Ego sum qui sum · Femme fatale · الحكاية

اعترافٌ صغير لامرأةٍ وحشيّة

علاقتي بقدَميَّ متذبذبةٌ دائماً، تعكسُ مزاجي الجوزائي المتأرجح بين أقصى الأشياءِ وأدناها. قبلَ العشرينَ لم أفكر بقدميَّ كثيراً، وأنا أعني القدمين تحديداً، هذا الجزء الغريب الذي تنفرُ منه نتوءاتٌ خمسة، لا الساقين التي نستيقظ على الحاجة لتشميعها وتلميعها مع أول دَورةٍ شهرية.

معَ بوادر العشرين، وقفتُ بساقين نحيلتين ترتجفان أمام الصفِ الجامعي لأعرضَ “برِزِنتَيْشنَ” ما. كانت الأستاذةَ الأنيقةَ جداً تجلسُ إلى جانبي (كنتُ أقفُ إلى جانبها بالأحرى) وتخترق جسدَ الفتاة التي خرجتَ تواً من سني مراهقتها بعينين ثاقبتين. (لم ألتفتْ لعينيها حينها بالطبع بسبب اضطرابي، لكن هكذا شعرت بهما). في لحظةٍ ما خفضتُ رأسي لأقرأ سطراً من الورقة، حين صارتْ قدمايَ وقدما الأستاذة في مجالِ نظري دفعةً واحدة. كانت قدميها لامعتين مشدودتَي الجلد، بأظافر منحوتةٍ بعناية ومصبوغةٍ جيداً. قدماي، من ناحيةٍ أخرى، رغم أنهما لم تكونا متسختين – أنا الحريصة على الاستحمام جيداً كل صباح – لكنهما كانتا باهتتَي اللون، متشققتين، جافتينَ وكالحتين كوجهِ فتاةٍ ريفية. هذا أنا، فتاةٌ قرويةٌ تخرج من بلدتها الصغيرة إلى مدينةٍ كئيبةٍ ومزدحمةٍ  -حيثُ جامعتها -كل يوم. ومعَ أن الفارقَ العمراني بين القرية والمدينة في بلدِ كالسعوديةِ ليسَ صارخاً جداً، إلا أن الفارق التركيبي بينَ أقدامنا كان كذلك. لَم تُكن تنورتي بالطولِ الذي تستُر به هذا العُرْيَ الذي انكشفَ فجأة. منذئذٍ صرتُ أكثرَ تنبّهاً لصورَ الفتيات اللاوتي يتكدّسنَ في زوايا المبنى وَلا يخرجنَ إلى الشمسَ خشيةً على جلودهن الناعمة، الفتيات ببشراتٍ شفافةٍ جداً يخرجنَ مناديلَ صغيرةً وعَطِرةً من حقائبَ أنيقةَ وَيمسحنَ أقدامهنَّ بلطف.

 

في طفولتي حلمتُ أن أكونَ أشياءَ كثيرة، لكنّي لم أحلُم يوماً أن أكونَ عدّائة. ربما لأنني كنتُ عدّائةً بالفعلِ حينها. كان يُبهجني أن أنطلقَ في سباقٍ للعدو معَ الأولاد من العائلة. لا، لم يُبهجني فقط، بل يبعثَ في جَسدي نشوةً لا مثيل لها، أن تنطلقَ ساقي الصغيرتين مع الريحِ وتسبق الأولادَ جميعَهم. وكانت العادةُ أن نعدو بأقدامٍ حافية. منْذا يحتاجُ حذائين وتربةُ الأرضِ الزراعية تتطوّع مع كل وثبةٍ برضىً وخنوع! هكذا كبرتُ وأنا أركضُ حافيةً في المزارع. وحينَ صارَ لزاماً علي أن أتدثرَ بعبائتي اتخذتُ “مشّايَ” المنزلِ الضيقِ مساراً ماراثونياً أحرقُ فيه طاقةَ المُراهَقةِ الجديدة. لكنهُ كانَ مساراً غرانيتياً قاسياً تشققت فوقه قدميّ الحافيتين وأنا أعدو لسنوات. كنتُ أعرفُ أن قدميَّ تتشققا لدرجةٍ يصعبُ على الزمنِ علاجها، ولطالما نظرتَ لهما بحزنٍ.. غير أنه حزنُ لم يدُم أكثرَ من دقائقَ تطويها بهجة الجسد المتصبب عَرَقاً.

 

غيرَ أني كبرت كثيراً، لم يعُد يليقُ بي أن أعدو (المراتُ القليلةُ التي حملْتُني فيها إلى الجمنازيُم لم تخلف فيَّ ذاتَ الفرح القديم). صار عليَّ أن أرعى هذا الجسدَ، أنحتَهُ وأصقله وأدهنه، وأعدّهُ للنظرةِ المتفحصة. النظرةِ التي تمنحهُ معنىً لتسلبَ منه معنى، التي تجوّفهُ وتطرقهُ لتسمعَ صدى إعجابها يتردد في دواخله الصقيلة. مُذاكَ وأنا أيضاً صارَ لي نظرةٌ متفحصةٌ للنساءِ وأقدامهن. اعتدتُ تخمينَ أعمارهنَّ، مستواهنَّ الاجتماعي والاقتصادي، ما إذا كنَّ يعملنَ أم لا، كم طفلاً لديهنَّ. أتخيّلهنَّ يلقينَ رؤساً متعبةً أو خفيفةً على كرسيِّ الصالون، ويستمتعنَّ بدقائق العناية الملكية التي تفوز بها أقدامهن. أتخيلهنَّ.. لأني بالطبع لم أضع قدَمَي مرةً تحت رحمةِ “البديكير”. أشعرُ أني إن فعلتُ سأكشفُ سراً من أسراري الصغيرة، سأوِدعهُ يديَّ غريبٍ لا أعرفه، وَسيلقي هذا الغريب عليَّ محاضرةً عن العناية بقَدَمي، وسأهزُّ رأسي بلطفٍ وابتسامةٍ غبيةٍ لأني لم أقل يوماً في حياتي لغريبٍ: “هذا ليسَ من شأنك” (بالطبعُ قلتُ هذا لكثيرٍ من الأحباب لأن احتمالية تدخلهم في شؤوني أكبر). أن أعتني بقَدمَي.. هذا شأنيَ الخاص، ألتفتُ لها مرةً كل أسبوعٍ، شهرٍ، سنة. وَبنعمةٍ من الأحذية “الفلات” و”التومز” لن يلتفتَ أحدٌ لكَم هيَ وحشيةٌ وبريّة، تكادُ لا تنتمي لجسدٌ جهدتُ في جعله مقبولاً لدى الآخرين.

وحشيةٌ وبريةٌ كما هيَ روحيَ الآنَ.. وأبداً.

 

2 thoughts on “اعترافٌ صغير لامرأةٍ وحشيّة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s