Ego sum qui sum · الحكاية

عينٌ واحدة

صورةٌ واحدة هي الذكرى المتبقية لي من وجه جدتي -الجدة التي استيقظتُ على هذا العالم وأنا أحمل اسمها بعدََ رحيلها ببضع سنوات – .

صورةٌ باهتةٌ، غامضةٌ، ضعيفةُ الدِّقة، لا تقولُ شيئاً. لا تشبهُ ملامحُها أحداً وتشبهُ كل أحد، كتشابه التواريخِ في ثبتِ المواليدِ الأول للحكومة.

المرأةُ في هذه الصورة تحدقُ بعينٍ واحدةٍ إلى عينِ الكاميرا الواحدة. وَالعينُ الأخرى نصفُ مغلقةٍ بعد أن ذهبَ بمائها مرضٌ ما. عينٌ واحدة تحدقُ – لا في ارتباكٍ من اقتحام العدسة – بل كما تحدقُ في وجهِ غريبٍ عابر. كانت الكاميرا زائراً سريعاً في عين جدتي، إجراءً شكلياً للعبورِ إلى بلادٍ أخرى، لا شاهداً على هذا الوجه الذي سيضمحل بعد وقتٍ قصير.

لم يروِ أحدٌ أينَ التُقطت هذه الصورة، ولا من التقطَها. خلفية الرأس محدودة المساحة لا تقولٌ شيئاًً عن المكانِ أيضاً. وَلا يبدو أن المرأة في الصورة تهتم لذلك. ليسَ من دَهشةٍ أمام هذه الآلة، ليسَ من خوف. ليسَ من شهادةٍ أو اعترافٍ ما. ليسَ من رغبةٍ في تركِ أثرٍ للأجيالِ القادمة تنظرُ إليه. كانَ العمرُ قصيراً، وجدتي كانت قد رأت كُثراً يعبرونَ إلى عالم الموتى: زوجاً، أحباباً أثثوا عمرها، أطفالاً أكلهم مرضٌ لا اسمَ له في ليالٍ ثلاثٍ أو ساروا خِفافاً مع خيطِ الفجر الكاذب.

كانت العين الواحدة تلتقطٌ عينَ العدسة، تعرّيها٫ تعرفُ أن هذه العين لا تصنعُ شيئاً، وأن الخيالَ الذي تلتقطه ليسَ إلا ظلاً على ورق، تبريراً لمتفحصين عابرين للزعم بأن هذا الظل – الذي لا يشبهها في شئٍ – يشبهها.

 

أنظرُ إلى الصورةِ فأشعرني وراءَ هذه العدسة. أنظرُ فيتملكني الحزن: أنا الغريبُ العابر الذي لم تره، لم تعرفه، ولم تسمع صوته. الغريبُ الذي يحملُ اسمها، لم يسمع صوتها ولم يرَ لها غير صورةٍ غريبةٍ لا تقول شيئاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s