Ego sum qui sum · الحكاية

مسودّة

أجلسُ في المطبخ إلى مقعد طاولة الطعام الجلدي، أقرأُ روايةً لربيع جابر من شاشة جهازي الماك، أستمعُ لألبوم مشروع ليلى الجديد على الـ”ساوند كلاود” عبر جهاز الآيفون، ورائحة سكرٍ وحليب تغمر المكان. صبيةٌ عشرينية تتنقلُ حولي في المطبخ لتعدَّ حلوىً في دقةٍ وتركيزٍ متناهيين. تلفني برودة الجو: برودة التكييف المركزي، اللمعة الداكنة في الأجهزة الستينلس ستيل، غرانيت الأرضية. هذا مشهدً يمكن أن يكون في أي مكان، كما يمكن أن لا يكون أبداً*.

أنشغلُ بتدوين التفاصيل حولي، المشاهد أراها، لا لأبحث فيها عما وراء المعنى، ولا لأسقط عليها معنىً جديداً. بل لأنها ذاكرةٌ قد تزول في أي يوم. لا ذاكرة الصور فحسب – التي يمكن أن ينقذها ضوء العدسة – بل ذاكرة اللغة التي تصفها. هكذا أقفُ مشدوهةً أمام الصور القديمة لأني لا أملك لغةً لوصفها، أراها، أرى الشجرَ وماء العينِ والمزارعَ البسيط – أكرهُ كلمة بسيط بالمناسبة – ولا أملك من اللغة لوصفهم إلا مفرداتٍ طفلٍ للتو يتعلم مخاطبة العالم من حوله.

يُقال أن الصورة بألف كلمة. لكن صورةً منقطعةً عن سياقها هي شفرةٌ مغلقة.. إما أن نجدَ لها حجرَ رشيد يشرحها، أو ننزعُ لها معنى جديداً.

 

* هذا العالمُ محدودٌ جداً. بالرغم من تنوع الأشياء وتعددها، إلا أن كم الأشياء التي نألفها مهما غيرنا الأمكنة تظل ذاتها: معدن السيارات،اسفلت الشوارع، إشارات المرور، لون الشجر، السماء. رائحة الهواء في المدن المزدحمة، رائحة الهواء في المدن البعيدة. لهب الظهيرة. براز عصافير المدن. وجوه باعة الطرق الكالحة. العالمُ متشابهٌ جداً، لذلك نشيد علاماتٍ حوله كي لا نتيه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s