Le pharmakon de Platon · ترجمات

تيري اﻳﮕلتن مُراجِعاً كِتابَيّ سلاﭬوي جيجك “بلبلة في الفردوس” و”ارتدادٌ مطلق”

eaglton slavoj

يُروى عن جان بول سارتر أنَّ وجههُ ابْيَضَّ حماسةً حينَ أتاهُ زميلٌ من ألمانيا مُسرعِاً، مُخبِراً إياه أن بوسعِ المرء صناعةَ الفلسفة من مطفئة السجائر. في هذين الكتابين الجديدين، يُفلسِفُ سلاﭬوي جيجك بالروحِ ذاتها مسائلَ الجنسِ، والقَسَم، والقهوةِ منزوعةِ الكافيين، ومصاصي الدماء، وهنري كسنجر، وفيلم “صوت الموسيقى”، والإخوان المسلمين، ونسبة الانتحار في كوريا الجنوبية، ومسائلَ أَكثَر. إن بَدَت بلبلته الفكريّة لا متناهية، فذاكَ لإصابته بآفةٍ نادرةٍ تُدعى الاهتمامَ بكُلِّ شئ. يميلُ الفلاسفة في بريطانيا إلى الانقسام ما بينَ أكاديميينَ يكتبونَ لبعضهم البعض وَوسطاء لمعنى الحياةِ يشيعون أفكارهم بين العامّة. جزءٌ من سِرِّ جيجِك أنّهُ يجمع الاثنين في آن: علّامةٌ جهبذ لا يُشَق له غبار، مُتَمَكّنٌ من كانط وهيدغر، كما يملكُ حماسةً شَرِهةً لليوميّ. جيجِك يشعرُ بالألفة ذاتها تجاه هيدﮔر وهتشكوك، السقوط من عَدن وسقوطَ مبارك. إذا كانَ عالِماً ﺑﭭاﮔنر وشونبرﮒ، فهو كذلك مُستهلِكٌ طَمِعٌ لأفلام مصاصي الدماء والأدب البوليسي. وقد تعَلَّم الكثير من قرّائهِ فهمَ فرويد أو نيتشه من خلال النظر إليهم عبر عدسة فيلم “الفك المُفترس Jaws” أو “ماري ﭘوﭘنز”.

يمكنُ للفلاسفة الأكاديميين أن يتسموا بالغموض، في حين يسعى الشعبيون منهم إلى الوضوح. مدفوعاً برغبته في تفكيك الأضداد، يجمعُ جيجك هنا بين الطريقتين. إن بدت أفكاره عسرَة الهضم، فإنَّ أسلوبه أنموذجٌ في البيان. يملأُ كتابَ “ارتدادٌ مطلق” مسائلُ تستعصي على الحل، لكنَّ كتاب “بلبلة في الفردوس” يُخبِر عن الوضع السياسيّ في مصر والصين وكوريا وأوكرانيا والعالمِ عامَّةً في سردٍ رشيقٍ مُحكَم لا بُدَّ أن تفخر أي صحيفة بنشره. دونَ أن يعني أن عديداً من الصحف ستقوم بذلك، باعتبارِ آراء جيجك السياسية المُستفِزّة. إنّه يرى العالمَ مقسوماً بين الرأسمالية الليبرالية والأصولية – بعبارةٍ أخرى، بين من لا يكاد يؤمن بشئ ومن يؤمن بإفراط. إلا إنه عوضاً عن أن ينحاز لأحد الموقفين، يؤكّدُ على التواطئ السرّي بين المعسكرين. الأصوليّةُ هي العقيدة البشعة لمن يشعرون بالمذلة والهوان أمام غربٍ ركبَهم ضدَّ مصالحهم. يقول جيجك في “بلبلة في الفردوس”، بأنَّ أحد دروس الثورة المصريّة أنه إذا ما واصلت القوى الليبرالية المعتدلة تجاهل اليسار المتطرّف، “فسيولّدون موجةً أصوليّة لا تُقهر”. ليسَ إسقاط الطغاة الذي يهلل له الليبراليون الجيدون إلا مُقَدِّمةً لعمل تحوّلٍ اجتماعيِّ جذريّ شاق، من دونه تعودُ الأصولية إلى الظهور. في عالمٍ يرزخ كلّه تحت سلطةِ رأس المال، وحدها السياسة المُتطرّفة بوسعها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإرث الليبرالي. لا عجبَ إذن ألا يحظى جيجك بمحبّة القناة الرابعة وول ستريت على حدٍّ سواء.

على كلٍّ، ليست حرية السوق والأصولية الدينية خطّين لا يتقاطعان. ففي الأمم الآسيويّة تمَّ تجنيد القيم “الروحيّة” لغاياتٍ رأسمالية. إنَّ المعارضَة التبسيطيّة بين التسامح الليبراليّ والقمع الأصوليّ تحتاج إلى مُراجعة. يشير جيجك إلى أنَّ تصاعد الفاشية الإسلامية مضى يداً بيد مع تلاشي اليسار العلماني في البلاد الإسلامية، تلاشياً ساهمَ الغرب كثيراً في دعمه. من يتذكّر الآن أن أفغانستان كانت قبل أربعين عاماً بلداً علمانياً قوياً مع حزبٍ شيوعي مُتنفّذ يمسك زمام السلطة مستقلاً عن الاتحاد السوفييتي؟ كتبَ ولتر بنجامين أن في كلِّ ظهورٍ للفاشية شهادةً على ثورةٍ مجهضة. في العالم الإسلامي لعبَ الغرب دوراً بارزاً في سحق هذه الحركات، محدِثاً فراغاً سياسياً تمكّنت الأصولية من شغله. لا يمكن للغرب الآن ادعاء البراءة من ماضيه الوحشي في وجه الرَدّ الإسلامي الذي ساهمَ في إطلاقه. يقترح جيجك على أولئك المترددين حيال نقدِ الديمقراطية الليبرالية، أن يلتزموا بالصمت إذن حيال الأصولية.

صاخبٌ، مجنونٌ قليلاً، ويستحيلُ إسكاته تقريباً. جيجك رجلٌ ينهض من منامه متكلّماً في التحليل النفسي ويعودُ إليه صادحاً برأيه حول الصهيونية. وبوصفهِ ناشطاً مثقفاً محموماً، تجده في ستة أماكن حولَ الأرضِ في آن. قد يبدأ يومه بزيارة جوليان أسانج في السفارة الإكوادورية وينتهي بكتابته رسائلَ دعمٍ لإحدى سجيناتِ فرقة Pussy Riot الاستعراضية. وفيما بينهما، يمضي وقته معلناً العداء ضدّ شريحةٍ كبرى من سكان العالم. إذا ما كان سوطاً على الرأسمالية الجديدة، فقد أقسم أيضاً على معاداة التعددية الليبرالية والتصحيح السياسي. في حادثةٍ يرويها جيجك عن حضورهِ ندوةً تنويريّةً أمريكية لا شية فيها، افتتح الرئيس بسؤال الحضور أن يعرّفوا بأسمائهم وميولهم الجنسية. قمعَ جيجك رغبةَ أن يعلن بينهم أنه يستمتعُ بمضاجعة الصبيان وشرب دمهم. كما يُعلِّق أن الحاضرين كانوا سيصبحون أقلّ صراحةً لو سئلوا عن رواتبهم.

قد يعودُ الأمر كلّه لكونه من سلوﭬانيا. علاقة الأمم الصغيرة بالأمم القويّة تميل لأن تكونَ مضطربة، كما يمكن لكل من عرفَ الإيرلنديين أن يشهد. ثمّة نفحة من أوسكار وايلد الدبلنيّ في جيجك، الرجل الذي لم يحتمل سماعَ عاطفةٍ انجليزيّةٍ وَرِعةٍ دونَ الشعور برغبةٍ نزّاعةٍ لعكسِ مصطلحاتها، تمزيقها، أوقلبها رأساً على عقب. لا يملك جيجك، المُتسمُ بمَظهرٍ جَهِمٍ لقاتلٍ مأجورٍ في مأساةٍ يعقوبيّة [1]، تأنّقَ وايلد وكياسته. كما يفتقر إلى دَمغته الفَكِهة المميزة. إن جيجك مضحكٌ لكنّهُ ليسَ لمّاحاً. قد يلقي بعض نكاتٍ ممتازةٍ ولهُ حِسٌّ عبثي حذِق، لكن يستحيل استخراج كتابٍ من الحِكَمٍ epigrams مِن كتاباته، بالطريقة ذاتها التي يمكن للمرء أن يستخرجها من وايلد. إلا أن الرجُلين تقويضيّان وفاضحان للزيفِ بالفطرة، ينفران من النبرة الأخلاقية العاليّة والمَرَح النقيَّ الحَسَن. ليسَ من المُفاجئ أن يكون جيجك داعيةً محترفاً للنكتةِ اليهوديّة السوداء، كأنّه وودي آلن ليوبليانيّ [2]. إلا أن حِرصه على أن يمسخ ويستصغر أبعد ما يكون عن التهكميّة الكلبيّة cynicism. من اللافت أنّه يجمع الرؤية المأساوية لفرويد بالإيمان الماركسيّ بالمستقبل.

كبقية أعماله، فإن هذين الكتابين مابعدحداثيين في الشكل، ومضادّين لما بعد الحداثة في المحتوى. يمتلك جيجك انتقائيّة ما بعد الحداثي، إلى جانبِ مزجها بين الأجناس العُليا والدنيا. كتبه أعمالٌ محنيّة الظهر تثبُ باضطرابٍ من موضوعٍ لآخر. كتابه “ارتداد مطلق”، الذي يترنّح من أفكارٍ عن الهستيريا والفن والمعرفة المطلقة إلى أفكارٍ عن الله والموت والهبوط من الجنة، يتّخذ بعظمةٍ عنواناً فرعيّاً “تجاه تأصيلٍ جديدٍ للماديّة الجدليّة”، إلا أنَّ العنوان خديعةٌ سافرة. لا يضم الكتاب أكثر من حفنة إشاراتٍ إلى المادية الجدليّة بين صفحاته الأربعمائة. نادراً ما تتحدث كتب جيجك عن الأمور التي تقول أنها تتمحور حولها، ذلك أنه لا يقاوم الحديث في 50 موضوعاً في الوقت ذاته. وهو ما بعد حداثيٍّ أيضاً في تشكيكه بالأصالة originality. الكثير مما يقولُ قد قِيل مسبقاً، لا من قِبل آخرين، بل من قِبَله هو. إنّه واحدٌ من أعظم المُنتحلين لِذاتهم self-plagiarisers في زماننا، بمداومته على السرقةِ من أعماله المنشورة. تظهرُ أجزاءٌ بتمامها من “ارتداد مطلق” مرةً أخرى في “بلبلة في الفردوس”، كما تتكرر أجزاءٌ بتمامها من “بلبلة في الفردوس” في الكتاب ذاته.إنه يلقي النكات ذاتها، ويعيد تدوير ذات البصائر وسرد ذات القصص عشرات المرات.

أحد الجوانب المابعدحداثيّة الأخرى في عمله هو الدمج بين الوهم والواقع. بالنسبةِ لجاك لاكان، مُعَلِّمِ جيجك، لا أحدّ أشد انخداعاً من التهكّمي الذي يدّعي أنهُ جرَّب الأمورَ كلها، متجاهلاً الادعاء الفرويديَّ بأن الوَهم (أو الخيالَ) مجدولٌ مع الواقع ذاته. الأمر ذاته ينطبق على كتابة جيجك. أَ كُتبه جَدَلٌ خالصٌ أم استعراضٌ عَلَني؟ ما مبلغ الصدقِ في نيّته؟ إن كانَ حَذِقاً بشكلٍ يخطف الأنفاس، فإنّه يمكن أن يصبح مستهتراً بإفراط. أيعقل أن يكون جادّاً بقوله في “بلبلة في الفردوس” أن “أسوأ ما في الستالينيّة أفضل من أفضل ما في دولة الرفاه الليبرو-رأسمالية”، أم أن غايته افتضاح الضواحي لا غير؟ هل يعتقد حقاً أن سوءَ السلوك الجنسيّ المُتهَم بهِ أسانج “هامشيّ” ؟ أو خذ مثالاً جدله المتكرر حولَ إمكانيّة التغيير الجذريّة للمسيحية، والذي أعاده في “ارتداد مطلق”، رغم كونه يعدّ نفسه ملحداً. لا يتمحور الإشكال حولَ كون المرء مسيحياً [مؤمِناً] في الظاهرِ وغيرَ مؤمنٍ في الواقع. بل يمكن القول أنه يؤمن بالمسيحية ويجحدها في الوقت ذاته. أو ماذا إن كان يظن نفسه ملحداً وهو ليس كذلك؟ ماذا لو أن الربَّ – الذي لا يؤمن به – يعلم بإيمانه؟

إن جيجك نفسه خليطٌ عجيبٌ من الوهم والواقع. في “بلبلة في الفردوس”، يتحدَّثُ عن هاملت كمُهرِّج، وعن نفسه كمثقفٍ وبهلول. إن بهاليل شكسبير واعون بعدم واقعيّتهم، وكذلك جيجك فإنه يعي لا واقعيته أيضاً. بالنسبة لهذا الرجل الذي يبدو أن صفةَ “زاهي الألوان” اختُرِعت لأجله فقط، فهو شيخُ طريقةٍ يسخرُ من مقامِ طريقته، رجلٌ يتملكه إصرار قاتلٌ في حين يبدع في المحاكاة الساخرة لذاته. ثمة شئٌ خياليّ، أكبر من الحياة، في عَدْوه الدائم حول العالم وطرائفه المشتعلة، كما لو كان شخصيّةً من روايات “دﻳﭭد لودج” ضلّت طريقها. شهيته الشرِهة للأفكار مثيرة للإعجاب، لكنها مثيرة لبعض قلقٍ أيضاً. لن يتفاجأ المرء لو سمِع أن جيجك إنّما صُمم من قبل لجنةٍ لاختبار ذائقة المستهلك على مجموعاتٍ طلابيّةٍ بحثية.

بالرغم عن ذلك، عند الحديث عن المحتوى، لا شئ أبعد عن التعددية ما بعد الحداثية من سياسة جيجك الثوريّة غير المداهنة. إنّها لإشارة غريبةُ عن هذا الزمان أن يكون أكثر المثقفين شعبيةً شيوعياً مُتفانياً. الدرسُ المستخلص من “بلبلة في الفردوس”، بعنوانه الفرعيّ “من نهاية التاريخ إلى نهاية الرأسمالية”، بسيط: “إن عصراً مظلماً جديداً يوشك على الحدوث، حيث تتفجّر العواطف الدينية والعرقية، وتتراجع قيم التنوير”. يشتهر أسلوب جيجك برفضه الصلدِ أن تستحكم به العاطفة، وهي سمةٌ ما بعدَ حداثية أخرى. إلا أنه يصعب حتى عليه أن يكبح اشمئزازه من تخيّل المصرفيين اللصوص يتلقّون دعماً مالياً من ضحاياهم المفلسين. كما يتسائل برتولد برخت: “ما قيمة سرقة بنكٍ أمام إنشاء واحد؟”.

إنّ “بلبلة في الفردوس”، بالتقاطاته التي لا تخطئ للنفاق السياسيّ، كتابٌ ينتفع الجميع من قرائته، وليسَ أقلَّهم سادة الكون. أما “ارتداد مطلق”، بتأملاته المعقّدة حول الماديّة والجدليات، فقد يجدُ مقبوليّةً أقل. ففيه القليل عن النفاق والكثير عن كانط. رغم ذلك، ما زال يضمّ بين دفتيه بعضَ الأفكار الساحرة عن الكبالا، روايات الرقّ، الجاسوسيّة، الموسيقى الحُرَّة، والرب كمجرمٍ أعلى. لا ريبَ أن الفرصة ستتكرر لقراءةِ بعضٍ من هذا في كتبه القادمة.

[1] نسبةً لعصر ملك انجلترا جيمس الأول (1567-1625)

[2] نسبةً لمدينة ليوبليانا عاصمة سلوﭬنيا

* نُشرت المراجعة في صحيفة الغارديان بتاريخ 12 نوفمبر 2014

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s