Uncategorized

the thing about autobiographies..

Image

آتفهمِِ السيرَ الذاتية. 

أعني، على الأصحِ، أني أتفهمُ دوافعَ كتّابِها، رغبتَهم في سردِ حكاياتهم – المتخيلة منها والواقعية “أياً كان تعريفنا للواقع” – ، في فهمِ ذواتهم: الكتابةُ محاولةُ فهمٍ دائماً.. أكثر منها ادعاءٌ لهذا الفهم، محاولتهم حماية أنفسهم من الانشطار: أن نكتبَ على الورقِ يعني أن نخلقَ لأنفسنا عالماً افتراضياً – لا يختلفُ كثيراً عن افتراضِ الفضاء النتي – ، مساحةً حرةً تحتلُ وجوداً في حياتنا دونَ أن تزاحمنا هذا الوجود، ودونَ أن تفترض منا أن نصدق معها أو نخلص لها.  فضاءً نطلقُ فيه خيولَ لا وعينا.. حتى لو كانَ لاوعينا مقيداً بسلسلةِ تراتبيةٍ من لاوعيٍ آخر. 

أتفهمُ السيرَ الذاتية.

لأنها حاجتنا للبوح، للفضفضة، لبسطِ حيواتنا أمامَ الآخرين لأنها تمنحها معنىً. لأنها تشبهُ امرأةً تمضي ساعاتٍ تحادثُ جارتها عن تفاصيل يومها.. التفاصيل التي يسخرُ منها كتاب الأعمدة اليومية وهم ينصحونها أن تلتفتَ للأهم (الأهم من حياتها؟). 

 

أتفهمها..

لأننا حينَ نبوح، قد نكذب. وقد يخطئ الآخر – بدافعٍ من زهوٍ ذاتي – حين يصدقُ أننا في محضرِ اعترافٍ ما. الأمرُ أننا نبوح لأننا نريدُ أن نكسب تعاطفاً، نريدُ من شخصٍ ما أن يؤيدَ خرافاتنا، أن يؤمّن على جانبنا المنحاز من الرواية. حتى ونحنُ نعترف، نبكي. لأننا نريدُ أن نؤمنَ أن اعترفنا/بوحنا فعلٌ خالص من الأنانية. في حينِ أننا نقوم بذلك لنرتاح.. والراحة لا تكمن في مواجهتنا – لأنها قاتلة في غالب الأمر – بل في الالتفاف على الحقائق – أياً تكن الحقائق – .

 

أتفهمها..

لأننا حينَ نتذكرُ لا نستعيدُ الصور والأحداثَ كما نقرؤها في كتابٍ ما. بل نبدأُ بلملمةِ المتناثر هنا والمشوهِ هناك، نجمعها ونركبها كقطع “ليغو” ونبدأ بترتيبها زمنياً أو مكانياً أو إعادة إنتاجها عاطفياً وفقَ ما نراهُ الآن. نحشو الثغرات في ذاكرتنا بما نتخيلُ أنه الواقع كما نقومُ بإكمال دائرةٍ ناقصةٍ ذهنياً. عملنا قائمٌ على التخمين، هو ليسَ بأفضل من عملِ مؤرخٍ يتلمسُ حقائقَ عنا، فيجمع حكايةً من هنا وحكايةً من هناك. فيصفق له العالم لأنه بذل أفضلَ “تخميناته” .

 

أتفهم السير الذاتية..

لأنها صورٌ.. ما الفرقُ بينَ الصورِ المستعادة من الذاكرة والصور المختلقة حديثاً؟ هل نميزُ صناديقَ في الذاكرةِ لكلٍ منها؟ ما الفرقُ بينَ ما شعرنا به قبل عشرة أعوامٍ وشعورنا الآن حولَ ما شعرنا به؟ ما امتيازُ الأول عن الثاني ؟ سنكذبُ كثيراً.. دون أن نعرفَ أو نعترف.

 

أتفهمُ السيرَ الذاتية..

وأتفهمُ من يريدُ مساءلتها ومحكامةَ اعترافاتها. أتفهمُ حاجته لفهمِ العالم وتوسلهُ هذه الصور – بنقصها وتشويهها – أن تمنحهُ شرحاً له، متناسياً قطعَ الصور الكثيرة التي تساقطت من قطع البازل.

أتفهمُ السير الذاتية..

لأنها حكاياتٌ نمزج فيها حقائق بأكاذيب، ما نؤمن به وما نريدُ للعالم أن يصدقه عنا، ما نريدُ أن نكتبه ونمحوه، هذا الادعاءُ بأن هذه النسخة الكاملة للحكاية، الصيغة الأصلية، غيرَ منقوصة، ما من نصٍ آخرَ ينسخها، كل ما فيها هو ما حدثَ وما كانَ يمكنُ أن يحدث، وخيارُ القارئ الوحيد هو التأويل.

أتفهمها، ولا أتفهم كتّاب القصص الذين يكتبونها. أليس هذا ما كانوا يفعلونه في كل حكاياتهم الأخرى؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s