صيدليّة فوكو

ثلاث وقفَات مع النضال النَسَوي للمثقف السعودي

Image

في مقالها المعنوَن بـ”النسوية السعودية والإصلاح السياسي“، وجهت إيمان القويفلي نقداً للحركات النسوية في السعودية التي قبلت المساومة على الحقوق السياسية مقابلَ الدخول في بلاط السلطة الأبوية. تمثّلَ هذا في استبشار النسويات بقرار تعيين النساء في مجلس شورىً غير منتخب ولا يملك أي صلاحيات تشريعية أو تنفيذية. وكانت القويفلي على حق، فأشهر النسويات السعوديات من الجيل الجديد، منال الشريف، أكّدت مراراً حين خرجت في مظاهرتها الشهيرة، أنها لا تعني بها تحدّي السلطة ولا التظاهر ضدها، بل هي تعمل من داخل نظام يضمن لها حقها في القيادة، أو أقلاً لا يصرّح بحرمانها من هذا الحق.

لكن يبدو أن هذا الانفصام بين النسويات السعوديات ومطالبات الإصلاح ليست من طرفٍ واحدٍ، بل اثنين. ففي حين لا تقف الكثير من النسويات لمراجعة موقفهن من الإصلاح، ينأى المثقف السعودي أيضاً بنفسه عن مراجعة النظرية النسوية. وحين أقولُ “ينأى” فإني أشدد على القصدية في هذا الفعل: إذ يتجنب المثقف السعودي ما يمكن أن يصمه – والعياذ بالله – بالتعاطف مع النسوية وانحيازها اللاعقلاني إلى حقوق جنسٍ واحدٍ دونَ غيره من دوابّ الأرض. إن أبعد محاولات المثقف السعودي في التنظير للنسوية لا تتعدى التقعيد لمزاجه الشخصي حول الجمال والمرأة، أو الترويج لفكرة تقليدية في قالبٍ متجاوز للعرف لا غير. لي هنا وقفة مع ثلاثة من الجيل الجديد من المثقفين السعوديين، وهي وقفات لا تقدّم مسحاً شاملاً للساحة الثقافية، لكنها تنتخب منها ثلةً من الفاعلين نتيّاً وإعلامياً باعتبارهم فئةً مؤثرةً في تكوين رأي الشارع.

أولاً: سعيد الوهابي وعقل المرأة

الوهابي صحفيٌّ ومدوّن شاب، كتبَ سابقاً تدوينات جيدة على غرار “صديقنا الملك، هل تسمعنا” وَ “من هو المواطن السعودي المعاصر؟”. لكنّ تدويناته الجيدة لم تنل من الشهرة ما ناله مقاله المثير في عكاظ اليوم “لماذا بعض النساء السعوديات غبيات وقبيحات؟”

، والذي تمّت “هشتقته” في تويتر لسويعاتٍ قلائل – وكل مستخدم لتويتر يعرف ماذا يعني أن تكون فريسة المُتَوْتِرين المُتَوَتّرين الجديدة – . في النصف الأول من مقاله يُقدّم الوهابي ما يشبه تفسيراً لكون المرأة السعودية قبيحة، وهو ليسَ تفسيراً بقدر ما هو مجموعة اعتباطية من الأمثلة لجمال العرق الأبيض وافتتان العالم به. أما النصف الثاني في مقاله فيتسائل لماذا هي غبية؟ بالطبع لا يتوقع الوهابي أن نسأله ما هو الغباء تحديداً قبلَ أن يعرّفه لنا بعدم معرفة سعر الدجاجة المشوية والفرق بين الخروف النعيمي والنجدي. وللأمانة يقدّم لنا الوهابي هنا ما هو أقرب للتفسير حين يقول إن المرأة لا تخرج إلى المجتمع ما جعلَ عوالمها محدودة الأفق.

المقال نال ما نال من الشهرة بسبب نيله من السعوديّات وبشكلٍ مباشرٍ وفجٍّ بدءاً من عنوانه. المسألة خيانة وطنية قبل أي شئ آخر. هذا عميلٌ من الداخل وطابورٌ خامس يريد أن يفتننا عن آلهتنا. هذا لا يعني أن أياً من “تصريحاته” في المقال تتسم بأدنى قدرٍ من الموضوعية. وهي ليست المرة الأولى التي يقدم فيها الوهابي رؤيةً كارثية حول المرأة. في مقالٍ آخر أقل شهرة يحدّثنا الوهابي عن غدةٍ في عقل المرأة نسيَ اسمها في اللحظةِ الإلهامية التي كتب فيها المقال (لم يكن يملك وقتاً لمراجعة موقع هذه الغدة واسمها لأنه كان يكتب المقال في جواله في شارعٍ مزدحمٍ بالجميلات  وغيرهنّ – هذه عبارته حرفياً-)، يحدثنا أن هذه الغدة الوهّابية تسيطر على عقل المرأة عندما تسمع كلمات إطراءٍ حلوة.

لست بصدد نقد المقاليَن الكارثيين على أكثر من صعيد، لكني أود الإشارة إلى حالة الكسل التي تنتاب المثقف السعودي حين يصير الحديث متعلقاً بالمرأة. في مقاله “صديقنا الملك” يقدّم الوهابي قائمةً بأسماءِ الوزراء وأعمارهم مقارنةً بمتوسط عمر الشعب، أما في الحديث عن سيكولوجية المرأة وفسيولوجيتها، يصبحُ الأمر مطروحاً للتخمين وضرب الوَدع. يتسائلُ الوهابي كيف لامرأةٍ جامعية أن تستشير مشعوذاً، في حين يحدّثنا عزيزنا الصحفي القاصّ المدوّن الجامعي عن غدةٍ أكبر وغدة أصغر! لا ينشغل المثقف السعودي بالبحث والتمحيص حين يقرر الانشغال بموضوع المرأة، بل يكفي لديه أن يسبغ عليها من اهتمامه ووقته بحيث يمنحها مساحةً في عموده الصحفي. الرجل السعودي هو الرائي أولاً وأخيراً، هو هدف الرؤية وهو الذي يمنح الموضوعَ المرئي/المرأة مضموناً ومعنى. لا يحتاج مثقفنا إلى الإطلاع على كم الأعمال النسوية المكتوبة فهي – في النهاية – لا تعدو كونها آراء متزمتة تسلب الرجل حريته في إطلاق العنان لخياله الرومانسي وتسميته علماً. كما أن الكتابة الصحفيةَ لدينا سهبٌ واسع المدى لا حدودَ له، بحيث يتسع لنشرِ هذا الهراء برحابة صدر.

ثانياً: أحمد العلي وفستانُ پِنك

أحمد العلي شاعرٌ شابٌ ومترجمٌ صدرت له العديد من الأعمال مؤخراً، منها عمله الشعري “يجلس عارياً أمام سكايب” وكتابه “نمو المفاهيم” (أعماله متوفرة للتحميل من مدونته الخاصة في لفتةٍ جميلةٍ منه). الغالب على مدونته أعماله الخاصة من شعرٍ وترجمات ورحلات، إلى جانب بضع مواضيع منها تدوينة حول الوضع السياسي في الشرقية، لا سيما ما يختص بشيعة الأحساء.

في تدوينةٍ شاعريةٍ عن متحف الجنس في نيويورك، يستهل العليّ حديثه بـ:

“رُمّانُ الله في صدورهن.. تلك الحبّات عندما تَنهَدُ يدورُ حولها الكوكب. يسرنَ بلا رويّة في مانهاتن، رُمّان الله يهتز ولا يسقط إلا في بركة النظرة الصافية.. لو وضعتُ يديّ عليها ستتغير ملابسي كلها، سيقف شعري و أخف، أصيرُ عازف دي-جي مجنون و ينقلبُ الرصيف ساحة رقص. “

لا يتضح في الجملة الأولى إلى من تحيلُ نون النسوة. بعدَ بضع كلماتٍ تعرفُ أنهن نساء نساء مانهاتن النواهد. كلهن؟! لا أدري. لم أزر مانهاتن سابقاً. يستطرد العليّ في خياله الشعري مروراً بوقوفِ مارلين مونرو أمام كاميرا بلاي بوي وانتهاءً بلقطتها الشهيرة بالفستان الأبيض.

لكنّ وقفتي مع العليّ تتعلق لا بتدويناته، بل بتغريدةٍ صادفَ أن مررتُ بها ليلة الاحتفال بجوائز الأوسكار هذا العام. حينَ ظهرت پِنك بفستانٍ أحمر على خشبة المسرح لتُغنّي Over the Rainbow، كتب العلي في حسابه في تويتر: “الفستان يا بينك=درجة الأحمر من الله… بس انتي داخله كنّك بيّاعة شورما.. الأحمر للشعر الطويل و التقاطيع الكلاسيكيه، فك أوف”.

حين سائلتُ حكمه هذا كان دفاعه رمياً بتهمة النسوية. النسوية! يا للعار والشنار! هذا أسوأ ما يُمكن أن تنعتَ به المرأة  – والرجل – في السعودية. بالطبع، يحق لك أن تصيّر ملبسَ الآخرين – النساء طبعاً- شأنكَ الخاص وانتهاكاً للحرم القدسي لمجالك البصريّ (أين تنتهي حدوده بالضبط؟) ، أليست هذه حرية التعبير بالضبط! حرية أن يطلق المثقف السعودي لنظرته الذكورية العنان لتقرر ما على المرأة أن تلبس لترضيه، بل أنكى من هذا، أن ينتخب الفساتين للنساء كخبير أزياءٍ في What Not to Wear . هكذا ينقلبُ مثقفنا العزيز من هموم المفاهيم إلى فاشن بوليس في توك شو. ليس من المعيب أن يكون للمرء نظرة حول الأزياء. لعل پِنك نفسها سألت شخصاً بالقرب – والذي صادف ألا يكون مثقفنا السعودي – : “كيف أبدو في هذا الفستان؟”، لكن أن نمنح الفانتازيا الخاصة في رؤسنا هذه الحمية الأخلاقية ليس إلا شكلاً ما بعدَ حداثيٍ تقويضياً فينمومينولوجياً للوصايةِ على المرأة.

ثالثاً: مظاهر اللاجامي – وآخرين – وبطن المرأة

اللاجامي روائي سعودي صدر له عملان “الدكة” و”بين علامتي تنصيص”، إلى جانب مقالات منشورة له في صحيفة العرب والحوار المتمدّن. مواضيعه تتنوّع بين الأدبي والسياسي، إلى الفلسفي المشغول بأسئلة الدين والهوية. في “ستاتس فيسبوكيّ” حديثٍ له كتب:

” أشد اللحظات التي أشعر فيها بالغثيان والقرف وقبح الوجود هي تلك اللحظة التي ألمح فيها جسد امرأة حبلى…”

Image

الفيسبوك بالطبع مساحة شخصية – أو هكذا يدّعي أصحاب الشبكة – ، لكنّي سأخمن الآن أن اللاجامي لم يترك نقاطه الثلاث في آخر العبارة، إلا وهو يتوقع استطراداً لها. لا من جهته، بل من جهة كم التعليقات التي ستنهال عليه (أو معه) بسبب العبارة المستفزة. لذلك أذكر في العنوان “آخرين”. آخرين دخلوا بوابة التعليق فزادوا الطين بلة. المثقف هنا لا يأتي بجديد، إنه يمارس حقه الذكوري الطبيعي في أن يمنح فانتازياه الخاصة هذه اللغة التقريرية التي تحكم بكمال جسد المرأة ونقصانه، الجزء الوحيد الذي خالف فيه اللاجامي العرف هو أنه انتهك حرمة الأمومة بعبارته. الأمومة لا المرأة. هذه الرغبة الحيوانية الطبيعية في التكاثر على الأرض. هنا ثار الجدل حتى بلغ سيل التعليقات ثمانيناً ونيف. ثمةَ من يجد شكل المرأة الحبلى جميلة لأنه يرى في الأمومة فكرة جميلة، وثمة من يستقبحها لأنه يراها شذوذاً على الطبيعة. هلموا يا سادة واحداً واحداً. أخبرونا أيضاً أي جزء في المرأة يعد شذوذاً وأيها يعدَ تناغماً.

حين يكون الحديث عن الرجل لا تمم مقارنته بالطبيعة. فالرجل – كما ترون – وليد الحضارة، هذا العالَم المتمدّن، إنه واحدٌ من مخرجاته، والترهلات التي ترونها في جسده هي حصيلة تراكم الدهون المشبعة في أجزاء مختلفة من جسمه بسبب تكوينه البدني وتقدمه في العمر الذي يجعل مسألة حرق هذه الدهون صعباً. (لا بد من لغةٍ علميةٍ هنا لنعقلن الفكرة). أما ترهلات المرأة فهي شذوذ عن الطبيعة، انتهاك لجمال هذا العالم، بل في أحسن أحوالها هي من جماليات القبح – في ابتكارٍ لاجاميٍّ عظيم. أما حبلها وانتفاخ بدنها – لا سمح له – فليسَ إلا اختلالاً في قدرتها على التناغم مع هذا الكون (لا بد من لغة رومانسية هنا). المرأة – كما ترون أيها السيدات والسادة – جزء من الطبيعة. هي أشبه بشجرة. شجرة رمان ربما باستعارة تعبير العليّ. أنت لا ترى شجرة الرمان تنتفخ حين تحبل بثمارها، بل هي تحمر وتصفرّ وتخضرّ. وهذا ما ينبغي على المرأة فعله بالضبط. أن تغير لونَ شعرها فقط، أما جذعها فمعاذَ الله أن ينتابه أي تغيير.

الحديث لا ينتهي هنا، فاللاجامي في تعليقٍ آخر – وبإشارة عنصرية فجة – يقول أنه يحترم الحبلى كما يحترم السوداء، كإنسان، لكنه لا يراها جميلة. كيف يحترمها كإنسان؟ لنقل -تخميناً منا – أنه لا يركلها ككلب ولا يأكلها كبقرة. اللاجامي الذي كان واضحاً في مساءلته للسلطة الكهنوتية وإمساكها برقاب الناس، لم يجد حاجةً لمساءلة فكرته عن الجمال والقبح، لأن هذه مفاهيم لا سلطة له على تغييرها في نظره. إنها نابعة من انطباعٍ فطريٍ طبيعيٍ نقيٍّ نحوَ القبح والجمال في هذا العالم. من أنت لتسائل حكم الفطرة ؟!

الأمر عند اللاجامي لا علاقة له بسنواتٍ طوال من إغراقنا في إعلامٍ رخيص يقرر مقومّات الجمال ومسلّماته. لا علاقة له بمحاولة ترويج فكرة واحدة للجمال دون غيرها. رغم أن هذه الفكرة عرضة للتبديل والتغيير بالطبع لتسيير العجلة الاستهلاكية لقائمة لا تنتهي من الفاشن مروراً بالمكياج وحتى عمليات التجميل. الأمر بمنتهى السهولة حتى يصبح من العادي جداً الإشارة لجسد المرأة بالسلعة، حين يقول أحد المعلقين على الستاتس “لولا الأسواق لبارت السلع” و”لكل ساقط لاقط”. نعم. هذا هو شكل الحديث الافتراضي عن المرأة.

***

يريد المثقف السعودي أن يكون – ويؤمن – مرآةَ المرأة. إنه عينها الداخلية، نظرتها إلى نفسها وقيمتها الخاصة. هذا المثقف لا يرغب بمراجعة نظرياته حول المرأة بل يتركها عرضةً لاستيهاماته وصوره الشعرية الخاصة، لأنها – خلافاً لمواضيع الدين والسياسة – لا يمكن أن ينتفع بها خارج هذا الإطار. أن يتخلى عن رسم الحد الفاصل بين الفانتازيا والتنظير يعني أن يخلع عمامة السلطان عن رأسه. ليس الآن. ليس وهو يستمتع بامتيازات السلطة الممنوحة له من قلب السلطة التي يقاومها. إنه لا يتخيل بأي شكلٍ من الأشكال أن نظرته للجسد قد شكّلتها سنوات من البحلقة في التلفاز أو تقليب المجلات – التي يلوم النسوة لاقتناءها وهو يحتفظ بها في أدراج سرية – ، بل يسبغ على نظرته هذه القيمة الأخلاقية المطلقة التي تمنحه – دون خجلٍ أو مواربة – جرأة التصريح به في عمودٍ صحفي أو تغريدةٍ أو حالة فيسبوكية. والأمر لا علاقة له بأي شكلٍ من الأشكال بأن تكون ليبرالياً أو محافظاً، أو “غير منحاز”. هذا الجيل الذي وُلِد على خطابات تقرر للمرأة من تكون وكيف تكون، ما زال يكرر ذات الخطاب ويبرر له بكل شكلٍ ممكن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s