صيدليّة فوكو

الحياة ليست دورةً تدريبية

While personal and individual freedom in the workplace is guaranteed, each individual is held responsible and accountable for his or her own actions and well-being. … Individual success or failure are interpreted in terms of entrepreneurial values or personal failings (such as not investing significantly enough in one’s own human capital through education) rather than being attributed to any systematic property (such as the class exclusions usually attributed to capitalism). –

David Harvey, A Brief History of Neoliberalism

 Image

 

 

أعترفُ أني واحدةٌ من آلاف القراء في البلاد العربية وفي العالم الذين – في طور المراهقة وأول الرشدِ، إن كنت بلغته بعد – اعتنقوا مبادئ التطوير الذاتي كدينٍ جديد. كانَ تبشيريو البرمجة اللغوية العصبية يغرسون في قلبي الأمل بالتغيير، وبالقدرة على قلب مقادير الأشياء، فقط ابدأ من هنا.. من الداخل. كان هذا التغيير مغرياً، لأنه ببساطة بسيطٌ ومتاحٌ وقريبٌ في متناول اليد. لم يكن فعلياً دعوةً لـ”تعرف نفسك” كما نفش على باب معبد دلفي، بل إن هذه الدعوة تجاوزت معرفة النفس ابتداءً إلى خلقها، أو استخراج هذه القوة الكامنة المزعومة التي لم نستثمرها كما يجب.

 

ابتعدت عن هذه الدعوات شيئاً فشيئاً. ربما وجدتني أول الأمر حالةً يائسة عصية على عقاقير البرمجة العصبية. لم أتمكن من أن أصبح “إيجابيةً” بما يكفي، تغيرتُ كثيراً – دون إرادتي ودون أن أخطط لذلك، لكن بمحض صدفةٍ معرفية – وكان هذا التغيير أجمل لدي من تغييرٍ متكلفٍ يبشر به كتاب.

 

مؤخراً صرتُ أقل احتمالاً وأكثر حنقاً من هذه الدعوات، وقد يكون مرد هذا الحنق الوعي الجديد الذي أطلقته ثورات الربيع العربي، القدرة على رؤية التغيير الحقيقي من الخارج هذه المرة. هذه المرة كان اليأس فعالاً، والغضب فعالاً، والنقد فعالاً، والحنق فعالاً. كل هذه المشاعر السلبية التي رفضتها دعوات التغيير الذاتي كانت فاعلةً وقادرةً على تحريك الميت في سياسات العالم العربي – مهما كان موقفنا من النتائج.

 

صارت دعاوى التطوير الذاتي في نظري ليست مجرد أفيون للناس، بل نداءً برجوازياً جداً يفترض أن العالم بأكمله يمتلك من الموارد ما تمتلكه هذه الطبقة، وهو ملامٌ على عدم تغيير ذاته. هذه دعوة ضمن إطارٍ أكبر يمكنه ببساطة التخلص من لوم الأنظمة عبر لوم الطبقات الأدنى لأنها “جاهلة” أو”متخلفة” أو “سلبية” أو”غير راغبة في التغيير”. أعترفُ أني أقل احتمالاً اليوم لبرامج منوعات سياحية مثل “خواطر” الشقيري التي تبيع الحلم على المساكين بدعوى الإيجابية والتطوير. في حين نفثت سابقاً شيئاً من غضبي في بوستٍ على الفيسبوك، ووضحتُ المبدأ الأخلاقي الذي أنطلق منه لرفضها، لم ألتفت قبل هذه الليلة للجانب الاقتصادي/السياسي من المسألة.

 

وأنا أقرأ كتاب ديڤيد هارڤي “تاريخ موجز للنيوليبرالية” لفتتني العبارة التي اقتبستها أعلاه. لم يخطر لي سابقاً هذا الربط بين الموضوع الذي ناقشته أعلاه وبين الاتجاه الليبرالي الرأسمالي الذي يسيطر على الإعلام العربي منذ صعود القوة الأمريكية أحادية القطب. في حديثه عن مبادئ الليبرالية، يشير هارڤي سريعاً إلى المسؤولية الشخصية كأحد أهم هذه المبادئ. في نظامٌ يطلق يد الشركات الخاصة – بوصفها أفراداً أيضاً! – لاستغلال الموارد، تقع على عاتق الأفراد أنفسهم – مؤسساتٍ أو أناسٍ مفردين – مسؤولية النجاح أو الفشل. باعتبارِ أن الخيارات مفتوحة – فرضياً – و”يداك أوكتا وفوك نفخ”.

 

تصدير هذا المبدأ إلى البلاد العربية، وإلى أرض الخليج تحديداً، مضحك جداً. فالأنظمة التي استوردت أسوأ ما في الرأسمالية صدرت لشعبها المحروم من الحرية الخطاب ذاته: الشعب مسؤول عن التغيير – حتى وهو لا يملك الخيار- ، لكنه ببساطة غير مهيأ له. إنها الفكرة ذاتها: إنه شعب “متخلف”، “سلبي”، “غير راغب في التغيير”.

 

“العالم وصل وين واحنا وين !”

هذه المناحة اليومية وجلد الذات اللذان نفرضهما على أنفسنا بشكلٍ مستمر لنقول أننا “متخلفين” ، وكأن الزمن حلبة سباق، أو كأن الزمن يمكن أن يجري في محورين مختلفين. هذه النظرة الاجتزائية إلى مفاهيم ك”النجاح” و”التطور” كسولة جداً إذ تتخاذل عن فحص هذه الأنظمة ضمن إطارها الأوسع وقاصرة جداً إذ تختزل النجاح في شراء جريدة من صندوقٍ في الشارع.

 

مشهد أخير:

في إحدى حلقات “خواطر” يقدم الشقيري فكرة الشاب الذي ينصب طاولةً لبيع المرطبات والوجبات الخفيفة دونَ أن يُشرف عليها، ويحتفي بالأمانة لدى الناس. لكنه يمرر تعليقاً سريعاً بأن هذه الفكرة لا يمكن تطبيقها في أي مكان في لوس انجلس. لم يقل مقدم خواطر لماذا.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s