Uncategorized

لنتخيَّل المشهد

لنتخيّل المشهد..

نستعير عنوانَ سوزان عليوان، لا لنرسمَ واحداً من عوالمها الحُلُميَّة، بل لنقلبَ هذا المشهد الكافكويَّ الذي سيطر على الإعلام السعوديّ مؤخراً: مشهدَ التحرّش بفتاتين في جدَّة.

لم تكن ردود الفعل على هذا المشهد أقلَّ عبثيّةً من المشهد ذاته، فكثيرٌ من المستنكرين للفعل  – على استحياء- انجرُّوا لتأطيره ضمن إطار الفعل وَردّة الفعل. هكذا قُلِب المشهد ليصبح مظهرُ الفتاتين وَسلوكهما الشخصيّ فِعلاً صريحاً متعَمّداً وَمتجاوِزاً، في حينَ تم اختزال فعل التحرّش الجسديّ – بما فيه من حركةٍ ظاهرةٍ واختراقٍ للمساحة الشخصيّة – إلى مجردِ ردَّة فعل “غريزيّة” وَلا طوعيَّة. وَليس غريباً أن يكون المشهدُ مغرِقاً في الذكوريّة: فالرجُل في هذا المشهد كانَ المُصوِّرَ وَالمتفرِّجَ وَالهاتفَ والمُشجِّعَ والمُدين وَالمُعتدي. يبتدئ المشهد عند عين الرجل متلذذةً باختراقِ المرأةِ المؤقَّت للفضاءِ العامِ وينتهي عندَ يدِه الممتدّة لعقابها على ذلك. لا يُسمَح لاختراقها هذا أن يطوُل كثيراً لأنَّ استدامته تعني قَلباً لموازين القوى، وإذناً للمرأةِ بإعادةِ رسمِ الفضاء العام من الجديد، هذا الشباب الذي خرَجَ عن “أصول الذوق العام” بتشجيعه لهذا الخرق عن طريق الهُتاف والتصفيق، يحاولُ إعادةَ ترتيب المشهد من جديد وَيلحق العقاب بـ”المتسبب” الرئيس في إرباكه. تأتي تداعيات الموقف المُتأخِّرة -بعدَ إثارة الموضوع في تويتر – كتعزيزٍ لهذه الفِكرة، وَعقابٍ مضاعفٍ يؤيِّد استقرارَ المشهدَ الحاليّ وَيدينُ محاولات تبديله.

harassment-jeddah-girls-4-310x205

لكن لنقلب المشهد،

لنتخيّل أنَّ الراكبين على الدرَّاجة كانا شابين لا فتاتين، وأنَّ الجمهورَ المتحلّق حولهما كانَ من الفتيات هذه المرَّة، سيبدأ المشهد بالشابّينَ يكشفان عن ساقيهما ويشقّان رملَ الشاطئ وسطَ هتاف الفتيات، لكن إلى أينَ ينتهي؟ هل كانَ سينتهي إلى محاولةِ تحرُّشٍ جماعيّة؟ مثل هذا السيناريو الفنتازيّ مستبعدٌ تماماً إلا من مَشاهدِ “طاش ما طاش” الضحلة، ذلكَ أنَّ المشهد الأصلي – مشهد ركوب الفتى درَّاجة – عاديٌّ جِدَّاً وَمقبولٌ جِدّاً في الفضاءِ العام بحيث لا يُعد هتاف الفتيات من حوله استثارةً، بل “خِفَّةَ عقلٍ” من طرفهنَّ ربما. كما أنَّ إدانةَ ركوب الفتى للدرَّاجة مستبعدة أيضاً، بعكسِ إدانةِ ركوب الفتاة الذي يُصبحُ فعلاً مُتعمَّداً ومتواطئاً بأثرٍ رَجعي.

يبقى القولُ أنَّ الحُكمَ القضائيّ الذي سيصدُر لاحقاً قد يتواطأ مع هذه الرؤية وقد لا يفعل، ذلكَ أنَّ طرحَ موضوع التحرُّش على الطاولةِ الآن يعني أنَّ الحِوارَ قد بدأ للتوِّ وَلم ينتهِ بعد، وأن ثمة أكثر من طرفٍ يتنازعُ رسم المشهد القادِم.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s