Uncategorized

عن الوقوف جميعاً ..

كنتُ قد نسيت تماماً – أو هكذا ظننت – الدقائق الصباحية العشر التي أمضتيها وقوفاً كل صباحٍ على مدى اثني عشر عاماً في طابورٍ طويل، حسبتُ أني نسيتُ وقوفنا الخاطف تحيةً لمديرة المدرسة، أو المتردد المتوجس أو المندفع المتحمس لترديد إجابةٍ كما وردت بأسطرها في كتاب، والوقوف عقاباً أوتأهباً لعقاب، الوقوف انتظاراً أو تزاحماً أمام المقصف المدرسي.

ظننتُ أن هذه السنوات مضت.. وأن العمر الذي أمضيته كرَقَمٍ بين مجموع، كاسمٍ في قائمةٍ طويلة، كجسدٍ يميعُ في حشدٍ بذات اللون .. حسبته مضى. وأنا أضع ساقاً على ساقٍ في قاعةٍ أكاديميةٍ تحفني مختلف المشارب والألوان: من الصين إلى أمريكا، مروراً بتايوان واليابان وكوريا والبرازيل وتشيلي. لا أحد يشبهني، لا أحد يتحدث بلساني، كنت أزهو بتفردي، حتى التفتت المحاضِرة وقالت: لنقف جميعاً !

لنقف جميعاً !

ثمة ما استيقظ الآن، لثانيةٍ أو اثنتين استيقظ هذا الشعور القديم: لستُ فرداً، لستُ واحداً مفرداً لا مثيل لي. عدتُ رقماً بين حشد من الناس. لا اسم لي، لا وجه. لستُ من ينجز المهمة، أنا المهمة ذاتها، أنا ما أنجز من المهمة وكيف أنجزها فقط.

 ما كنتُ أحسبه انتهى كان يتخذ شكلاً مغايراً فحسب.

ما ظننت أني فررت منه في أرضٍ أخرى كان حاضراً هنا أيضاً.

لا أدري إن كان للتعليم مفرٌ من أن يكون غير هذا: وصفةً جاهزةً نلقح بها القرية بأكملها.

ثمة سبب يجعلنا نمل الكتب – مهما بلغت جودتها – ما إن تصبح جزءاً من مقرر ما: التعليم لا يشبه التعلم في شئ، التعليم الذي يفترض وجود الأجوبة في حين يحرض التعلم المزيد من السؤال، التعليم الذي ينتهي بورقة امتحان في حين يبدأ التعلم عند كل امتحان، التعليم في تسلسله وانتظامه ، والتعلم في عبثيته ومصادفاته ولا انتظامه.

ثمة ما لا نقع عليه وقوفاً .. منتظمين في طوابير طويلة منتظرين من يلقمنا الأجوبة.

ثمة ما لا نجده إلا صدفة، ما يحرمنا النوم، والجلوس، والوقوف طويلاً في مكانٍ واحد. هذا ما يريد أن يحرمنا منه التعليم الآن.. هذه الرغبة الوحشية لالتهام كل شئ، لمعرفة كل شئ، ما لا يتسع العمر ولا الروح لحمله ولا استيعابه. لسنا أفراداً.. بل طاقةً يريد التعليم لملمتها وحفظها في أنابيب.. خزنها للمستقبل المجهول أو المعلوم.

يعرف النظام أنه إن تركنا نمضي “هدراً” .. قد تمضي القرون القادمة نركض حفاةً ونأكل العشب. يفزع النظام من هذه الفكرة.. يُفزعنا منها.

لا يسألنا.. لا نسأل: إن كنا نريد أن نركض حفاةً ونأكل العشب..

بدلاً من الوقوفِ طويلاً.. جميعاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s