Uncategorized

أُغنيةُ الغداء | كرستُفر ريد*

2xreid

يتركُ رسالةً، صفراءَ لاصقة،

على السوادِ المَيْتِ

لشاشةِ حاسوبِه:

“ذاهبٌ للغداء. قَد أَستَغرِقُ وقتاً.”

لن يُبصِرَهُ زُملاؤه

لما تبقّى من الظهيرة.

يمكنُ لبهجةِ الغيابِ وَالهربِ الجسور

أن تغفوَ بالقبَّعةِ

فلن يلحظَها أحد.

يوصدُ البابَ على كلبِ

رحيلهِ النائم،

يعجلُ غير مسرعٍ جداً عبر البَهو،

ينقرُ زرَّ المصعدِ، وَينتظر.

لو التقى شخصاً واحِداً

في هذه البرهَةِ الرهيفَةِ

لَفسد المشروعُ كلّه،

لكنَّ الحظَّ بحوزته:

يتثائبُ المصعدُ بامتدادِ فراغِه،

يخطو بداخلهِ،

مُحتَوىً مُنزَلاً إلى ضوءِ شمسٍ

وَما يشبهُ هواءً نقيّاً لِلَندن.

بوثبةٍ واحدةٍ يغدو حُرّاً!

إنَّهُ حَيُّ أشباحٍ أدبيّةٍ

تمشي تحتَ ضوء النهار.

قشّرْ مخيّلتك وانظُر

فرجينيا وولف

تمشي خفافاً إلى المكتبة

بسلَّةٍ ملأى بالكُتُب.

بعدَ كل عشرين خطوةٍ

تسحبُ نفساً حادّاً من سيجارةٍ

وتمدُّ وجهاً مُعذَّباً

كما لو أنَّها لم تذُق في حياتها

شيئاً أشدَّ قَرَفا.

وها هو تِ. إس. إليوت

يهمُّ برشفِ كأسه المارتيني الأوَّل لهذا اليوم.

بعدستين وضّائتين وأناقةٍ صقيلةٍ

يعبرك كليموزينَ:

طرازٍ أميريكيٍّ قَويّ.

بلُومزْبَري ولوحاتها الزرقاء.

الساحاتُ والشرفات الجصيّة،

حيثُ لا زال الناشرون المجتهدونَ الصغار

يهوون إخفاءَ مكاتبهم.

أرضٌ أدبيَّةُ، وَرَقيّةٌ

قيَّضَ لها قضاءٌ ما

أن تقفَ وحيدةً

وسطَ حُفَرِ شوارع وَرافعاتٍ شاهقةٍ تدور.

في الخمسينَ، يُؤثِرُ خطوَ

الشابِّ العَجِل،

مناوِراً المُشاةَ المتسكّعينَ

أو الواقِفينَ في بَلَهٍ،

مُتجاسِراً على سيّاراتِ الاُجرَةِ وَالشاحنات.

لن تُتقِن العيشَ في لندنَ،

ما لم تراوغ، وَتتخذ سُبُلاً موجزَة.

لكنَّ المسافةَ عشرون دقيقةً

من عملهِ حتّى موعدِ غدائه

معَ غرامٍ قديم.

قطعانٌ من السيّاح

تهيمُ باستفزازٍ مفرَط؛

الطريقُ إلى ساحة بِدفورد مَسدودة:

حواجزُ بلاستيكية برتقاليّة –

أهَمُّ إسهامٍ لبلادنا

في الفنِّ التافه لتأثيثِ الشوارع !

لا ضيرَ، فهو يصنعُ وقتاً طيّباً –

لاحِظْ قَصديَّة الفِعل –

ويتوقَّعُ تأخّرها.

لذا سيأذنُ لنفسه

بالاستمتاعِ بانفلاته،

في فكرةِ كونهِ لا المحمولَ

بل الراكبَ لتيّارِ

السَيلِ البشريِّ وَدوَّاماته.

وقد يقفُ بينَ لحظةٍ وأخرى

ليسمحَ لآخر بالعبور،

إنَّ لُطفاً لا ينتظرُ الشُكر

أعظمُ لفتةٍ

تبدرُ عن متروبوليِّ أنيق.

المطعَمُ

وَكرٌ قديمٌ،

وَإن لم يرتَدْهُ سنينَ طوال؛

منذُ أن احتُلَّت صَنْعَةُ النَّشر،

ساحةُ المُتعنترين والقراصِنة،

بالبدلات الرسميّة والآلات الحاسبة.

وَعلى الظهيرةِ

فُرِض حظرُ تجوَّلٍ صارِم.

وداعاً لساعاتِ الغداء الطويلة

ومساعٍ مخمورةٍ أُخرى،

مرحى بالعهدِ الجديدِ

عهدِ الالتصاقِ بالمكتبِ،

ساعاتِ حبس صارمة،

وَبصر تعذّبهُ

شاشةٌ إلكترونيّة بليدة!

إلا أنَّ الرجُلَ يحتاجُ أحياناً

أن ينفضَ روحه،

أن ينثرَ ضميرَ حساب الوقتِ

في الريح،

يجرعَ بضعَ زجاجاتٍ –

وَيلعنَ العواقب.

إن لم يكُن حَقّاً،

فإنّها شعيرة[1]،

صادقت عليها سُلطَةٌ

وهميَّةٌ عُليا.

الغداء لعبةٌ شروطها قليلة،

وَغير مدوَّنة،

من المهمِّ أن تبقى ساحةَ اللعبِ

على حالها

كما يتذكَّرها بوله.

“زَنزوتي”: مطعمٌ إيطاليٌّ في “سوهو” لم يتغيَّر.

نبيذُ الكيانتي في السلَّة،

أصابعُ خبزٍ تقصمها أصابعُكَ

فتثير غباراً خفيفاً.

مفارشُ حمراء مخططة

مبسوطةٌ جانبياَّ

إلى جانب أخرى خضراءَ ورقيّة.

لطخات الأصابعِ

على عُنقِ دورق الماء.

و”مَسيمو” يحومُ حول الطاولاتِ

بنفسه

بأُلفته الزائفة.

إلا أن “سوهو” تغيَّرت برمتها،

أُجبِرَت محال الطعام المتخصصة

على الإغلاق،

طُرِدت الفطائرُ من الشوارع،

فيمَ حلَّ نوعٌ جديدٌ من التفاهة:

عابِر، لا لونَ له.

يقفُ مُفسِحاً لولدٍ هزيلٍ

يدفعُ حاويةً كبيرةً متقلقلة

متقيّحةً يأكلها الصدأ

ليركنها في زاويةِ الشارع،

وَيتسائل عما سيجِد.

*جزءٌ من قصيدةٍ طويلة

[1]  في هذا السطرِ وَسابقه تلاعبٌ بالجِناس اللفظيّ لمفردتي right  و rite

One thought on “أُغنيةُ الغداء | كرستُفر ريد*

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s