Ego sum qui sum · الحكاية

بالأمسِ أوقفني رجلٌ في السوبرماركت. كنتُ أراه يحدّقُ فيَّ من آخر ممرِّ الخضروات. خطرَ لي وأنا أقطعُ الممرَّ خلال ثانيتين أنه سيطرحُ عليَّ سؤالاً عن قيادة السيارة كما فعلَ رجلٌ في سوبرماركتٍ آخر،

 أو عن فيلم وجدة كالأشيَبِ ذي الكرش الكبير في عيادة الأسنان،

عن الحرب في لبنان كثالثٍ يتمشى على ضفة نهر ويلامِت،

عن تجربةٍ ثقافيةٍ في الأردن قبلَ عشرين سنة، كالمرأة التي ابتدرتني بطلبِ سيجارة في الداون تاون،

لكنَّ هذا الرجل مدَّ يدهُ مصافحاً وقال: شكراً لارتدائكِ الحجاب.

حسناً، اعتدتُ اعتباط الأسئلة المطروحة علي، والتي أجيبها غالباً بهز كتفي. لكني لم أعرف كيف أردُّ على هذا “الاطراء”. ولم يكن لديَّ من الوقت ما يكفي لأعرفَ ما إذا كان اطراءً حقيقياً أم سخريةً مبطنة. رغم أنه بدا صادقاً، إلا أني بطبعي السئ لم أتمكن من إخفاء نظرتي التشكيكية وقلتُ بنبرةٍ لا تخفي هزءها: على الرحب.

لم أقصد أن أكونَ سيئة، وأعلم أن هذا الرجل لم يقصد الإساءة. فهو – إن كان صادقاً- لم يرِد إلا تقديمَ دعمه. لكن دعمه لماذا بالضبط؟ في رأيي أن أفضلَ طريقةٍ للدعم هي عدم الالتفات تماماً. كالأب الذي أجابَ طفلَه حين سأله: ماذا ترتدي هذه المرأة؟ بـ “إنها ترتدي قبعة” .

ما يضايقني هو أن يُنظَر لحجابي كما لو كان وثيقةً سياسيةً أو دينيةً أو اجتماعيةً متحركة، تعبيراً عن احتجاجٍ ما، عن تحدٍ ما، عن خنوعٍ أو انفتاحٍ او بلا بلا بلا. إسقاطُ المعنى على الحجاب وكأنه قطعة ملابس لا تنتمي إلى “الكود” الملَبَسي في هذ الزمن. على العكس من الجينز. الواقع أن التيشيرت والجينز صارَ اعتيادياً جداً لدرجة أنا نزعنا عنه الدلالة، أو افترضنا أن الدلالة منزوعةٌ عنه. أنهُ لا يعكسُ أي حالةٍ ثقافية أوسياسيةٍ ما. بل ببساطة يختمك بتاريخٍ ما ليثبتَ “تحضّرك”. رغم أن الجينز حاضرٌ بقوة في وصفِ الأمم التي تتغير، تثور، بوصفها أممٌ مقبلة على الانفتاح، أممٌ تنتمي “لنا” وَ”لزمننا”. لا يخيفنا أبداً أن ندورَ بلادَ الأرض فنجد العالم كله يرتدي الجينز، لا لعيبٍ في زيه الأصلي، بل لُيثبِتَ تحضره.

 والجينز ليسَ خالياً من الدلالة. إنه كأيِّ زيٍّ آخر يقررُ ما يجبُ حجبه وما يجبُ ستره، إنه يحمل كود الملبس dress code الخاص به أيضاً. هنا يحضر “الحجاب” في ذهن الناظر بوصفه مخالفةً لهذا الكود. وهي مخالفةٌ ليست مقصودةً كأي زيٍّ آخر. إلا أن هذه الحرب الدائرة لأدلجة هذا الزي وتسييسه أكثر مما يجب، تسقطُ عليه حمولاتٍ ليست فيه، ومعانٍ مطلقةٍ لا يخطر نصفها على بال من تستيقظ كل يومٍ لتضعه فوق رأسها.

لم أرَ في حياتي أحداً يستوقف آخرَ ليشكره على ارتداء تنورةٍ أو قميصٍ أو ربطةَ عنق، أو لسؤاله عن المعنى الكامن في ما اختارَ ارتدائه هذا الصباح. المرةُ الوحيدة كانت لباستافيرينيٍّ وضعَ مشخالاً فوق رأسه في الـ DMV وحيّاهُ شابٌ صغير لارتدائه. لكنها قصة أخرى.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s