صيدليّة فوكو

يورِيكا روبرت فِسك

tumblr_m84gr8dj6z1rxex2po3_1280

 

Artist: Kaled Al Saai

 

نهاية العام الماضي، تحديداً في اليوم الأخير منه، نشرَ روبرت فسك مقالاً في الانْدبنْدنت يتسائل فيه ما إذا كانت العربية في شكلها الحالي لغةُ متحجرة عرقلت مساهمة العرب في الحركة العلمية عالمياً.

في البداية يشيرُ فسك إلى افتقار اللغة المتداولة إلى الدقة والتعيين، حيث يميل متحدثيها إلى الترجيح – المبالغ فيه ربما – . مُثبتاً فرضيته، يستشهد “فسك” بإجابات اللبنانيين أيام الاحتلال الإسرائيلي، حين كان يسألهم عن عدد الدبابات: كتير. عشرة؟ نعم. عشرين؟ نعم. ثمة افتقار خطير للوضوح، بلا شك” يعلقُ فسك.

ثم يدعم فسك روايته باستشهادين أساسيين، أحدهما لحسن الكرمي ، الباحث اللغوي، والآخر لوليد الكبيسي، وهو غير مختص في اللغة، لكن هذا حديثٌ آخر. ملخص الاستشهادين أن العربية الفصحى عصية على التعلم حتى لو أمضى الفرد أربعين سنة في محاولة ذلك، وأن المعاجم العربية لا تساير التطور اللغوي الحديث، على سبيل المثال: يحتوي أحد المعاجم العربية على ٦٠٠ اسمٍ للجمل! على عهدة فِسك.

يختم فسك مقالته بتعليقٍ لريم تركماني حول مساهمة العرب في العلوم في الماضي، ويطرح خلاصة قوله متساءلاُ ما إذا كان الفارق بين الكلمة المكتوبة والمحكية سبب هذا التراجع؟

 

هنا ينتهي حديث فسك،

ملاحظاتي حول المقالة تنحصر في محاور ثلاثة:

 

 

افتقارٌ خطير للدقة ؟

يستهل فسك مقاله ويختتمه بالفكرة نفسها: هل أدى افتقار اللغة العربية للدقة إلى إفقارها علمياً؟

ثمة نقطتين بحاجةٍ للإيضاح هنا:

 

الأولى: على فرض أن قصة فسك حول اللبنانيين وعدد الدبابات صحيحة، هل يعد المثال الذي أورده كافياً لإثبات ادعائه؟ أليس مثل هذا الاضطراب والتشويش في تحديد العدد طبيعياً في أوضاعٍ حرجة مثل هذه؟ من يتوقع من المشاهِد – أياً كانت لغته – أن يقف لإحصاء الدبابات عشرةً كانت أم عشرين؟ هذا مطلبٌ قد لا يتمكن من استيفائه المراسلين الصحفيين أنفسهم في أوقات الأزمات.

 

الثانية: لو افترضنا أن العربية تفتقر فعلاً إلى مفردات دقيقة تصف العدد، لنفترض أنه لا يوجد في العربية “عشرة” و”عشرين”، بل “واحد” و”أكثر من واحد” فقط. هذا الافتراض ليس عبثياً، لأن افتراض وجود لغات لا تحدد العدد ممكنٌ علمياً. لنضيق هذا الافتراض ونقل أن العربية المحكية فقط “اللهجات” تفتقر إلى الدقة.

إذن.. على فرض أن العربية المتداولة تعاني من افتقارٍ إلى الدقة تعبيرياً، هل يؤدي هذا إلى عجز المتحدث بها عن إدراك هذه الدقة؟

ثمة فرضية لغوية شهيرة بهذا الخصوص، تسمى فرضية اللغوية النسبية، وتنبني على القول أن لغة الشخص تحد من إدراكه للعالم. أحد الأمثلة التي طرحها مؤيدو النظرية كان عن مفردة “ثلج” لدى أهل الاسكيمو، وكيف أن لهذه المفردة في لغتهم مرادفات عديدة لأنواعٍ مختلفة من الثلج، في حين أن اللغات الأخرى لا تصف الثلج بغير مفردة واحدة، ولا تميز بين أي من أنواعها، بل لا تدرك حتى وجود هذه الأنواع.

مثل هذه الفرضية دعمت القول بتفوق لغاتٍ على أخرى وقدرتها على حمل رسالة التحضر والتمدين. اتُهمت لغات السكان الأصليين لأمريكا مثلاً بوقوفها حائلاً دون تمدينهم، واتُبعت سياسات لإبادة هذه اللغة أو أقلاً التخلي عنها.

لكن هذه النظرية لم تدم طويلاً، واللغويون حالياً يتجهون إلى التأكيد على أنه حتى لو افتقرت لغة ما إلى مفهوم معين، هذا لا يحدد مصير متحدثها نهائياً، ولا يعني عجزه عن إدراك هذه المفاهيم أو تعلمها. اللغة – في نهاية الأمر- كائن حي قادر على التكيف والاستمرار.

لنتذكر مثال ابن رشد وترجمته لكتاب الشعر لأرسطو. حين جُوبه بمفهومين حديثين هما “الملهاة” و”المأساة” وعجز عن استيعابهما، ترجمهما إلى المديح والهجاء (في وقفٍ خلدته مخيلة بورخيس في قصته الجميلة). قد يقول قائل أن هذا يبرهن على ما قالت به النسبية اللغوية من عجز الإدراك بسبب حاجز اللغة. لكن الواقع أني أكتب عن هذه الحادثة الآن – بعد أكثر من ثمانمائة عام من وقوعها – باللغة العربية. لم تتغير قواعد اللغة العربية بعد، لكن إدراكي لهذا المفهوم ظل ممكناً.

 

 

الفصحى والمعاجم العربية :

استعار فسك أقوال كتابٍ عربٍ آخرين للاستدلال حول صعوبة العربية الفصحى. وأنا أتفق معه جزئياً في مواضع وأختلف في أخرى.

هل الفصحى التي يتعلمها الطلاب في المدارس صعبة وبعيدة عن واقع التداول ؟

نعم.

هل هذا يعني أنها لم تتغير؟

لا.

نعم: الفصحى كما تُدرَس الآن في حصص النحو لا تشبه كثيراً اللغة المتداولة. أثبتت عشرات السنوات من دروس الإعراب والاشتقاق والنداء والمنادى بأمثلةٍ مستقاةٍ من شرح الألفية فشل هذه العملية في تعليم أبنائنا التمييز بين التاء المربوطة والمفتوحة. لكن هل هذا يعني أن الفصحى ميتة أو متحجرة؟ من يفتح نشرات الأخبار أو المسلسلات المدبلجة – احم .. سابقاً – أو الأفلام الوثائقية أو مسلسلات الكرتون، يدرك أنها ما زالت حيةً ومتداولة – وإن في نطاقٍ خاص – وأنها مفهومة من قبل الشريحة المتعلمة بشكل واسع – حتى أولئك الذين لا يميزون بين التاء المربوطة والمفتوحة – .

أين المشكلة إذن؟ المشكلة أن اللغة الفصحى أيضاً مرت بتغييراتٍ منذ عصر قريش حتى الآن، هذه الفصحى التي نسمعها في نشرات الأخبار لا تشبه في شئٍ المعلقات السبع. هذا التغيير الواقع هو ما ترفض المعاجم العربية القبول به إلا بحذرٍ شديد. أغلب المعاجم واقعة في فخ القواعد التوجيهية (prescriptive) التي تفرض على المتحدث “قُل ولا تقُل”، عوضاً عن أن تتجه إلى القواعد الوصفية التي تحلل استعمال اللغة حالياً وتقبل بها كنموذجٍ حيٍ ومشروع للغة العربية.

 

 

مساهمة العرب في العلوم: 

النقطة الأخيرة التي وثب إليها فِسك هي مساهمة العربية في تخلف العرب علمياً (مع حذف تساؤله “الاستشراقي” و”الإشراقي” الأخير في المقال والذي لا ينتمي لجدله في شئ).

هذا التساؤل يُسطّح عملية البحث العلمي وكأنها وجبة عشاءٍ يحضّرها الشخص في مطبخ منزله. لا يمكننا فصل التقدم العلمي عن معدلات الفقر والأمية الشائعة في العالم العربي، وعن الأنظمة القمعية التي تتغذى على إفقار الشعب مادياً وعلمياً وإخضاعه لها. البحث العلمي كحركة وطنية مؤثرة غير ممكن إذا كان يفتقر إلى الدعم السياسي والمادي. العجيب أن فِسك يستشهد بمقولة ريم تركماني عن نهضة العرب العلمية في الماضي، وبقدر ما أكره استحضار أمجاد الماضي والبكاء على الأطلال، ليس من المحق أبداً أن نتجاوز عن حقيقة أن العرب كانوا حضارةً مؤثرةً حينئذٍ، وأن دعماً سياسياً للحركة العلمية كان قائماً لتزدهر. مثل هذه الحقيقة البسيطة التي تم تكرارها وابتذالها في الكتب المدرسية لا يغير من واقع كونها حقيقة: حقيقة أن العلماء ليسوا نساكاً في فوهة جبلٍ، وأن نظرياتهم لا تتخلّق في لحظة استرخاء تحت ماء “الشَوَر”.

 

“يوريكا!” ليست أكثر من خرافةٍ جميلة.

 

توتة توتة.. خلصت الحدوتة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s