midnight eye

عن آرگو

movies_argo_poster

نالَ “آرگو” درزينةً من الجوائز وما زالَ مرشحاً لدرزينةٍ أخرى ستفصح عنها الأوسكار بعد شهرٍ من الآن تقريباً. كنتُ أترقب موعد عرضه في دار السينما لأشاهده طازجاً.. بدل أن أؤجل الأمر حتى موعد نزوله على أقراص الـ”بلو رَي” ليقتنصها قراصنتنا الطيبون. إشادات الأصدقاء لم تكن أقل تحفيزاً. ها أنا أقتطعُ تڈكرةً بدولارات أربعة وأتخذ مقعداً في أعلى الدار المعتمة، في حضني صحنٌ يفيض برقائق الناتشوز والجبنة السائلة – زاداً لساعتي الظهيرة.

بدأ الفيلم.. وانتهى.

هكذا كما تمر حيوات من أمامك وتمضي دون أن تترك فيك أثراً، تماماً كرقائق الناتشوز التي كنت تتلمظين ملوحتها في مخيلتك ثم تجدين نفسك عالقةً مع صحنٍ ممتلئ برقائق ورقٍ لا طعم لها. ينتهي الفيلم.. تعرفين أن الناتشوز ملأ الفراغ في معدتك لكنك لا تشعرين بأي شبع، كالفيلم الذي شغل ظهيرتك لكنه لم يعمر روحكِ بما يكفي.

ما المشكلة ؟

بِن افلِك أدى دوراً رائعاً كالعادة.. كمخرج وممثل. ما إن تعتم دار السينما وتضئ شاشتها حتى تجدين نفسك في آلة زمنية تحملك إلى أواخر السبعينات: إلى طهران.. إلى أواخر السبعينات.. إلى وهج الثورة.. الدم الذي يشتعل في العروق والدم الذي يسيل في الشوارع.. روائح الغضب والتعب والتمرد. يتمثل أمامك شعبٌ يعرفُ أنه يصنع تاريخه.. وإن كان لا يعرف أي تاريخٍ يصنع. نعم.. آرگو برع في تجسيد هذه اللحظة. لو كان فيلماً وثائقياً لما ترددت في منحه نجوماً خمسة.

لكنه ليس وثائقياً طبعاً، أليس كذلك ؟

آرکو -ببساطة- فيلم آكشن بخلفية تاريخية. وأنا وأفلام الآكشن لسنا رفقةً طيبة. صحيحٌ أني أؤمن بالقيمة الجمالية بالحركة والعنف الصادم في سياقاتٍ خاصة، لكن كم فيلماً يستطيع أن يخرج من جلباب هوليوود ويقدم لنا متعة جمالية كهذه ؟

 ثمة “آكشن” .. لكن بالتعريف الهوليوودي فقط: الحركات المستهلكة من صراع الخير والشر والبطل الذي ينجو في آخر لحظة. (سپويلر: مثلاً الحركة الاستعراضية أنو الطائرة تقلع والحرس الثوري يكتشف في آخر لحظة -طبعاً- يطلع ع سيارات جيب ويلحقها، يعني كانوا مفكرين الطائرة حتوقف لهم؟!  كنت مصدومة أنو مشهد بهالسذاجة الفنية ممكن يتضمنه الفيلم) .

الفيلم يبدأ بإشارة اعتذارية إلى دور السي آي أيه في الإطاحة بمصدق، لكنه يستغرق الساعتين التاليتين في تلميع بطولاتهم وتمجيدها. المنظمة التي بذلت سعياً مكيافيلياً لحماية مصالحها، تصبح في الفيلم مؤسسة إنسانية ترفض تسليم الشاه لمرضه. لو أن الفيلم لم يبدأ بهذه الإشارة، لوجدته أكثر اتساقاً مع مضمونه. لكن هذه الخلفية التاريخية لم تكن أكثر من ادعاءٍ للحياد أو في أفضل الأحوال محاولة للتكفير.

أن يتفق الفيلم أو يختلف مع الثورة فهذا شأنه. لكن فيلماً ينظر من كوة السياسة لا يجد في الآخر – الشعب الإيراني هنا – بكل أفراده سوى العدو: كتلة بدائية متماثلة من أفرادٍ همجيبن ، محدودي الرؤية وسطحيي التفكير، على درجة من الشر بحيث يتوثبون للانقضاض عليك وتمزيقك، لكنهم من السذاجة بحيث تلهيهم صور كرتونية لفيلم مفبرك.

آرگو يقيمُ أيضاً هذه الثنائية الحادة بين الإسلامي والعلماني، وهو برأيي خطأ لا يغتفر عند الحديث عن ثورةٍ شعبية انخرط فيها الشعب بأطيافه، بعض النظر عن كونها اتخذت مساراً إسلامياً لاحقاً. منذ بداية الفيلم يشير الخطاب إلى الإطاحة بنظام مصدقي “الديمقراطي العلماني” ، وكأن الإطاحة بنظام إسلامي عمل مشروع سياسياً. وعلى مدى الفيلم يقدم الشخصيات الرجالية الملتحية أو النسائية المتشحة بالسواد على أنها الشخصيات الأكثر عنفاً وعدائية، في حين أن شخصية أكثر إنسانية مثل “سحر” ترتدي حجاباً أحمراً. مثل هذا التعميم تبسيطي جداً ولا أهضمه بسهولة*.

أخيراً،

هل يستحق المشاهدة؟ الجواب: نعم.

ثمة في الفيلم ما يُرى، ما يُحكم لهُ أو عليه. ليسَ خسارةً عظمى للوقت – أقلاً ليس كالخسارة التي يخلفها الكثير من الغثاء الهوليوودي – لكنه لا يقدم رؤية جديدة، لا قراءةً مختلفة، لا شئ إشكالياُ أو مثيراً للجدل. آرگو وجبة سهلة الهضم، سريعة النسيان.

——

 * فيلم “انفصال” لآصغر فرهدي يقدّم برأيي رؤيةً إنسانية رائعةً للمجتمع الإيراني، خلافه الطبقي والديني في العمق.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s