صيدليّة فوكو

الراتب ما يكفي الحاجة ؟

ملاحظة أولية: هذه التدوينة تخطيط مبدئي في محاولة لفهم ظاهرة استهلاكية معينة. ولأن معرفتي بالاقتصاد ضئيلة جداً، فأنا أرجو من هذه التدوينة لا شرحَ الظاهرة، بل الانطلاق من المعطيات التي أملكها الآن لفهمها أكثر، إما عبرَ الإفادة من أي قارئٍ قد يمر من هنا، أو عبرَ قراءاتٍ وملاحظاتٍ أكثر موسوعيةً تعيدني إلى الموضوع ذاته مجدداً. 

saudi-shopping-malls-650_416

أذكر أنه قبل أقل من عشرة أعوام، كانت فكرة شراء حقيبة يد يتجاوز سعرها ٥٠٠ ريال ضرباً من الجنون في محيط عائلتي الكبيرة. الآن، لا تخلو يدُ واحدةٍ من الفتيات من حقيبةٍ “ماركة” أو اثنتين يتراوح سعرها بين الـ ١٠٠٠ والـ ٥٠٠٠ ريال. رغم أن هذا المبلغ ليسَ الأكبر بالنسبة لأسعار حقائب اليد النسائية، إلا إنه يعد كبيراً مقارنةً بما كان يُعتبر باهظ الثمن في المحيط الذي أعرفه. اللافت في الأمر أن سلم الرواتب لم يتغير كثيراً في السعودية في مقابل تضخم الأسعار في السوق، كما أن فرص الوظائف الحكومية التي تضمن استقراراً ومرتباً معقولاً – نسبياً- تضائلت كثيراً مع تدهور الإنفاق الحكومي على مشاريع التنمية وجمود أغلب مؤسسات الدولة في الوقت الحالي. تكفي نظرة واحدة على الهاشتاگ الشهير “#الراتب-ما-يكفي-الحاجة”، وعلى الحملة التي شُنت لمقاطعة ارتفاع أسعار الطماطم، وعلى الطوابير الطويلة عند الإعلان عن الوظائف – قبل أن تستغني عنها المؤسسات بالتقديم الإلكتروني- للتثبت من الأمر.

إذن نحن في مقابل حالتين متناقضتين ظاهرياً: الأولى ضعفُ الرواتب أمام ارتفاع الأسعار، والثانية زيادةُ الإنفاق الشرائي لدى الطبقة متوسطة الدخل – إذا صح تعميم الوضع في المحيط الذي أعرفه – . ولأجل فهم هذا التناقض سأحاول تدوين بعض النقاط هنا، على أمل تكوين صورة أكثر وضوحاً عن الوضع الاستهلاكي في المجتمع الآن:

– بسبب الأزمة الاقتصادية التي مرت بها الحكومة السعودية في التسعينات – إن كان فهمي للأمر صحيحاً – والتي أدت إلى عجزها عن المحافظة على مستوى الرفاهية الذي تمتع به جيل ما بعد الطفرة، وانفتاحها تبعاً لذلك نسبياً على الأسواق العالمية وتشجيعها للاستثمار في السوق السعودية إضافة إلى تسهيل الاستثمارات التجارية، بسبب كل هذا غزت الماركات العالمية الساحة السعودية بشكلٍ أشد كثافة من السابق. كما أدى ازدياد العمل التجاري إلى اشتداد المنافسة على جذب المستهلك وإغراقه بالإعلانات والعروض، مؤدياً أخيراً إلى زيادة في الإنفاق. (يُلاحَظ أيضاً القفزة الكبيرة في عدد المجمعات التجارية في البلاد خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة). 

 

– أدى السماح “المقيد” لتوظيف المرأة في القطاع الخاص إلى زيادة نسبة الاستقلال المادي لدى هذه الشريحة. ولأن المتعارف عليه مجتمعياً أن الإنفاق على المنزل مسؤولية الرجل، يتيح هذا الاستقلال للمرأة إما الإنفاق على نفسها مباشرةً، أو التخفيف من عبء الإنفاق على المنزل ثم التمتع بالمبلغ المتبقي.  (قد لا يكون هذا الاستنتاج صحيحاً، لأن السماح للمرأة بالعمل في القطاع الخاص أتى بعد ضعف توظيفها في القطاع الحكومي – خاصةً التعليم).

 

– الطفرة التنموية اللي تمر بها دول مجاورة كقطر والإمارات كونت نموذجاً لمجتمع مقارب للمجتمع السعودي ثقافياً لكنه يتفوق عليه استهلاكياً، هذا النموذج الذي يتطلع إليه السعودي بعين الغيرة والإعجاب معاً ويحاول محاكاته. كما أن القرب الجغرافي لهذه الأسواق وعامل الجذب فيها كمدن سياحية “أليفة ثقافياً” وفر للسعودي مورداً جديداً للاستهلاك يتفوق على ما توفره الأسواق السعودية (وقد يفسر هذا النمو المتزايد لمحلات الماركات العالمية في الأسواق السعودية مؤخراً، بعد أن شكلت جذباً لذات المستهلك في الدول الأخرى). لعل هذا وذاك أديا إلى تكوين طبقة اجتماعية تحاول مساواة نفسها استهلاكياً بالمجتمعات في قطر ودبي، حتى وإن كانت لا تملك القدرة الشرائية ذاتها. هي محاولة لـحفظ ماء الوجه أولاً وأخيراً.

 

– الانفتاح الإعلامي الذي شهدته المملكة خلال العقد الأخير، ولا أعني على مستوى حرية التعبير، بل على المستوى التكنولوجي الذي أتاح للمستهلك السعودي الإطلاع على ما يتيحه التسوق الإلكتروني خارج حدوده الجغرافية، والشراء إلكترونياً إما مباشرةً أو عن طريق وسطاء ـ كتاجرات النت “النموذج المطور عن تاجرات الشنطة” مثالاً- لمن لا يملك توفير بطاقة ائتمانية. (هذا يعتمد أيضاً على مدى استعداد البنوك لمنح هذه الميزة لذوي الدخل المحدود. قد تكون هذه نقطة بحاجة لمزيد من البحث).

 

– لعل “التسهيلات” التي صارت البنوك توفرها لذوي الدخل المحدود سواءً عن طريق القروض أو “التقسيط المريح” أو إتاحة الحسابات الإئتمانية ساهمت في خلق وهم امتلاك المال، أو -أقلاً- وهم تأجيل عدم امتلاكه، مما يوهم المستهلك بالقدرة على اتباع نمط معيشي مترف غير قادر على توفيره حقيقةً. 

 

– قد يكون تضخم أسعار الأراضي أيضاً بشكل جنوني أحد الأسباب. فحين ينفض السعودي يده من فكرة امتلاك أرض وبناء منزل على المدى القريب، يعني أنه أصبح أقل ميلاً للادخار لهذا الحلم المستحيل، وأكثر رغبةً في الانفاق على ما هو حاضر ومباشر. إن جوالاً بألفي ريال أو حقيبة بخمسة آلاف أرخص نسبياً من منزل تبلغ مساحته أقل من ٣٠٠ متر وقيمته بأكثر من مليون ريال. 

 

– لعل ما ساهم في استمرار هذه الظاهرة أن الجيل الجديد – رغم حاجته – ما زال ابناً لجيل الطفرة، والتكوين الاجتماعي للمجتمع يساعد في اتكال هذا الجيل نسبياً على الجيل السابق له، بحيث يعتمد الإبن على أبيه في توفير سيارة أو مهر للزواج أو مسكن. هذه المساعدات تتيح للجيل الحالي الاتجاه للإنفاق على ما هو غير أساسي. هذا الاتكال الذي يتخذ شكل مساعدات أولية يقدمها الاب لإبنه ليتمكن من تكوين حياة جديدة، قد لا يكون مطروحاً كخيار للجيل التالي إن استمر الوضع على هو عليه.

لست أكيدةً من النسبة التي تساهم بها أي من هذه العوامل في رفد الظاهرة، غير أن الأكيد أن المواطن العادي ما زال قادراً رغم الظروف الاقتصادية الصعبة على تزييف نمط معيشي مترف، وأن الحاجة رغم إلحاحها لم تبلغ القدر الذي يدفع هذه الشريحة لتكوين قوة ضغط لتغيير الأوضاع، ربما بدافعٍ من عوامل أخرى ليس هنا مجال بحثها.

أعلم أيضاً أن بعض هذه الاستنتاجات قد يكون خاطئاً، بل قد تكون المعطيات ذاتها خاطئة أيضاً، كما أن المصطلحات التي أستخدمها أعلاه ليست صارمة. هي محاولة لتوصيف الظاهرة وأرحب بكل من/ما يدلني على محاولاتٍ أو شروحاتٍ أخرى.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s