و الحكايةُ لا تسيرُ في خطٍ مستقيم  . .

 أبداً

 

كرائحةِ شجنٍ عراقيٍّ قديم

 مثل ما تنقطع جوّا المطر شدّة ياسمين

 كأثرِ قهوة تركيةٍ في فنجانها

 كالشكّ المتربص بك في غبش الليل

 أو كعرصات سردابك السريّ

 السردابُ الذي أطفأت شمعته الأخيرَ قبلَ

 كلهبِ الشمعةِ الأخرى

 كاحتمالِ اللهب في الشمعة الأخرى

 كالأخرى التي لا تنام

 كالطريقِ الموعرة إلى النوم

 كقائمةِ أصدقائها الذين لا تعرفهم

 كأعدائها الذين لا يعرفونها

 كتمارين الفقد

 كمطرٍ في أرضٍ غريبة

 كالمعنى الوحشيّ في مقامِ نهاوند

 الرابضِ كنمرة

 كالخيط الممتد ما بين زهرِ الياسمين والليل .. وكلِّ ما اسّاقطَ بينهما

 كالثقب الأسود في الذاكرة

 كالهاويةِ التي تحدّقُ فيها

 كأكاذيبِ المرآة

 كالنصل الصغيرِ الذي ترعاهُ تحت فراشها

 كأكاذيبها

 كجرحٍ مفتوح

 كهواءِ ظهيرةٍ شرقية

 كأقراصها التي التهمها الخبّاز

 كالتابوت الصغير الذي تسمّيه قلباً

 كصلاةِ العجم

 كاليدِ التي رأتْ كلَّ شيءٍ “**

 كأسماءِ الحزنِ المائة

 كظلالِ بورخيس

 كرئةٍ تضيقُ

 كوصيتها الأخيرة

 الوصية التي لن تكتبها

 كشبحها يبكي وحيداً في الزاوية المعتمة التي كانت تخافها

 كرطوبة الزاوية المعتمة

 كرعشة الموسيقى الحزينة

 كأنفاسِ الواحدةِ ليلاً

 كحموضة عناقيدها

 كما يُهيّاُ لها

 كمقيصٍ  قُـدَّ

 كنُقطةٍ

 أولّ السطر

 كالمسافة بين ما تفكّره وما تلفظه

 كالمسافة بين ما تدوّنه وما تمحوه

 كاللامفكّر به

 كالمفكر بهِ على وجلٍ

 كوشمِ جرحٍ قديم في الخاصرة

 .كأنفِ فرجينيا وولف

 

                                          November 3, 2011

 * آسرة ” مملكة الأخيضر ” لمحمد علي اليوسفي

** كلّما رأى علامة ، أمجد ناصر

Et moi je suis peintre

 

Image

كانوا يتمايلونَ بأطوالهم المتفاوتةِ كعيدان قصبٍ في البرد.. الفتيةُ الثلاثة الذين عبرتُ بهم شارعَ هذا الصباح. ينحني والدُهم – أو من بدا والدَهم – على حقيبةِ السيّارةِ في حيرةٍ، أو ما بدت لي حيرةً وَهو يولي ظهره للريحِ والعابرين، وذؤابتا “شماغه” الأحمر ترتخيانِ على عريضِ كتفيه تخفيانِ قلقَ وجهه.

أسمعُ الموسيقى من مسجلّة سيارتي – أو ما أسميها تجاوزاً سيّارتي إذ أرتقيها – ، أسمعُها وَلا أسمعُه ملوّحاً لأوسطهم أن يترجّلَ، ليحملَ عموداً يضاهيه طولاً من مؤخرة السيارة وَيتقدّم به لوالده.. أو من بدا لي والدَه.

وَكأنّ في انفصامِهُ عن الجسدِ الصفيحِ وخروجهِ إلى عُري الهواء رخصةً إلى الآخرَينِ ليهبطا ويقتحما التجربة. يقفون بمحاذاةِ والدِهم – أو من بدا والدَهم – كتِفاً إلى كتِف.

 

الثلاثةُ بأطوالهم المتفاوتة,

الأوسطُ بثوبٍ أبيضٍ تعتليه كنزةٌ بنفسجٌ خُتمَت بأحرفٍ بيضاءَ

F A M E

الأكبرُ يدسّ كفّيه في جيوبِ الكنزةِ الرمادية برداً أو تململاً، وَيشرئبُ بعنقِ المراهقِ ذي النظارةِ العريضة متفقداً المشكلة.

أصغرهم – الأقلُّ جرأةً في اقتحام الهواء – يتسلل من مقعد السيارة الجلديّ أخيراً ويندسّ بينهم. بيني وبينَ ضآلةِ جسدِه جسدُ الصفيحِ فلا أميّزُ ما يلبس، غير أنّي لا أخطئ نظرةَ الفضولِ في عينيه.

 

يتمايلونَ كعيدان قصبٍ في البردِ، لعلّ أصغرهم يفكّر في حصّة العلوم التي ستفوته.. لعلّ حصة الرياضة ستُلغى هذا الصباح بداعي البرد.. لعلّ الأكبر نجا من عقابٍ لأنّه لم يحلّ واجب الرياضيات. أو لعل سيارتهم – أو ما أسميها تجاوزاً سيارتهم إذ يرتقونها – تحرّكتْ بمجرد أن تجاوزتُهم.

 

الفتيةُ الثلاثةُ الذين وقفوا وحدَهُم على الضفةِ الإسمنت في عُري الهواء، وَعرباتُ الصفيحِ تتخطّى حيرتهم.

الثلاثةُ الذينَ عبرهم الزمنُ.. ظلوا معلّقين على ناصيتِه في انتظارِ الرحلةِ القادمة.

 

الثلاثةُ الذين..

علقتُ معهم طيلةَ هذا الصباح.

 

February 12, 2011 

يورِيكا روبرت فِسك

tumblr_m84gr8dj6z1rxex2po3_1280

 

Artist: Kaled Al Saai

 

نهاية العام الماضي، تحديداً في اليوم الأخير منه، نشرَ روبرت فسك مقالاً في الانْدبنْدنت يتسائل فيه ما إذا كانت العربية في شكلها الحالي لغةُ متحجرة عرقلت مساهمة العرب في الحركة العلمية عالمياً.

في البداية يشيرُ فسك إلى افتقار اللغة المتداولة إلى الدقة والتعيين، حيث يميل متحدثيها إلى الترجيح – المبالغ فيه ربما – . مُثبتاً فرضيته، يستشهد “فسك” بإجابات اللبنانيين أيام الاحتلال الإسرائيلي، حين كان يسألهم عن عدد الدبابات: كتير. عشرة؟ نعم. عشرين؟ نعم. ثمة افتقار خطير للوضوح، بلا شك” يعلقُ فسك.

ثم يدعم فسك روايته باستشهادين أساسيين، أحدهما لحسن الكرمي ، الباحث اللغوي، والآخر لوليد الكبيسي، وهو غير مختص في اللغة، لكن هذا حديثٌ آخر. ملخص الاستشهادين أن العربية الفصحى عصية على التعلم حتى لو أمضى الفرد أربعين سنة في محاولة ذلك، وأن المعاجم العربية لا تساير التطور اللغوي الحديث، على سبيل المثال: يحتوي أحد المعاجم العربية على ٦٠٠ اسمٍ للجمل! على عهدة فِسك.

يختم فسك مقالته بتعليقٍ لريم تركماني حول مساهمة العرب في العلوم في الماضي، ويطرح خلاصة قوله متساءلاُ ما إذا كان الفارق بين الكلمة المكتوبة والمحكية سبب هذا التراجع؟

 

هنا ينتهي حديث فسك،

ملاحظاتي حول المقالة تنحصر في محاور ثلاثة:

 

 

- افتقارٌ خطير للدقة ؟

يستهل فسك مقاله ويختتمه بالفكرة نفسها: هل أدى افتقار اللغة العربية للدقة إلى إفقارها علمياً؟

ثمة نقطتين بحاجةٍ للإيضاح هنا:

 

الأولى: على فرض أن قصة فسك حول اللبنانيين وعدد الدبابات صحيحة، هل يعد المثال الذي أورده كافياً لإثبات ادعائه؟ أليس مثل هذا الاضطراب والتشويش في تحديد العدد طبيعياً في أوضاعٍ حرجة مثل هذه؟ من يتوقع من المشاهِد – أياً كانت لغته – أن يقف لإحصاء الدبابات عشرةً كانت أم عشرين؟ هذا مطلبٌ قد لا يتمكن من استيفائه المراسلين الصحفيين أنفسهم في أوقات الأزمات.

 

الثانية: لو افترضنا أن العربية تفتقر فعلاً إلى مفردات دقيقة تصف العدد، لنفترض أنه لا يوجد في العربية “عشرة” و”عشرين”، بل “واحد” و”أكثر من واحد” فقط. هذا الافتراض ليس عبثياً، لأن افتراض وجود لغات لا تحدد العدد ممكنٌ علمياً. لنضيق هذا الافتراض ونقل أن العربية المحكية فقط “اللهجات” تفتقر إلى الدقة.

إذن.. على فرض أن العربية المتداولة تعاني من افتقارٍ إلى الدقة تعبيرياً، هل يؤدي هذا إلى عجز المتحدث بها عن إدراك هذه الدقة؟

ثمة فرضية لغوية شهيرة بهذا الخصوص، تسمى فرضية اللغوية النسبية، وتنبني على القول أن لغة الشخص تحد من إدراكه للعالم. أحد الأمثلة التي طرحها مؤيدو النظرية كان عن مفردة “ثلج” لدى أهل الاسكيمو، وكيف أن لهذه المفردة في لغتهم مرادفات عديدة لأنواعٍ مختلفة من الثلج، في حين أن اللغات الأخرى لا تصف الثلج بغير مفردة واحدة، ولا تميز بين أي من أنواعها، بل لا تدرك حتى وجود هذه الأنواع.

مثل هذه الفرضية دعمت القول بتفوق لغاتٍ على أخرى وقدرتها على حمل رسالة التحضر والتمدين. اتُهمت لغات السكان الأصليين لأمريكا مثلاً بوقوفها حائلاً دون تمدينهم، واتُبعت سياسات لإبادة هذه اللغة أو أقلاً التخلي عنها.

لكن هذه النظرية لم تدم طويلاً، واللغويون حالياً يتجهون إلى التأكيد على أنه حتى لو افتقرت لغة ما إلى مفهوم معين، هذا لا يحدد مصير متحدثها نهائياً، ولا يعني عجزه عن إدراك هذه المفاهيم أو تعلمها. اللغة – في نهاية الأمر- كائن حي قادر على التكيف والاستمرار.

لنتذكر مثال ابن رشد وترجمته لكتاب الشعر لأرسطو. حين جُوبه بمفهومين حديثين هما “الملهاة” و”المأساة” وعجز عن استيعابهما، ترجمهما إلى المديح والهجاء (في وقفٍ خلدته مخيلة بورخيس في قصته الجميلة). قد يقول قائل أن هذا يبرهن على ما قالت به النسبية اللغوية من عجز الإدراك بسبب حاجز اللغة. لكن الواقع أني أكتب عن هذه الحادثة الآن – بعد أكثر من ثمانمائة عام من وقوعها – باللغة العربية. لم تتغير قواعد اللغة العربية بعد، لكن إدراكي لهذا المفهوم ظل ممكناً.

 

 

- الفصحى والمعاجم العربية :

استعار فسك أقوال كتابٍ عربٍ آخرين للاستدلال حول صعوبة العربية الفصحى. وأنا أتفق معه جزئياً في مواضع وأختلف في أخرى.

هل الفصحى التي يتعلمها الطلاب في المدارس صعبة وبعيدة عن واقع التداول ؟

نعم.

هل هذا يعني أنها لم تتغير؟

لا.

نعم: الفصحى كما تُدرَس الآن في حصص النحو لا تشبه كثيراً اللغة المتداولة. أثبتت عشرات السنوات من دروس الإعراب والاشتقاق والنداء والمنادى بأمثلةٍ مستقاةٍ من شرح الألفية فشل هذه العملية في تعليم أبنائنا التمييز بين التاء المربوطة والمفتوحة. لكن هل هذا يعني أن الفصحى ميتة أو متحجرة؟ من يفتح نشرات الأخبار أو المسلسلات المدبلجة – احم .. سابقاً – أو الأفلام الوثائقية أو مسلسلات الكرتون، يدرك أنها ما زالت حيةً ومتداولة – وإن في نطاقٍ خاص – وأنها مفهومة من قبل الشريحة المتعلمة بشكل واسع – حتى أولئك الذين لا يميزون بين التاء المربوطة والمفتوحة – .

أين المشكلة إذن؟ المشكلة أن اللغة الفصحى أيضاً مرت بتغييراتٍ منذ عصر قريش حتى الآن، هذه الفصحى التي نسمعها في نشرات الأخبار لا تشبه في شئٍ المعلقات السبع. هذا التغيير الواقع هو ما ترفض المعاجم العربية القبول به إلا بحذرٍ شديد. أغلب المعاجم واقعة في فخ القواعد التوجيهية (prescriptive) التي تفرض على المتحدث “قُل ولا تقُل”، عوضاً عن أن تتجه إلى القواعد الوصفية التي تحلل استعمال اللغة حالياً وتقبل بها كنموذجٍ حيٍ ومشروع للغة العربية.

 

 

- مساهمة العرب في العلوم: 

النقطة الأخيرة التي وثب إليها فِسك هي مساهمة العربية في تخلف العرب علمياً (مع حذف تساؤله “الاستشراقي” و”الإشراقي” الأخير في المقال والذي لا ينتمي لجدله في شئ).

هذا التساؤل يُسطّح عملية البحث العلمي وكأنها وجبة عشاءٍ يحضّرها الشخص في مطبخ منزله. لا يمكننا فصل التقدم العلمي عن معدلات الفقر والأمية الشائعة في العالم العربي، وعن الأنظمة القمعية التي تتغذى على إفقار الشعب مادياً وعلمياً وإخضاعه لها. البحث العلمي كحركة وطنية مؤثرة غير ممكن إذا كان يفتقر إلى الدعم السياسي والمادي. العجيب أن فِسك يستشهد بمقولة ريم تركماني عن نهضة العرب العلمية في الماضي، وبقدر ما أكره استحضار أمجاد الماضي والبكاء على الأطلال، ليس من المحق أبداً أن نتجاوز عن حقيقة أن العرب كانوا حضارةً مؤثرةً حينئذٍ، وأن دعماً سياسياً للحركة العلمية كان قائماً لتزدهر. مثل هذه الحقيقة البسيطة التي تم تكرارها وابتذالها في الكتب المدرسية لا يغير من واقع كونها حقيقة: حقيقة أن العلماء ليسوا نساكاً في فوهة جبلٍ، وأن نظرياتهم لا تتخلّق في لحظة استرخاء تحت ماء “الشَوَر”.

 

“يوريكا!” ليست أكثر من خرافةٍ جميلة.

 

توتة توتة.. خلصت الحدوتة.

لو أنّ مسافراً في ليلةٍ شتوية | إيتالو كالڤينو

Italo Calvino

أدناهُ ترجمتي عن الانگليزية للفصل الأول من رواية إيتالو كالڤينو الجميلة “لو أن مسافراً في ليلةٍ شتوية”

ها أنتَ على وشك الشروع بقراءة رواية إيتالو كالڤينو الجديدة، لو أن مسافراً في ليلةٍ شتوية. استرخِ. ركّز.  بدد كلَ فكرةٍ أخرى. دعِ العالم من حولكَ يتلاشى. من الأفضل أن تغلقَ الباب؛ وأن يكونَ التلفاز دائماً في الغرفةِ المجاورة. قُل للآخرين حالاً، “ لا، لا أريدُ مشاهدة التلفاز!” ارفع صوتك – وإلا لن يسمعوك – “أنا أقرأ! لا أريدُ أن يتم إزعاجي!” لعلهم لم يسمعوك، مع كل تلكَ الجلبة؛  اهتف أعلى، إصرخ: “أوشكُ على قراءةِ روايةِ إيتالو كالڤينو الجديدة!” أو إنْ شئتَ، لا تقل شيئاً. تمنَّ فقط أن يتركوكَ وحدك.

جِد أكثر الأوضاعِ راحةً: جالساً، مسترخياً، مقرفصاً، أومستقلياً. متمدداً على ظهركَ، جنبكَ، أو بطنك. على كرسيٍ مريح، أو مقعدٍ، كرسيٍ هزاز، أو قابلٍ للطي، أو مُتّكأ. على أرجوحةٍ شبكيةٍ، إن كنتَ تملكُ واحدة. فوقَ سريركَ، بالطبعِ، أو داخله. يمكنكَ أن تقفَ على يديكَ، ورأسكَ للأسفلِ، في وضعية اليوغا. والكتابُ مقلوبٌ، بطبيعةِ الحال.

بلا شكٍ، يستحيل عليك إيجاد الوضعية الأمثل للقراءة. في سالفِ الأزمنةِ كانوا يقرؤون وقوفاً عندَ منصة. اعتادَ الناسُ الوقوفَ على أقدامهم دونَما حركة. هكذا كانوا يرتاحون حينَ يرهقهم امتطاءُ الخيل. ما من أحدٍ فكر بالقراءةِ على متنِ الخيل؛ غير أن فكرةَ القراءةِ جلوساً على سرجٍ، والكتابُ مسنودٌ على عرفِ الخيلِ، أو مشدودٌ إلى أذنه بأداةٍ خاصة، تجذبكَ الآن. ستشعرُ حتماً براحةٍ تامةٍ كي تقرأ وقدمك على الرِكاب؛ قدمكَ المرفوعةَ شرطُ متعةِ القراءةِ الأول.

حسناً، ماذا تنتظر؟ مُد ساقيك، ضع قدميك هيا على وسادةٍ، أو اثنتين، على ذراعِ الأريكة، على جناجيِ المقعدِ، على  طاولةِ القهوةِ، على المكتبِ، على البيانو، على الكرةِ الأرضية. اخلعْ حذاءكَ أولاً. إن شئتَ، ارفع قدميكَ عالياً. إن لم تشأ، أعدهما مكانهما. لا تقفْ الآن بحذائكَ في يدٍ والكتاب في اليدِ الأخرى.

اضبطْ الإضاءةَ كي لا ترهقْ عينيك. قم بذلك الآن، إذ إنك حالما تنخرط في القراءة، لن يزحزحك شئ من مكانك. تأكد أن الصفحةَ لا تقع في الظل، كتلةَ من أحرفٍ سوداء على خلفيةٍ رمادية تحتشدُ ككومةِ فئران؛ لكن كُن حذراً ألا يسطع الضوء الساقطُ عليها كثيراً، متوهجاً على بياضِ الورقةِ الوحشي، ناخراً ظلالَ الأحرفِ كما لو في ظهيرةٍ جنوبية. حاول أن تتنبأ بكل ما قد يجعلك تقاطع قراءتك. السجائر في متناول يدك، إن كنت تدخن، والمنفضة أيضاً. أي شئٍ آخر؟ هل تشعر بحاجةٍ للتبول؟ حسناً، أنت أدرى بذلك.

ليسَ الأمر أنك تتوقعُ شيئاً من هذا الكتاب بعينه. أنتَ من الصنف الذي، من حيث المبدأ، ما عاد يترقبُ شيئاً من أي شئ. ثمةَ كثرٌ، أصغرَ منكَ أو أكثرَ شباباً، يعيشون على ترقب التجاربِ الاستثنائية: من الكتبِ، الأشخاصِ، الرحلات، الأحداثِ، مما يخبؤه لهم الغد. لكنكَ لستَ واحداً منهم. أنتَ تدركُ أن أفضل ما يمكنك ترقبه هو تجنب وقوعِ الأسوأ. هذه هي النتيجةَ التي خلصتَ إليها، فيما يتعلق بحياتكَ الشخصية والأمورِ العامة، حتى الشؤونِ الدولية. ماذا عن الكتب؟ بما أنكَ حرمتَ نفسكَ تحديداً لذة الترقبِ الغضة في المجالات الأخرى، تؤمنُ أن من حقك منح نفسكَ هذه اللذة في نطاقٍ محدودٍ وَحذرٍ كمجال الكتب، حيثُ لأملك أن يصدق أو يخيب، لكن خطرَ الخيبةِ في الأمرِ ليسَ جسيماً.

إذن، لفتكَ في الصحيفةِ خبر صدورِ “لو أن مسافراً في ليلةٍ شتويةٍ”، كتابِ إيتالو كالڤينو الجديد، الذي لم يَنشر لعدة سنوات. فتوجهت إلى المكتبةِ وابتعتَ الكتاب. جيدٌ جداً.

من واجهةِ المحل تعرفتَ فوراً على الغلافِ من عنوانه الذي كنتَ تبحثُ عنه. متتبعاً هذا الامتدادَ البصريَّ، قطعتْ طريقك عنوةً عبر المحل متجاوزاً العقبةَ الكأداءَ من كتبٍ لم تقرأها كانتْ تعبسُ في وجهك من على الطاولاتِ والأرففِ محاولةً تثبيطك. لكنك تعلم أن عليك ألا تسمح لنفسكَ بأن ترتاع، وأن بينها تمتدُ لأفدنةٍ متطاولةٍ كتبٌ لا تحتاجُ قراءتها، وكتبٌ أعدت لأغراضٍ أخرى غير القراءة، وَكتبٌ تقرؤها قبلَ أن تفتحها حتى لأنها تنتمي لصنفِ الكتب التي تُقرأ قبلَ كتابتها. وهكذا تتجاوزُ طوقَ الأسوارِ الخارجية، غير أنك تُهاجَمُ بعدها من قِبل فوجِ جنودِ كتبٍ كنتُ ستقرؤها بلا شكٍ لو عشتَ أكثر من حياةٍ، لكن أيامكَ معدودةٌ للأسف. تتمكن من تفاديها بمناورةٍ سريعةٍ لتتحركَ صوبَ كتائبِ كتبٍ تنوي قراءتها لكن ثمة كتب أخرى ينبغي قراءتها أولاً، وَكتبٍ مرتفعةِ السعر الآن وستنتظر حتى يتم تخفيضها، وَ الكتبِ المذكورة آنفاً حتى تتم طباعتها في أغلفةٍ ورقية، وَ كتبٍ يمكنك استعارتها من شخصٍ ما، وَ كتبٍ قرأها الجميع فكما لو أنك قرأتها أيضاً. تراوغُ هذه الهجماتِ لتقعَ تحتَ أبراجِ القلعةِ حيثُ ترابطُ قواتٌ أخرى:

الكتبُ التي كنتَ تخطط لقرائتها منذ دهر،

الكتبُ التي كنتُ تحاول اصطيادها منذ سنواتٍ دونَ نجاح،

الكتبُ التي تتناولُ موضوعاً تعملُ عليهِ في الوقتِ الحالي،

الكتبُ التي تريد امتلاكها حتى تكون بمتناول اليدِ في حالِ احتجتها،

الكتبُ التي قد تخصصها للقراءةِ هذا الصيف،

الكتبُ التي تريدُها أن تكمّل كتباً أخرى في رفك،

الكتبُ التي تغمرك بفضولٍ غامضٍ مفاجئٍ، يصعبُ تبريره.

ها قد تمكنتَ الآن من تقليصِ ما لا يُحصى من الكتائب المتربّصة إلى صفٍ واحدٍ، كبيرٍ بلا شكٍ، لكنه ما يزالُ محدوداً قابلاً للعدّ؛ غير أن هذا الاطمئنان النسبي سرعان ما ينهارُ واقعاً في كمين كتبٍ قرأتها منذ زمنٍ وحان وقتُ قراءتها من جديد وَ “”كتب تظاهرت طويلاً بقراءتها وحان وقت الجلوس لقراءتها حقاً.

بحركةٍ ملتفةٍ تفر منها وتثبُ إلى قلعةِ الكتب الجديدةِ التي يعجبكُ مؤلفيها أو موضوعاتها. يمكنكُ صنعُ بعض الثغرات بين صفوفِ المدافعين حتى داخل هذا الحصن، مجزِّئاً إياها إلى كتبٍ جديدةٍ مؤلفوها أو موضوعاتها ليست جديدةً (بالنسبة لكَ عموماً)” وَكتبٍ جديدةٍ مؤلفوها أو موضوعاتها مجهولةٌ (لديكَ أقلاً)”، ومعرّفاً الجاذبية التي تمارسها عليكَ بناءً على رغباتك وحاجاتكِ إلى الجديدِ والمألوف (حيثُ تسعى إلى المألوف فيما هو جديد وإلى الجديدِ فيما هو مألوف).

كل هذا يعني ببساطةٍ أنك، وبعدَ أن ألقيتَ نظرةً خاطفةً على عنوانِ المؤلفاتِ المعروضةِ في المكتبة، اتجهتَ صوبَ مجموعةِ نسخٍ من “لو أن مسافراً في رحلةٍ شتوية” طازجةًً من المطبعةِ، أمسكتَ بنسخةٍ، وحملتها إلى المحاسِبِ كي يُؤَسَسَ لكَ حقُ اقتنائها.

تلقي نظرةً حائرةً أخرى على الكتب من حولك (أو: هي الكتبُ بالأحرى التي نظرت إليك، بتحديقةِ الكلابِ الحائرة، التي تنظرُ من أقفاصها في حظيرةِ المدينةِ إلى رفيقٍ سابقٍ يغادرُ مقيداً إلى سيده القادم لإنقاذه)، ثم تخرج.

تستقي لذةً خاصةً من الكتاب حديث الصدور، وليسَ الكتابُ فقط ما تحمله معكَ، بل جِدتهُ أيضاً، ما قد تكونُ مجرد جِدة غرضٍ خرجَ طازجاً من المصنع،  مجرد الريعانِ الشاب للكتب الجديدة، الذي يدومُ حتى ينحل غلافها إلى الاصفرار، وَيستقر الغبارُ على حافته العلوية، حتى يبلى تغليفه في خريفِ المكتباتِ العامةِ الخاطف. لا، دائماً ما تأملُ أن تلقىَ الجِدّةَ الأصيلةَ التي تستمرُ على الجِدة التي كانت عليها مرة. بقراءةَ هذا الكتاب حديثِ النشرِ، ستتملكُ هذه الجِدة فورَ اللحظة، دونَ حاجةٍ لتعقبها ومطاردتها. هل سيتم الأمر هذه المرة؟ لا يمكنك الجزمُ أبداً. لنرَ كيف يبدأ.

لعلك بدأتَ تصفح الكتاب مسبقاً في المحل. أو لعلك لم تتمكن من ذلك، لكونه ملفوفاً تحت طيات السِلوفان؟ أنتَ في الحافلةِ الآن، واقفٌ بين الزحام، وذراعك تتدلى من الحزام المعلق، تشرعُ في فك الرِّزمة بيدكَ الطليقة، ممارساً حركاتٍ كقرد، قردٍ يريدُ تقشير موزةٍ وفي الآن ذاته يتعلقُ بغصن. احذر، أنت تزاحمُ مجاوريك: اعتذر، أقلاً.

أو لعل بائع الكتبِ لم يغلف الكتاب، وأعطاكَ إياه في كيس. مما يسهل الأمور. أنتَ خلف مقود سيارتك، في انتظارِ إشارة مرور، تخرجُ الكتابَ من الكيس، تمزق التجليد الشفاف، وتبدأ بقراءة الأسطر الأولى. عاصفة من المكابحِ تزمرُ فوقك؛ الضوء أخضر، وأنتَ تعطّل المرور.

تجلسُ خلفَ مكتبك، تضعُ الكتاب بين أوراقِ العمل كما لو أن الأمر صدفة؛ في لحظةٍ معينةٍ تحرك ملفاً وتجدُ الكتابَ أمام عينيك، تفتحهُ في ذهول، تضع مرفقيك على المكتب، وصدغيك بين كفيك المقبوضتين، تبدو كمن يركز على فحص الأوراق، عوضاً عن ذلك تستكشف صفحات الرواية الأولى. تنتحني إلى ظهر المقعد شيئاً فشيئاً، ترفعُ الكتاب إلى مستوى أنفك، تميلُ بالمقعد، متكئاً على ساقيه الخلفيتين، تفتحُ درجاً جانبياً من المكتبِ لتسند قدميك عليه. وضعيةُ القدمين خلال القراءةِ أمرٌ بالغُ الأهمية، تمد ساقيك فوق المكتب، فوق الملفات التي تنتظر الإرسال.

لكن ألا يفتقرُ هذا إلى الاحترام ؟ ليس المعنى احترام عملك (لا أحد يدّعي انتقادَ قدراتك المهنية: فنحنُ نفترض أن مهامك ما هي إلا تفاصيل عادية ضمن منظومة الأنشطة العقيمة التي تشغلُ جزءاً كبيراً من الاقتصاد المحلي والعالمي)، بل احترامَ الكتاب. بل الأمر أدهى إن كنتَ تنتمي – بمشيئتك أو ضدها – إلى الفئة التي يعني لها العملُ عملاً بالفعل، أي تأديةَ شئٍ – عفواً أو عن سابق إصرارٍ – ضروريٍ أو على الأقل ليس غير ذي قيمة للآخرين ولأنفسهم؛ إذن والحال كذلك فالكتابُ الذي أحضرتَه معك إلى مكان عملك كتميمةٍ أو طلسمٍ ما يعرضك إلى إغراءٍ متقطعٍ، بضعِ دقائق تسترقها كل مرةٍ من موضوعِ تركيزكَ الرئيس، سواءً كانَ خرمَ البطاقات الإلكترونية، إشعال فرن المطبخ، التحكم بجرّافةٍ، أو مريضاً ممدداً على سرير العمليات بأحشائه المكشوفة.

بعبارةٍ أخرى، من الأفضل لكَ أن تكبحَ لهفتك وتنتظر فتحَ الكتاب في المنزل. الآنَ. نعم، أنتَ في غرفتك، هادئٌ، تفتحُ الصفحةَ الأولى من الكتاب، لا، الصفحات الأخيرة، أولاً لتعرفَ طول الكتاب . ليسَ طويلاً، لحسن الحظ. الرواياتُ الطويلة المكتوبة في الوقت الحاضر تشكلُ تناقضاً على الأرجح: فبُعْدُ الزمن قد تهشم٫ ما عدنا قادرين على الحب أو التفكير إلا على مدى شظايا زمنية تلتف في مداراتها الخاصة لتضمحل حالاً.  يمكننا إعادة اكتشاف استمرارية الزمن في روايات الفترةِ التي ما عاد الزمنُ فيها يبدو كما أنه قد توقف ولم يدنُ إلى حافة الانفجار بعد، فترةٍ لم تدم أكثر من مائة عام.

تقلب الكتاب بين يديك، تتفحصُ الجُمل في ظهر الغلاف، عباراتٍ مطاطةٍ لا تفصحُ عن الكثير. هكذا أفضل، ما من رسالةٍ يصم ضجيجها في حمقٍ رسالةَ الكتاب التي يجب أن تصلك مباشرةً، الرسالة التي يتوجب عليك استخلاصها من الكتاب، مهما صغرت. إن هذا الدوران في الكتاب، بلا شكٍ أيضاً، هذه القراءة حوله قبلَ القراءة فيه، جزءٌ من اللذة الكامنة في الكتاب الجديد، لكنْ ككل اللذات الافتتاحية، فإن عمرها يدومُ فقط ليخدمَ رغبتكَ في دَفعةٍ نحوَ لذة تحقيق الفعلِ الجوهرية، أيْ، لذةِ قراءةِ الكتاب.

إذن ها أنتَ هُنا الآن، مستعداً للانقضاض على الأسطرِ الأولى من أولِ صفحة. تتهيأُ لتتعرفَ على نبرةِ المؤلف الجلية. لا، أنتَ لا تميزها على الإطلاق. لكنك حين تفكرُ بالأمر الآن، من قالَ أن للمؤلفِ نبرةً جَلية؟ بل هو معروفٌ، على النقيضِ من ذلك، ككاتبٍ يتبدلُ كثيراً من كتابٍ لآخر. وفي هذه التبدلاتِ تميزهُ كذاته. لكنهُ هنا يبدو كأنه يفتقر لأي رابطٍ بينه وبين كل ما كتب سابقاً، كما تتذكر على الأقل. أأنتَ محبط؟ لنرَ. لعلكَ تشعرُ بالضياعِ أول الأمر، كما يحدثُ حينَ ترسم ملامحَ لوجهٍ ما من خلال معرفة اسمه، وحين يظهرُ أمامك تحاولُ الجمعَ بين الملامح التي تراها الآن وبين ما حددته في ذهنك سابقاً، لكنك تفشل. غير أنك تكمل مسيركَ لتجدَ أن الكتابَ قابلٌ للقراءة، بغض النظرِ عما توقعته من المؤلف، فما يثيرُ فضولك هو الكتابُ نفسه؛ في واقع الأمر، حين تمعن التفكير في الأمر، تجد أنك تفضله على هذا النحو، أن تواجه شيئاً لا تعلمُ تحديداً ما هو.

عن الوقوف جميعاً ..

كنتُ قد نسيت تماماً – أو هكذا ظننت – الدقائق الصباحية العشر التي أمضتيها وقوفاً كل صباحٍ على مدى اثني عشر عاماً في طابورٍ طويل، حسبتُ أني نسيتُ وقوفنا الخاطف تحيةً لمديرة المدرسة، أو المتردد المتوجس أو المندفع المتحمس لترديد إجابةٍ كما وردت بأسطرها في كتاب، والوقوف عقاباً أوتأهباً لعقاب، الوقوف انتظاراً أو تزاحماً أمام المقصف المدرسي.

ظننتُ أن هذه السنوات مضت.. وأن العمر الذي أمضيته كرَقَمٍ بين مجموع، كاسمٍ في قائمةٍ طويلة، كجسدٍ يميعُ في حشدٍ بذات اللون .. حسبته مضى. وأنا أضع ساقاً على ساقٍ في قاعةٍ أكاديميةٍ تحفني مختلف المشارب والألوان: من الصين إلى أمريكا، مروراً بتايوان واليابان وكوريا والبرازيل وتشيلي. لا أحد يشبهني، لا أحد يتحدث بلساني، كنت أزهو بتفردي، حتى التفتت المحاضِرة وقالت: لنقف جميعاً !

لنقف جميعاً !

ثمة ما استيقظ الآن، لثانيةٍ أو اثنتين استيقظ هذا الشعور القديم: لستُ فرداً، لستُ واحداً مفرداً لا مثيل لي. عدتُ رقماً بين حشد من الناس. لا اسم لي، لا وجه. لستُ من ينجز المهمة، أنا المهمة ذاتها، أنا ما أنجز من المهمة وكيف أنجزها فقط.

 ما كنتُ أحسبه انتهى كان يتخذ شكلاً مغايراً فحسب.

ما ظننت أني فررت منه في أرضٍ أخرى كان حاضراً هنا أيضاً.

لا أدري إن كان للتعليم مفرٌ من أن يكون غير هذا: وصفةً جاهزةً نلقح بها القرية بأكملها.

ثمة سبب يجعلنا نمل الكتب – مهما بلغت جودتها – ما إن تصبح جزءاً من مقرر ما: التعليم لا يشبه التعلم في شئ، التعليم الذي يفترض وجود الأجوبة في حين يحرض التعلم المزيد من السؤال، التعليم الذي ينتهي بورقة امتحان في حين يبدأ التعلم عند كل امتحان، التعليم في تسلسله وانتظامه ، والتعلم في عبثيته ومصادفاته ولا انتظامه.

ثمة ما لا نقع عليه وقوفاً .. منتظمين في طوابير طويلة منتظرين من يلقمنا الأجوبة.

ثمة ما لا نجده إلا صدفة، ما يحرمنا النوم، والجلوس، والوقوف طويلاً في مكانٍ واحد. هذا ما يريد أن يحرمنا منه التعليم الآن.. هذه الرغبة الوحشية لالتهام كل شئ، لمعرفة كل شئ، ما لا يتسع العمر ولا الروح لحمله ولا استيعابه. لسنا أفراداً.. بل طاقةً يريد التعليم لملمتها وحفظها في أنابيب.. خزنها للمستقبل المجهول أو المعلوم.

يعرف النظام أنه إن تركنا نمضي “هدراً” .. قد تمضي القرون القادمة نركض حفاةً ونأكل العشب. يفزع النظام من هذه الفكرة.. يُفزعنا منها.

لا يسألنا.. لا نسأل: إن كنا نريد أن نركض حفاةً ونأكل العشب..

بدلاً من الوقوفِ طويلاً.. جميعاً.

عن آرگو

movies_argo_poster

نالَ “آرگو” درزينةً من الجوائز وما زالَ مرشحاً لدرزينةٍ أخرى ستفصح عنها الأوسكار بعد شهرٍ من الآن تقريباً. كنتُ أترقب موعد عرضه في دار السينما لأشاهده طازجاً.. بدل أن أؤجل الأمر حتى موعد نزوله على أقراص الـ”بلو رَي” ليقتنصها قراصنتنا الطيبون. إشادات الأصدقاء لم تكن أقل تحفيزاً. ها أنا أقتطعُ تڈكرةً بدولارات أربعة وأتخذ مقعداً في أعلى الدار المعتمة، في حضني صحنٌ يفيض برقائق الناتشوز والجبنة السائلة – زاداً لساعتي الظهيرة.

بدأ الفيلم.. وانتهى.

هكذا كما تمر حيوات من أمامك وتمضي دون أن تترك فيك أثراً، تماماً كرقائق الناتشوز التي كنت تتلمظين ملوحتها في مخيلتك ثم تجدين نفسك عالقةً مع صحنٍ ممتلئ برقائق ورقٍ لا طعم لها. ينتهي الفيلم.. تعرفين أن الناتشوز ملأ الفراغ في معدتك لكنك لا تشعرين بأي شبع، كالفيلم الذي شغل ظهيرتك لكنه لم يعمر روحكِ بما يكفي.

ما المشكلة ؟

بِن افلِك أدى دوراً رائعاً كالعادة.. كمخرج وممثل. ما إن تعتم دار السينما وتضئ شاشتها حتى تجدين نفسك في آلة زمنية تحملك إلى أواخر السبعينات: إلى طهران.. إلى أواخر السبعينات.. إلى وهج الثورة.. الدم الذي يشتعل في العروق والدم الذي يسيل في الشوارع.. روائح الغضب والتعب والتمرد. يتمثل أمامك شعبٌ يعرفُ أنه يصنع تاريخه.. وإن كان لا يعرف أي تاريخٍ يصنع. نعم.. آرگو برع في تجسيد هذه اللحظة. لو كان فيلماً وثائقياً لما ترددت في منحه نجوماً خمسة.

لكنه ليس وثائقياً طبعاً، أليس كذلك ؟

آرکو -ببساطة- فيلم آكشن بخلفية تاريخية. وأنا وأفلام الآكشن لسنا رفقةً طيبة. صحيحٌ أني أؤمن بالقيمة الجمالية بالحركة والعنف الصادم في سياقاتٍ خاصة، لكن كم فيلماً يستطيع أن يخرج من جلباب هوليوود ويقدم لنا متعة جمالية كهذه ؟

 ثمة “آكشن” .. لكن بالتعريف الهوليوودي فقط: الحركات المستهلكة من صراع الخير والشر والبطل الذي ينجو في آخر لحظة. (سپويلر: مثلاً الحركة الاستعراضية أنو الطائرة تقلع والحرس الثوري يكتشف في آخر لحظة -طبعاً- يطلع ع سيارات جيب ويلحقها، يعني كانوا مفكرين الطائرة حتوقف لهم؟!  كنت مصدومة أنو مشهد بهالسذاجة الفنية ممكن يتضمنه الفيلم) .

الفيلم يبدأ بإشارة اعتذارية إلى دور السي آي أيه في الإطاحة بمصدق، لكنه يستغرق الساعتين التاليتين في تلميع بطولاتهم وتمجيدها. المنظمة التي بذلت سعياً مكيافيلياً لحماية مصالحها، تصبح في الفيلم مؤسسة إنسانية ترفض تسليم الشاه لمرضه. لو أن الفيلم لم يبدأ بهذه الإشارة، لوجدته أكثر اتساقاً مع مضمونه. لكن هذه الخلفية التاريخية لم تكن أكثر من ادعاءٍ للحياد أو في أفضل الأحوال محاولة للتكفير.

أن يتفق الفيلم أو يختلف مع الثورة فهذا شأنه. لكن فيلماً ينظر من كوة السياسة لا يجد في الآخر – الشعب الإيراني هنا – بكل أفراده سوى العدو: كتلة بدائية متماثلة من أفرادٍ همجيبن ، محدودي الرؤية وسطحيي التفكير، على درجة من الشر بحيث يتوثبون للانقضاض عليك وتمزيقك، لكنهم من السذاجة بحيث تلهيهم صور كرتونية لفيلم مفبرك.

آرگو يقيمُ أيضاً هذه الثنائية الحادة بين الإسلامي والعلماني، وهو برأيي خطأ لا يغتفر عند الحديث عن ثورةٍ شعبية انخرط فيها الشعب بأطيافه، بعض النظر عن كونها اتخذت مساراً إسلامياً لاحقاً. منذ بداية الفيلم يشير الخطاب إلى الإطاحة بنظام مصدقي “الديمقراطي العلماني” ، وكأن الإطاحة بنظام إسلامي عمل مشروع سياسياً. وعلى مدى الفيلم يقدم الشخصيات الرجالية الملتحية أو النسائية المتشحة بالسواد على أنها الشخصيات الأكثر عنفاً وعدائية، في حين أن شخصية أكثر إنسانية مثل “سحر” ترتدي حجاباً أحمراً. مثل هذا التعميم تبسيطي جداً ولا أهضمه بسهولة*.

أخيراً،

هل يستحق المشاهدة؟ الجواب: نعم.

ثمة في الفيلم ما يُرى، ما يُحكم لهُ أو عليه. ليسَ خسارةً عظمى للوقت – أقلاً ليس كالخسارة التي يخلفها الكثير من الغثاء الهوليوودي – لكنه لا يقدم رؤية جديدة، لا قراءةً مختلفة، لا شئ إشكالياُ أو مثيراً للجدل. آرگو وجبة سهلة الهضم، سريعة النسيان.

——

 * فيلم “انفصال” لآصغر فرهدي يقدّم برأيي رؤيةً إنسانية رائعةً للمجتمع الإيراني، خلافه الطبقي والديني في العمق.

funny-blackfriday-3

ذكرني سعار الشراء في ال”بلاك فرايدَي” بالمقولة الشائعة عن العرب أنهم لا يحسنون الانتظام في طوابير. لكن يبدو أن مسألة النظام لا تختلف كثيراً عن شعوب أخرى. ليس الأمر أن “ما حدا أحسن من حدا”، لكن ما ينطوي خلف هذه الظواهر أعمق من أن يتم اختزاله في نظرة “جينية” تقرّ تفوّق عرقٍ ما وتحضّره على عرق آخر. هذه المقارنة تقيس ثقافةً بمعايير ثقافة أخرى، وسواءً تم الأمر قصداً أو بحسن نية، فهي تُرجِع الحال إلى سببٍ متجذر في العرق لدى العرب يمنعهم من التفوق، كما تبرر وضعهم الحالي وترسّخ حالة اللافاعلية والخمول ملقيةً اللوم على أسباب عصية على التغيير.

الواقع أن شكل التنظيم يختلف ببساطة من ثقافةلأخرى. خدمة المشترين من مخبز أو فوال- مثالاً- لا تتم بصورة اعتباطية،لكنها تعتمد مبدأ
first come, first served.
.مع استثناءات تتضمن كبار السن أوالنساء. هذه قيمة ثقافية خاصة، وإن أخذت شكلاً أقل صرامة من الطابور. انتظام المصلين في الصلاة يمثل أيضاً شكلاً من التنظيم العمودي والأفقي: عمودياً بتقديم الأعلم أوالأكبر سناً أو الرجال على النساء، وأفقياً بالاصطفاف كتفاً إلى كتف. وسواءً اختلفنا أو اتفقنا مع القيمة الثقافية التي يمثلها فهذا لا ينفي هذا عنه صفة التنظيم.
أما الفوضى التي نراها عند المقصف المدرسي أو التخفيضات فلا تختصّ  بعرق دون آخر. أولاً: مبدأ الوفرة والوقت يحددان مستوى النظام. معرفة المستهلك بوفرة الموارد وتوفر الوقت الكافي للحصول عليها تؤثر على سلوكه. في مقصفٍ مدرسي يستمر ١٠ دقائق ولا يوفر إلا وجبات محدودة، يصعب ضبط رغبة المستهلك في التملك. ثانياً: القدرة على فرض النظام ومنح تعليمات واضحة حول شكل الانتظام المطلوب، أما أن نفترض بأن أي مجموعة أفراد يجمعها صدفةً الحيز المكاني ذاته ستقرر شكلها التنظيمي الخاص مباشرةً وبشكل عفوي أمر من ضرب الخيال. هذا التنظيم مسؤولية السلطة -من الإدارات الحكومية إلى صاحب الفوّال- لا مسؤولية الجمهور.
مقولة شائعة أخرى تتعلق بعدم التزام العرب بالوقت. المسألة ثقافية أيضاً بنظري أكثر منها مسألة عرقية. تقسيم الوقت لدينا يختلف عن ثقافات أخرى. فهو يتقسّم بشكل عام حول مواقيت الصلاة: بعد صلاة العصر/المغرب، قبل العشاء. دون تعيين أدق. هذا الأمر صار صعب التطبيق مع استعارة أنظمة إدارية ومدنية حديثة تمنح قيمةً ثقافيةً للانضباط الصارم بالوقت. ما حدَثَ أن هذه الأنظمة لم يتم استنساخها تماماً ولا تكييفها ثقافياً- مما أدى إلى ضعفٍ في الأداء الإداري لدى الموظف الحكومي مثالاً، إلى جانب أسباب أخرى.
هذه القيمة الثقافية للالتزام بالوقت في مجال العمل تتعرض للمراجعة في الثقافة الغربية. شركات مثل گوگل مثلاً تتخذ نظاماً مرناً يركز على العمل المنجز من قبل الموظف لا على إحصاء ساعات حضوره.
نموذج مشابه آخر هو نظرية كابلن حول ال
contrastive rhetoric
، والتي تقضي بأن الكتابة لدى الشعوب السامية “تلف وتدور” حول الموضوع في مقابل مباشَرَة الكتابة الغربية التي تدّعي النظرية أنها تنتقل في خطٍ مستقيم من نقطة أ إلى ب. واقعاً المُباشَرة مسألة نسبية. في الكتابة -والخطاب عموماً- يُسلسل المُرسل المعلومات وفقاً لأهميتها للمتلقي، كما أن تقدير المعلومة المهمة يختلف من ثقافة لأخرى. بعض الثقافات تهتم بتهيئة المستمع بتزويده بخلفية مناسبة، البعض الآخر يهتم بإيجاز المعلومة قبل تفصيلها، في حين يهتم آخرون بمنح الخطاب قوة ومصداقية عن طريق افتتاحه بمقولة مأثورة أو دينية كما يحدث في الخطابات الدينية. ما يُعد مهماً ومباشراً في ثقافة ما قد تراه ثقافة أخرى تفصيلاً جانبياً أو هامشياً.
الأمثلة لا تحصى.
من هنا تقع الكثير من المقولات الي تحترف -بحسن نية – جلد الذات وإلقاء الملامة على العربي وكأنه عرق متخلف، متجاهلةً كمّ العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تحاصر وضعه وترسّخ خضوعه، بل تتسلح بهذه المقولات عن جهله وعدم جاهزيته لتبرر تقييد حريته والتقليل من قدرته على الاختيار. وهي لا تختلف كثيراً عن المقولات الاستعمارية التي تبرر إخضاع شعبٍ ما واستنزاف موارده بحجة تمدينه وتحضيره، الفرق أنها تصدر عن أبنائه هذه المرة.