Uncategorized

تلكَ القرادة الوحيدة

 perfume2

“جان بابتيست غرنوي” ..

لن يسعكَ نسيانُ هذا الاسمُ بسهولة بعد الآن. يزعمُ “زوسكند” في مستهل روايته – وَيكرر زعمه في مطلعِ الفيلم – أنَّ “غرنوي” اسمٌ طواهُ النسيان، لكنَّ زعمه لن يدومَ طويلاً.. فـ بطلُ “العطرِ” باتَ راسِخاً في الذاكرةِ كما هو “دوساد، سان جوست، فوشيه أو بونابرت وَغيرهم”. ذلكَ أنَّ زوسكند منحَ بطلَهُ مواصفاتٍ تراجيديّة لا تليقُ إلا بأبطالِ الملاحمِ العظمى، معَ اختلافٍ ليسَ بسيطاً، فصورةُ بطلِ “العطرِ” التراجيديّ على النقيضِ تماماً من المعاييرِ الأرسطيّة. يرسمُ أرسطو أبطالَ التراجيديا العظمةَ متجسّدةً، باستثناءِ مثلبةٍ واحدةٍ “tragic flaw” تُودِي بهم، بينما يقدِمُ “غرنوي” من أرذلِ الأماكنِ وأشدِّها وضاعة، بل إنَّ موهبته الفريدة/عظمته الوحيدة هيَ التي تودي به وَتُنهي حياتَه.

 

الرائحةُ هي هاجسه الوحيد، بالرائحةِ يُعرِّفُ العالمَ من حولهِ وَيتعرَّفُ إليه. وَلأنًّ وسيلتهُ في التواصلِ تمتازُ عن غيرهِ من البشر، بل ربّما لأنَّ الرائحةَ علامةٌ ملتبسةُ المعنى، كُتِبَ على غرنوي العُزلةُ وَالصمت. “غرنوي” نفسه علامةٌ ملتبسة.. فالكاتبُ يفردُ مساحةً شاسعةً للحيادِ – مرجعهُا الصمت – في شخصيتهِ يصعبُ معها اتّخاذُ موقفٍ منه. إلا أنَّ موقفَ القارئ – كيفما كان – لا يخلو من بعضِ تعاطفٍ معَ البطل. هذا الموقفُ المتعاطف هو ما التقطهُ الفيلمُ وَتوسَّلَ بهِ لتأويلِ بعضِ المشاهدِ أو إجراءِ تغييرٍ طفيفٍ (!!) عليها لتخفيف حِدَّةِ الصدمةِ التي يمكنُ لشخصيةٍ متطرِّفةٍ كهذه أن تخلقها لدى عينِ المشاهد. لذلك جاءَت جريمتا القتلِ الأولى وَالثالثة عَرَضيّتانِ في الفيلم، لتسدَّا البابَ أمامَ أيِّ تأويلٍ قَدَريٍّ أو سيكولوجيٍّ تمنحنا إياه الرواية؛ فالقاتلُ يستحوذهُ هاجسٌ يعميه عمّا يفعل، وكما أنّهُ لا يُصنِّفُ الروائحَ كـ “زكيّة” وَ”نتنة” ، فكذلكَ الأفعالُ لا تُصنَّفُ لديهِ بمعيارٍ أخلاقي “خير/شر” .

 

كانَ “غرنوي” مثقلاً بلعنته، لعنةِ الموتِ التي حلَّت عليه مُذِ اختارَ الحياةَ على خلافِ إخوتهِ الأربعة. ما كانَ لهُ أن يعيش، وَإذْ عاشَ سارَ بلعنته لتطالَ كُلَّ من اتّصلَ به “أمه/ المربية/ الدبّاغ/ بالديني/ دومينيك دروو”. قَدَرُ “غرنوي” أنْ يعيشَ منسيّاً وَيموتَ منسيّا، أنْ يُمحَى منَ التاريخ، وَلأجلِ أن يُمحى لا بُدَّ لكلِّ شواهدِ وجودهِ أن تندثر؛ بل كانَ لا بُدَّ له أنْ يموتَ  في رُقعةٍ وضيعةٍ على أيدي نفرٍ منسيين، بخلافِ أبطالِ التراجيديا الكلاسيكيّة الذين يحظون بميتةٍ “مشرفةٍ” تخلِّدُ ذكراهم.

 

أمّا وجودهُ فزائلٌ كالرائحةِ التي هي فنّهُ، عرضيٌّ كعذريّةِ فتاة. هذا الجوهرُ المنفلتُ الذي سعى لاقتناصِه، وَهو يجسِّدُ الفكرةَ القديمةَ قِدَم الأزلِ بالسمةِ الملائكيّةِ للأبكارِ؛وَكأنّما جسدُ العذراءِ يختزنُ طاقةً من الطُهرِ وَالحُبِّ كفيلةً بانتشالهِ من قدرِه الذي بلا رائحة، مِن خَلقهِ الغُفلِ من ذاكرةٍ وَكيان.. ليكونَ مسيرُهُ بيننا شفيفاً لا تدركهُ الحواسّ.. لينسلَّ تحتَ أعينِ البشرِ وأيديهم، وَيختلسَ من ضحاياه/موادِّه الخام سرّهنَّ المحكم.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s