم في ساحة لعب سيئة الاستخدام، حيث ينتظرون قبل نقلهم إلى أثينا.

شقت الفتاة اليونانية الحشود وَجادلت لتتجاوز حاجز الشرطة. عادت بعد بضع دقائق وأخذت خالد وابنته داخلاً حيث فحصَت الفتاةَ طبيبةٌ من المنظمة العالمية للمهاجرين، وَهي هيئة منتسبة إلى الأمم المتحدة. مرت الطبيبةُ، إيطاليّة في الخمسينات، بالكثير من مراكز الأزمات، إلا أن شيئاً في الطريقة التي أمسكَ بها الأب يدَ ابنته جعلها تبكي. طلبت من الأب جواز سفره كي تعجّل من تنفيذ طلبه. جمد مكانه، وّقال إنهم لا يملكون أي جوازات.

“أنت سوري، أليس كذلك؟”

“نعم.”

“لن يستغرق الأمر طويلاً إذن.” صافحتهم اليونانية ثم تركتهم داخلاً.

“أنا آسف” قال.

“ماذا حدث؟” سألتْ.

“لقد كذبت. أنا عراقيٌّ، ولست سورياً.” قال. “قالت لي ابنتي أن من الخطأ الكذب على أناسٍ مدوا لنا يدَ العون. كنت خائفاً. نحن شيعة، والسوريون الذين سافرنا معهم من السنّة جميعاً. أنا آسف.” كان من الحكمة أن يظل صامتاً: فالصدام بين الجماعات الإثنية شائع. لكنه لم يكن سبب الكذب الوحيد. يحصل السوريون على معاملة تمييزيّة في أغلب الأماكن: في اليونان يمكنهم البقاء في البلاد مدداً أطول بعد استلام أوراقهم – يُمنَح الأفغانيّ شهراً واحدً، وَالسوريّ أربعة.

تنتمي اليونانية الشقراء إلى ثلة صغيرة من الناس تعمل على تقويض بيروقراطيّة الاتحاد الأوروبي. اجتمعوا في غرفة بالطابق الأرضي لمبنىً تحت الإنشاء في قرية على أطراف ميتلين. ضمَّت الجماعة بائعة أزهارٍ تنفق المال الذي اجتهدت لتحصيله على الوقود لتتمكّن من حمل النساء والأطفال عبر التلال إلى المدينة، إلى جانب طبيبين تطوَّعا لمعالجة الوافدين الجدد صباحاً على الشاطئ وتهريبهم إلى ميتلين ليلاً تحت غطاء العتمة، وَمسؤول من خفر السواحل يعمل في مركز الاستقبال الرئيسي خلال النهار، وَفي المساء يخرج لمساعدة المهاجرين ما لم يكن يلعب الكرة الطائرة. قائد الجماعة كان قساً مهيباً بلحيةٍ بيضاء تبلغ صدره: الأبّ باباستراتيس، الذي يجول جاذباً قنينة من الأوكسجين وأنابيبَ موصولةً بمنخريه. كان في الثامنة والخمسين لكن بدا في السبعين؛ رئتاه بالكاد تعملان وَتعرَّضَ لسكتتين دماغيتيّن. يدخّن سيجارة بين حين وآخر حين لا يراه ابنه.

على النقيض من مبنى الأب باباستراتيس، فقد كان مركز الاستقبال الذي تديره الحكومة في ساحة اللعب سيئة الاستعمال مكاناً بائساً تتناثر فيه القمامة.  تنشب عراكاتٌ بين السوريين وَالأفغان وَالصوماليين. تشتكي سيدتان إريتيريتان من التحرش الجنسي. وقف رجل خفر السواحل – ابنُ القسّ الأكبر- وسطَ حشد من الناس يصيحون بمطالبهم عليه: أسرة سورية الأم فيها مريضة بالسرطان؛ أفغانيين اثنين يشتكيان من عدم سماح بعض السوريين لهم بشحن هواتفهم المحمولة؛ سيدة أفغانية تقول أن ابنها يعاني من الإسهال وَيحتاج أقراص دواء. الكل يريد أن يعرف متى سيغادر الجزيرة. “لماذا يعاملوننا هكذا؟” سأل أحدهم. “ماذا يسعني عمله؟” قال. “يريدون مني أن أصبح أمَهم، صديقهم، معالجهم النفسي. ولست سوى خفير ساحل: هذا جنون. اللعنة على الاتحاد الأوروبي.”

*

مقتفياً أثر الطريق الذي رسمه صديقي على الفيسبوك، سيتوقف أغلب هؤلاء المهاجرين قصيراً في أثينا ثمَّ يكملون السفر إلى سالونيك. يستغرق المسير ست ساعات من محطة القطار هنا إلى الحدود المقدونية. إلى جوار محطة وقود مهجورة – لا يستخدمها أحد بما أن الوقود أرخص على الجانب الآخر من الحدود- يقع نزلٌ من طابقين، مستراحٌ تتزوَّد فيه بالمؤن وَتشحن هاتفك المحمول. يُحتَمل أن هذا المكان كان مهجوراً كمحطة الوقود لكنه الآن خانٌ من العصر الحديث، تصطفُّ عالياً في بهوه أطعمة معلّبة بأسعار باهظة، أحذية رياضية، حقائب ظهر وَقوارير مياه. طباخان يونانيّان متقدمان في السنّ يغرفان للناس فولاً وَأرزاً بقيمة 10 يورو للطبق الواحد. كل الطاولات وَالمقاعد وَالزوايا مشغولة. جلست جماعة من السوريين تدخّن وَتثرثر بعيداً، إلى جوارهم طاولة تزدحم بإريتيريين يحتسون البيرة في صمت. كان راعي النزل يصيح مطلقاً أوامره في غضب، متصرفاً كما لو أن مُنشأته الراقية احتُلت من قبل هوام لا زبائن. كانت التجارة مزدهرة للحد الذي دفع بالحانات المجاورة وَالمساحات التي تتوفر فيها غرف للإيجار لتعليق يافطات في عربية سيئة التهجئة أملاً في جذب زبائن جدد. يملك أغلب المهاجرين مالاً ينفقونه وَلا يمانعون الأسعار. لقد قدموا ببضعة آلاف من اليوروهات، مالٍ جنوه من بيع بيوتهم وسياراتهم لتمويل الرحلة إلى أوروبا. أن يغرموا خمسة من اليورو على علبة مشروب غازي لهو انتهاز هيّنٌ مقارنةً بالألف يورو أو نحوها التي وجب على كلٍ منهم دفعها لرحلةٍ على زورق قابلٍ للنفخ، رحلة كانت ستكلفهم خمسة عشر يورو على ظهر عبّارة. من الموتيل خطا المهاجرون في إثر طريقٍ نحوَ الحقول الشاسعة. كان الآلاف ماضين في الأمر سلفاً وَالأرض اكتظت بأجسادهم. نساء في أحجبةٍ وَتنانير بطول الكاحلِ يدسن في رفقٍ وَيرشدن أطفالهن. تتبعهم مجموعة من سوريين “هبستر” يعتمرون قبّعات “بنما” وَقمصان تيشيرت، جامعيّون من حمص ودمشق، أحدهم مهندس شبكات يخطط للذهاب إلى بريطانيا. ثمة صومالي يرتدي قبعة كاوبوي وَبنطالاً جلديّاً وَقلادة؛ كان منفعلاً من أثر الحشيش ويتحدّث بإنجليزيّة العصابات.

هناك أيضاً أسرة سوريّة: أب وَأم وثلاث بنات صغيرات. الأب باسم كان يحمل الصغرى على كتفيه. عمِل سابقاً تاجراً ناجحاً على أطراف دمشق؛ امتلكت عائلته مساحاتٍ واسعة من الأراضي الزراعية. حين اندلعت الثورة عامَ 2011 وظف أمواله في تمويل المقاتلين وأصبح قائداً في الحرب الأهلية الناجمة. “أنفقت ثلاثمئة ألف دولار على الأسلحة والذخيرة” قال، “وَخسرت العديد من اللأصدقاء. نادم على كل هذا الآن.” عندما حوصرت منطقته فرَّ إلى وادي البقاع في لبنان للاختباء لكنه سرعان ما اشتبك مع حزب الله. اعتقل أخوه وَكاد أن يُقبَض عليه هو أيضاً.  من لبنان اتجه إلى تركيا، حيث وعده زميل ثوريّ تحوَّل إلى التهريب بمساعدته مع أسرته على ركوب عبّارة إلى إيطاليا مقابل 10 آلاف يورور. أخذ الرفيق المال وَتلاشى. يقول أن من بين كل الأموال التي خسرها، كانت هذه أشدَّها إيلاماً. تحدَّث بهدوءٍ دونَ مرارة، لكنه ذكر أنه شعر بالخزي لاضطراره لبيع حليّ زوحته من أجل الوصول إل هنا، لينتهي بمبيت بناته في عراء الحقول.

كانت الشرطة اليونانيّة قد هجرت الحدود بعد أن تعلّمت مبكراً أّنْ تدع التيّار يتحرّك بأسرع سرعةٍ ممكنة بدل أن تحاول إيقافه. في نهاية الأمر لا أحد يودّ البقاء في اليونان. سيستغرق المقدونيّون أسابيعَ قبل أن يتعلّموا الدرسَ ذاته. بالنسبة لمجموعة المهاجرين هذه كانت السبيل السالكة أمامه مسدودة: تقف في طريقهم سيارة “لاند روفر” وَخمسة رجال شرطة مقدونيّون. لذا انبغى على عدة مئات من الناس أن تسير بمحاذاة سكة الحديد لتجد مساحةً للمبيت ليلاً. البعض فرشَ أكياس نومٍ تحت جسر، آخرون نصبوا خياماً مرتجلة مصنوعةً من ملاءات بلاستيكيّة وعصيّ. في الصباح، وَبينما توافد المزيد ليحيلوا المخيّم المرتجل قريةً (نساءً من سيرا ليون، يمنيّ في كرسي متحرك، المزيد من السوريين وَالعراقيين)، قطع عدد من كشّافة متطوّعين الحدود جيئة وذهاباً بحثاً عن طريق آمن. على يمين الشرطة ثمّة نهر لا يمكن قطعه وَعلى يسارها تلالٌ يشاع أن قطّاع طرقٍ يجولونها مطالبين بمبلغ مئتي يورو مِن كل من يصادفونه، ذلك أنهم “اشتروا” المنطقة. انطلق شابّان كرديّان خرجا للتوّ من معركة كوباني إلى التلال تقصيّاً لطريقٍ عابرة. لمحَ أحدهم من خلل الأحراش مسلكاً عندَ منعطف طريقٍ قبيل نقطة شرطة يونانيّة مهجورة، بعثوا خبرَ أن الدرب وُجِدَت.

بعدَ ساعةٍ عبرَ صفٌّ من البشر خلل حقول عبّاد الشمس ناحيةَ التلال، وقد استُبدِلَت النشوةُ بِبؤسِ الصباح. حين بلغوا المنعطفَ أعانَ الفتية الأكراد الجميعَ على اجتياز الأحراش، ثمَّ تحركوا صوبَ حافة التل لمراقبة الشرطة المقدونية في الأسفل. أمضوا ساعاتٍ يلفّون سجائر وَيشعلونها. تبدَّلت مناوبتان من الشرطة وَجُلِبَ كلب. “ماذا لو تفرّقنا في خطٍ واحد وَعدونا نحوَ الحدود؟” اقترحَ أحد الفتية. بدت فكرة اجتياح حدود دوليّة فكرةً مجنونةً عندَ المهاجرين الأكبر سناً، غير أنه ما من سبيل آخر، وَإذ حلَّ الليل انحدر الحشد بأكمله على التلِّ  عدواً صوبَ مقدونيا.

ثم استمر الانحدار نزولاً طيلة الطريق إلى “غيفغليا”، المدينة الأقرب، حيث – في انقلابٍ عبثيّ للعبة- أنهت الشرطة المقدونيّة إجراءات المهاجرين وأعطتهم الأوراق اللازمة للتحرك بحرية في البلاد. صادفت الـ”هبستر” السوريين عند محطة الحافلات بعد أن انتظروا دورهم. كانوا يتحدثون بحماسٍ وَينظرون إلى خرائط غوغل في هواتفهم. “الخطوة القادمة سكوبيه” قال أحدهم. لقد خططوا مسارهم بأكمله سلفاً، عبر صربيا وَالمجر وَالنمسا. كان أحدهم يفكّر بالاتجاه إلى الدنمارك. لن يستغرقهم الأمر طويلاً.

*

صادفت بعض الآخرين مرة أخرى في لوجان، وَهي قرية جلّها من الإثنية الألبانيّة على الجانب المقدونيّ من الحدود مع صربيا. هنا يجتمع المهاجرون من جديد وَينتظرون محاولين إعداد ترتيباتٍ لعبور حدود دوليّة أخرى، لعبة قط وَفأر أخرى مع الشرطة. غير أن الأمور أصعب هذه المرة: يُشاع أن التسكّع هنا غير آمن. كان ميدان القرية خالياً إلا من مزارعٍ مع مقصورة بطيخٍ وَبندورة، وَثلاثة رجال متقدمين في السنّ بقبّعات سوداء يجلسون على مصطبةٍ ما. ثم أتت أسرة سورية إلى الميدان، الأب يحمل طفلاً والأم قابضة على أكفّ ولدين صغيرين. كانوا يخفون السير في إثر فتىً نشء، عربيٍّ يقود الطريق. ولجوا شارعاً جانبياً ضيقاً قادهم إلى طريق. اجتازوا سيارة “أودي” داكنة الحمرة دونَ لوحة ترخيص تقف في جانب الطريق، بداخلها أربعة رجال يراقبونهم. توجهت الأسرة صوبَ الغابة نحوَ صربيا. وَعند منعطفٍ في الطريق تلاشت. عندما لمحت أسرة أخرى تقوم بالأمر ذاته أدركت ما يحدث: كانوا جميعاً يسترشدون بجماعة سابقة من المهاجرين، أناس عرفوا شراك هذه الحدود مِمَّن يمكن دفع المال لهم لحمل المرء بأمانٍ عبرها. ما زالت شبكات التهريب القديمة قائمة، متأهبةً للظهور من جديد عندَ أي إشارةٍ بتشديد تفتيش الحدود، ليستغلوا المهاجرين باجتهادٍ شخصيٍّ مِمَّن لا يعرفون طريقهم جيداً.

*

لا يخوض كل المهرّبين في الطرق المتربة على حدود الأمم ليتكسّبوا. “نبيل” سويديّ عراقيّ موهبته الرئيسة  التسويق. باتت مهمته أشد صعوبة مؤخراً: من يحتاج مهرباً إذا كان بوسعهم إيجاد الطريق إلى أوروبا بأنفسهم؟ اتخذ قرارَ تقديم خدماته لعملاء حصريين، مَن يريديون توفير عناء الرحلة المرهقة عبر البلقان على أنفسهم وَأسرهم.

التقيته في بهو أحد الفنادق في بغداد، بعد إعلامه أني قد أحتاج خدماته. كان شعره مصبوغاً بأسود داكن وَمدهوناً بالجلّ. يرتدي قميصاً أزرق منقطاً بالأبيض، نظارة “رَي بانز” تتدلّى عندَ صدره. كان قد أعلم صديقاً لي قبلَ لقائنا أنه يلبس كالأوروبيين لإثارة إعجاب عملائه.

“إذن، أتريد إهانة نفسك بالسفر إلى أووربا على قدميك؟” سألني. “أَم” تعلو نبرة السمسار – “تفضل طريقة مضمونةً للحصول على جواز سويديّ في سنتين؟” مقابل “أربع حزم” فقط – الحزمة عشرة آلاف دولار – يمكنه التنسيق مع إحدى صديقاته في مالمو لتتزوجني. (“يجب أن ندفع لها حزمة مقدماً.”) سيقام زفاف في بغداد، مع صور. “ثم ما إن تحصل على التأشيرة، التي ستدبَّر عبر صلة في السفارة السويدية في دولة مجاورة، تدفع لنا حزمة أخرى ونصف. حالما تصل السويد ستستقرّ وَتستريح. ستمنحك الحكومة منزلاً وَمرتباً. فقط اجلس وانتظر  وسيسلمونك جوازك خلال سنة أو سنتين”.

“ماذا لو دفعت لك المال وَلم أحصل على الجواز؟” سألت.

“أضمن لك الجواز. فعلت الأمر ذاته مع الكثير من الناس”.

“ماذا لو دفعت المال لصديقتك وَلم تأتِ للزفاف؟”

“أنا ضامنك” أكَّد لي.

قال أن ثمة خيار آخر، يمكن تنسيقه عبر شبكة من مسؤولين فاسدين في إحدى السفارات الأوروبية في بغداد، الرهان الأرجح هو السفارتان الإيطالية وَالبولندية. “يمكننا أن ندبّر لك تأشيرة شنغن بهذه الطريقة لكن لا نضمن لكَ جوازاً بعدها.” ستكلّفني التأشيرة المزوّرة مبلغاً زهيداً من 18 ألف دولار فقط.

 

 

 

 

 

[1] نشرت المقالة بالإنجليزية في London Review of Books  بتاريخ 8 أوكتوبر 2015. رابط المقالة الأصليّة: http://www.lrb.co.uk/v37/n19/ghaith-abdul-ahad/some-tips-for-the-long-distance-traveller

[2]  صحفيّ عراقيّ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: