Ego sum qui sum

جبل أولمبٍ أم حديقة حيوان ؟

 

الصورة ذاتها تتكرر كل مرةٍ أقف فيها بعربة التسوق عند طاولة المحاسبة، خلف صفوف العلكة وأقلام الصمغ وشرائح اللحم المجفف.. ينتظم صف طويل من المجلات البراقة، تشرئب من أغلفتها صور نساء ساحرات، بابتسامةٍ فاتنة وإيماءةٍ أشد فتنة أحياناً، لكن في أحيانٍ كثيرة أخرى.. ما يومئ من تلك الأغلفة ليس ابتساماتهن ولا دعواتهن الشهية.. بل أعين دامعة منتفخة، أو أجساد مترهلة بعد، أو وجهٌ يجفل أمام وميض الكاميرا.. مع عنوانٍ أحمرٍ يصرخ تحت الصور مؤلاً الحال الذي انحدرت إليه.

ما يداهمني غالباً ليس شعور الفضول – الذي يمكنني آن أزعم أني تجاوزته منذ وقت طويل.. فما يحمله تفاصيل الخبر ليس إلا تمطيطاً للعنوان غالباً – ، بل شعور الشفقة.. وكأني أمام حيوانٍ وقع في الفخ. صف المجلات هذا لا يختلف كثيراً عن صفوف أقفاص في حديقة حيوانٍ تدعوني لتفحص الغريب والمثير من كائناتها المختلفة، تماماً كما تموضع حديقة الحيوان “مجموعتها” ضمن بيئةٍ نموذجية فتجلب لها أشجاراً استوائية وكتلاً جليدية لتمنحني فسحةً في عوالمها البعيدة الاكزوتيةـ تمنحني المجلات كذلك بيئةً/سياقاً غرائبياً لقصصها المتجددة كل أسبوع.. تمنحني وهم التلصص من وراء القفص لكائناتٍ حبيسة ورق المجلات وعدسات المصورين. لا يهم أن تكون بالفعل كذلك آم لا. لا يهم أن تزور لها المجلات حكايةً تنفيها الأسبوع المقبل، هذه الكائنات خرجت من جلدها الأصلي وصارت شخوصاً من ورق يتم تدوير مغامراتها كل أسبوع.

عند حديثه عن الجماهير، يقول لوبون أنها ليست بحاجة لآلهة دينية لتعبدها، بل يمكنها في أعتى عصور الإلحاد أن تجعل من أبطالها الوطنية أو شخصياتها المهمة آلهة للعبادة، وقوداً لحماستها الدينية الخفية. لكن ما يومئ لي من أغلفة المجلات ليس آلهة الأولمب ترفل في مجدها، بل آلهةً تموت على يدي عشاقها. موتاً لا كالذي أعلنه نيتشه، بل كالذي انتهى إليه جان بابتيست غرنوي.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s