Traduttore tradittore · ترجمات

قصيدةٌ لأوسكار وايلد | خورخي لويس بورخيس

تميلُ أيّامُ الربيعِ الأخيرةِ لتكونَ رائقةً جدّاً، رَوْقةً لا تقلٌّ أثَراً وَلا قيمةً لدينا عنْ بواكيرِ الفصلِ الفارهةِ، الباذخةِ بكثيرٍ منَ الذكرى. تكنزُ هذه الأيام الأخيرةُ وَفرةَ فصلٍ من الفصول. ثمَّةَ كتّابٌ أيضاً يجسِّدونَ مجدَ قَرنِهم كلَّه وَيضيئونه، في الأشهرِ الأخيرةِ من حقبةٍ أدبيةٍ ما.

كما هو الحالُ مع “هاينهHeine  ” الذي بسطَ مُلكَهُ على العنادلِ المشقشقةِ وَالورودِ الناعسةِ وَالأقمارِ المتعددة- علامةً فارقةً في عصره. يغشى أعمالَ أوسكار وايلد تيارانِ قويّان، الما قبل-رفائيليّ  وَالرمزيّ، يتفجّرانِ من منبعٍ مُستقلٍّ أكثر عن منبعه، وَيُنشِدانِ بصوتٍ أشدّ حميميّة. لا حاجةَ بي إلا لسردِ الأسماءِ الجليلةِ، من بينِ الإنجليزيين، لِـ سوينبرن وَروزيتّي وَتينسون على الأخصّ. يتفوّقُ هؤلاء الثلاثة على وايلد بكثافةِ أعمالهم، إلى جانبِ تفوّقِ الأولِ بابتداعهِ المجازاتِ الفاخرة، وَالثاني بمفرقعاته التقنيّة، وَالأخيرِ بموسيقيّته. لا أستحضرُ هذه الشواهدَ بُغيةَ معارضتِها بالسحرِ المتفرِّدِ لكتاباتِ وايلد ، بل لموضعتهِ بإنصافٍ في زمانه. لم يكن وايلد بالشاعرِ العظيمِ وَلا الناثرِ الخلاق، بل إيرلنديّاً حذِقاً اقتنصَ في أقوالهِ الموجزةِ عقيدةً جماليّةً بعثَرها سابقوه على امتدادِ صفحاتٍ طِوال. كانَ ولداً مُشاغِباً، نشاطهُ مشابهٌ للاستفزازاتِ التي مارسَها كوكتو Cocteau ، وَإن كانت تلميحاتهُ عفويةً وَمشاكِسةً أكثر من تلميحاتِ الفرنسيِّ الصغير. أعمالهُ مشاكَسَةٌ مطلقةٌ، تحُدِثُ صدمةً دائماً دونَ أن تقعَ في وقارِ الغوامضِ أو تكلّفها، هذه الغوامضِ الشائعةِ بينَ فنّانينَ غايةُ أملهِم إدهاشُ البورجوازيين ، وَفي ذلكَ وَفرةُ أمثلةٍ لدى ألمافور  وَفكتور هوغو.

لم تكن مسرحيّةُ theatricality وايلد مغترَّةً بذاتها قَطّ، وَلا انحرفت إلى الوعظ؛ بل معقولةً، تزدادُ معقوليّتها كلّما استعدنا زهوَه الوقِح. وَمن المعروف أنه كان بإمكانِ وايلد الهرب من الحكمِ الصادرِ بحقّه في قضية “كوينزبيري”، لكنه لم يهرب، إيماناً  بأنَّ شهرته كفيلةٌ بإنقاذهِ من تنفيذِ هذا الحكمِ الجائر. حالما تمَّت إدانتهُ باتت العدالةُ راضيةً وَلم تعُد تعبأُ مطلقاً بتنفيذِ الحكم. ثُمَّ تُرِكَ حُرّاً ليلةً بأكملها، ليتسنّى له الهربُ إلى فرنسا، غيرَ أنَّ وايلد لم يلتفت للرحلةِ الطويلةِ في تلكَ الليلة، وَأتاحَ لهم القبضَ عليه في الصباحِ التالي. ثمَّة دوافعُ عديدة تُفسِّرُ موقفه: نرجسيّةٌ، قَدَريّةٌ، وَلعلهُ فضولٌ لتشرُّبِ الحياةِ بمختلفِ أشكالها، أو حتّى حاجةٌ ملحّةٌ لخلقِ أسطورةٍ ترفدُ شهرتهُ المستقبليّة…

كلُّ شيءٍ محتملٌ في عالمِ وايلد، غيرَ أنَّ هناكَ تفسيراً لهذه الحادِثة قد يحِلُ لُغزاً نفسيّاً بارزاً آخر في حياته؛ لغزَ تحوّله الديني. البعضُ يشكك في أصالةِ هذا التحوّل، لكنّني مصممٌ على عدمِ ذلك. وَالحقيقةُ التي أقنعتني هيَ التحوّل الكُلّي في أسلوبِه، وَذلك في تخلّيهِ عن زُخرُفِ العبارة، إلى جانبِ لفظهِ البسيط الذي يكادُ يكونُ بيتيّاً عامياً. تنضحُ قصيدةُ “أنشودةُ سجن ريدنغ ” المُؤثِّرة بتفاصيلَ واقعيّة، وَثمَّة خشونةٌ متعمَّدةٌ في التعبير. يقولُ في الكانتو canto الثالثِ من قصيدته: “قرعنا الصفائحَ وَزعقنا بالترانيم”، يبدو مستحيلاً ورودُ عبارةٍ كهذه لدى مؤلِّف “سالومي” بقدرِ استحالةِ ورودِ دعابةٍ في دروسِ “كاليكستو اويلا ” البديعية.

على كُلِّ حالٍ، سنُجانِبُ الصوابَ إن حسِبنا أنَّ جُلَّ قيمةِ القصيدةِ الشهيرة ينصبُّ في نبرتها الأوتوبايغورافيّة وَفي ما نستخلصهُ منها حولَ شخصِ وايلد. قصيدةُ “أنشودةُ سجن ريدنغ” شعرٌ أصيل؛ شهادةٌ يُقِرُّ بها فؤادُ كل قارئٍ وَيتلوها مراراً. تقشُّفُها صادِم؛ بالكادِ نعرفُ شيئاً عن الشخصية الرئيسة، وَأوّلُ ما نعرفُ عنه تقريباً أنّهُ سيعدَم، أي عن عدمِ وجوده. بيدَ أنَّ موتهُ يؤثِّرُ فينا. إنَّها لمأثرةٌ عظيمةٌ أن تجعلَ شخصيةً، بالكادِ وُجِدَتْ، غيرَ موجودة. وايلد حقق هذه المأثرة.

 
1 The Pre-Raphaelites : حركةٌ فنيّةٌ إنجليزية نشأت في العصرِ الفكتوري، وَتمرّدت على الأساليب التقليدية في الرسم ناشدةً البساطةَ وَالاقترابَ من الطبيعة، من روّادِها دانتي غابرييل روزسيتي. امتدَّت هذه الحركة إلى الشعرِ أيضاً.
2  شاعرٌ وَروائيٌّ وَمنتج أفلامٍ فرنسي (1889-1963م).
3  شاعر أرجنتيني (1854-1917) .
4  شاعر وناقد أرجنتيني (1857-1935).
 

* عن مجلة (دارين)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s