Femme fatale · Le pharmakon de Platon · الحكاية

عن الوجهِ المخبوءِ خلفَ الفَيسبوك

803d58d1aa0adae275829c180adb7cd4

كنتُ ألتقي بها مُصادَفةً في الحرم الجامعي، في مكتبِ اليمادا حيثُ تعمل هي وأطبع أوراقي غالباً، أوفي حفل عيدٍ ميلادٍ في الحديقة الخلفية لمنزل صديقةٍ مشتركة. كانت أحاديثنا مُقتَضَبَةً وعابرة: تثني بلباقتها الأمريكية على “البلوزة” أو على طفلتي الصغيرة، أطلب منها مساعدةً تقنية مع أجهزة الماك في المعمل. لو أني التقيتها قبل عشر سنوات لوجدت صعوبةً أكبر في تذكر اسمها، أو ملامح وجهها، ولما فكرت طويلاً أيَّ تحيةٍ ألقيها حين أراها. لكنها فجأةً، وبعدَ أن أطل وجهها علي كثيراً عبر “تاغات” الفيسبوك، أرسلت طَلَبَ صداقة.

أنا بطبعي حذرةٌ في توسيع علاقاتي الاجتماعية، ولعدّة سنوات، حافظتُ بمهارةٍ على عددٍ محدودٍ من الأصدقاء. لا أكره الناس، لكنيي لا أُحسن مهارات العلاقات العامة التي تتطلبها تلك المساحة الرمادية المحصورة بين دائرة المقرّبين إلى قلبك ودائرة الغرباء تماماً. كما لا أؤمن أن أحداً يمكن أن يتخذ هذا العدد الهائل من الناس أصدقاءً له دونَ أن يخسر شيئاً من ذاته أو يزيّف صورته. من يمكنه أن يشبع هذا الطيف الهائل من الأذواق إلا سياسيٌّ ماكر ؟!

المهم، أتعاملُ مع طلبات الصداقة في الفيسبوك كما أتعامل معَ فتحِ قناةٍ محتملة للتواصل. الأمر لا يلزمني بقبول دعوتك إلى سهرة الويكند أو إرسال هدية في عيد ميلادك، ولا حتى الكتابة على “جدارك” للمعايدة. الخيارُ آمنٌ ومُطّمئنٌ إلى هذا الحد.

لكني أتصفح الفيسبوك أكثر من عشر مراتٍ يومياً، وأتلقى أخبارك بشكل مستمر، أعرف أين كنت في الويكند، أعرف اسم حبيبك، أنك تفضل/ـين الهررة على الكلاب، وتحب/ـين الهالوين، وتشاهد/ين the vampire diaries.

أعرفُ ايضاً أنكِ تخرجتِ، وغادرتِ المدينة بحثاً عن عمل.

أعرفُ كل هذا رغم أننا لم نلتقِ وجهاً لوجه ولم نتبادل كلمةً واحدة منذ عام.

لذا حينَ رأيتها – هذه الفتاة – في المكتب من جديد، وقلتُ:

Oh, you are back !

وابتسمت هيَ وحيّتني. لم أشعرُ أني أقول شيئاً جديداً. قلتُ: ستستقرّين في يوجين إذن ؟

ندت عنها ضحكة قصيرة، وقالت بخيبةٍ لا تخفيها:  yeah !

أربكني هذا الشعور، هذه “الخيبة الجديدة”، حقيقة أنها لا تحييني بشكلٍ عابرٍ كشبه غريبين، بل تترك لمشاعرها حرية أن تنكشفَ أمامي. الآنَ، وبعد عامٍ تقريباً من رؤيتها آخر مرة. وصلنا مرحلةً غريبة: أنا أعرفِ عنكِ الكثير دونَ أن تبوحي لي بشئ. أعرف عنكِ كما يعرفُ قارئٌ حكاية شخصية بقراءة سيرتها الذاتية في كتاب، ثم يشعر بالحماقة وهو يستوقفه في الشارع ليقول: قرأتُ سيرتك الذاتية، شاهدت ألبومَ صورك، سمعت أغانيك المفضلة، أيمكن أن نصبح أصدقاء؟

ثمة ما يسرقه منا الفيسبوك، إنه يخلق منا مشاهيرَ، لكن مشاهير في عزلتنا الخاصة. العالمُ يعرف عنا، لكنه يعرف عنا ما نريدُ الإفصاح عنه فحسب. لا يحتاج أصدقاؤك إلى تذكر عيد ميلادك الآن، ولا ابتزازك بصورٍ مجنونة لك. لا حاجة بهم بالاتصال بك بشكلٍ دوري لمعرفةِ ما إذا كنت عادياً، ومملاً، وبخير. الستاتُس كفيلٌ بذلك. قد تدوّن حزنَكَ في التايملاين، فلا تنسَ أن تجعله جاذباً جداً كي لا يضيع بين خبر الطفل الذي يقول “لِسِن تو مي، هَني” وبين “كم لايك تستحق هذه الصورة؟”. قد يستحق خبرك تعاطف الـ”لايك” العابر كما يعبرنا الحزن في متابعة شريطٍ إخباري لنصف ثانية. العالمُ الذي يراك الآن، لا يرى إلا صورتكَ متأخرةً، حالةَ حزنٍ مؤجل، كما لو كنت تدخر مشاعرك وترسلها في كبسولةٍ إلى الفضاء الخارجي ليتم اكتشافها بعد سنينَ ضوئية. وجهك المخبوء خلفَ نافذة الفيسبوك لا مرئيٌ بطبيعة الحال.

* مصدر الصورة

2 thoughts on “عن الوجهِ المخبوءِ خلفَ الفَيسبوك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s