اعترافٌ صغير لامرأةٍ وحشيّة

علاقتي بقدَميَّ متذبذبةٌ دائماً، تعكسُ مزاجي الجوزائي المتأرجح بين أقصى الأشياءِ وأدناها. قبلَ العشرينَ لم أفكر بقدميَّ كثيراً، وأنا أعني القدمين تحديداً، هذا الجزء الغريب الذي تنفرُ منه نتوءاتٌ خمسة، لا الساقين التي نستيقظ على الحاجة لتشميعها وتلميعها مع أول دَورةٍ شهرية.

معَ بوادر العشرين، وقفتُ بساقين نحيلتين ترتجفان أمام الصفِ الجامعي لأعرضَ “برِزِنتَيْشنَ” ما. كانت الأستاذةَ الأنيقةَ جداً تجلسُ إلى جانبي (كنتُ أقفُ إلى جانبها بالأحرى) وتخترق جسدَ الفتاة التي خرجتَ تواً من سني مراهقتها بعينين ثاقبتين. (لم ألتفتْ لعينيها حينها بالطبع بسبب اضطرابي، لكن هكذا شعرت بهما). في لحظةٍ ما خفضتُ رأسي لأقرأ سطراً من الورقة، حين صارتْ قدمايَ وقدما الأستاذة في مجالِ نظري دفعةً واحدة. كانت قدميها لامعتين مشدودتَي الجلد، بأظافر منحوتةٍ بعناية ومصبوغةٍ جيداً. قدماي، من ناحيةٍ أخرى، رغم أنهما لم تكونا متسختين – أنا الحريصة على الاستحمام جيداً كل صباح – لكنهما كانتا باهتتَي اللون، متشققتين، جافتينَ وكالحتين كوجهِ فتاةٍ ريفية. هذا أنا، فتاةٌ قرويةٌ تخرج من بلدتها الصغيرة إلى مدينةٍ كئيبةٍ ومزدحمةٍ  -حيثُ جامعتها -كل يوم. ومعَ أن الفارقَ العمراني بين القرية والمدينة في بلدِ كالسعوديةِ ليسَ صارخاً جداً، إلا أن الفارق التركيبي بينَ أقدامنا كان كذلك. لَم تُكن تنورتي بالطولِ الذي تستُر به هذا العُرْيَ الذي انكشفَ فجأة. منذئذٍ صرتُ أكثرَ تنبّهاً لصورَ الفتيات اللاوتي يتكدّسنَ في زوايا المبنى وَلا يخرجنَ إلى الشمسَ خشيةً على جلودهن الناعمة، الفتيات ببشراتٍ شفافةٍ جداً يخرجنَ مناديلَ صغيرةً وعَطِرةً من حقائبَ أنيقةَ وَيمسحنَ أقدامهنَّ بلطف.

 

في طفولتي حلمتُ أن أكونَ أشياءَ كثيرة، لكنّي لم أحلُم يوماً أن أكونَ عدّائة. ربما لأنني كنتُ عدّائةً بالفعلِ حينها. كان يُبهجني أن أنطلقَ في سباقٍ للعدو معَ الأولاد من العائلة. لا، لم يُبهجني فقط، بل يبعثَ في جَسدي نشوةً لا مثيل لها، أن تنطلقَ ساقي الصغيرتين مع الريحِ وتسبق الأولادَ جميعَهم. وكانت العادةُ أن نعدو بأقدامٍ حافية. منْذا يحتاجُ حذائين وتربةُ الأرضِ الزراعية تتطوّع مع كل وثبةٍ برضىً وخنوع! هكذا كبرتُ وأنا أركضُ حافيةً في المزارع. وحينَ صارَ لزاماً علي أن أتدثرَ بعبائتي اتخذتُ “مشّايَ” المنزلِ الضيقِ مساراً ماراثونياً أحرقُ فيه طاقةَ المُراهَقةِ الجديدة. لكنهُ كانَ مساراً غرانيتياً قاسياً تشققت فوقه قدميّ الحافيتين وأنا أعدو لسنوات. كنتُ أعرفُ أن قدميَّ تتشققا لدرجةٍ يصعبُ على الزمنِ علاجها، ولطالما نظرتَ لهما بحزنٍ.. غير أنه حزنُ لم يدُم أكثرَ من دقائقَ تطويها بهجة الجسد المتصبب عَرَقاً.

 

غيرَ أني كبرت كثيراً، لم يعُد يليقُ بي أن أعدو (المراتُ القليلةُ التي حملْتُني فيها إلى الجمنازيُم لم تخلف فيَّ ذاتَ الفرح القديم). صار عليَّ أن أرعى هذا الجسدَ، أنحتَهُ وأصقله وأدهنه، وأعدّهُ للنظرةِ المتفحصة. النظرةِ التي تمنحهُ معنىً لتسلبَ منه معنى، التي تجوّفهُ وتطرقهُ لتسمعَ صدى إعجابها يتردد في دواخله الصقيلة. مُذاكَ وأنا أيضاً صارَ لي نظرةٌ متفحصةٌ للنساءِ وأقدامهن. اعتدتُ تخمينَ أعمارهنَّ، مستواهنَّ الاجتماعي والاقتصادي، ما إذا كنَّ يعملنَ أم لا، كم طفلاً لديهنَّ. أتخيّلهنَّ يلقينَ رؤساً متعبةً أو خفيفةً على كرسيِّ الصالون، ويستمتعنَّ بدقائق العناية الملكية التي تفوز بها أقدامهن. أتخيلهنَّ.. لأني بالطبع لم أضع قدَمَي مرةً تحت رحمةِ “البديكير”. أشعرُ أني إن فعلتُ سأكشفُ سراً من أسراري الصغيرة، سأوِدعهُ يديَّ غريبٍ لا أعرفه، وَسيلقي هذا الغريب عليَّ محاضرةً عن العناية بقَدَمي، وسأهزُّ رأسي بلطفٍ وابتسامةٍ غبيةٍ لأني لم أقل يوماً في حياتي لغريبٍ: “هذا ليسَ من شأنك” (بالطبعُ قلتُ هذا لكثيرٍ من الأحباب لأن احتمالية تدخلهم في شؤوني أكبر). أن أعتني بقَدمَي.. هذا شأنيَ الخاص، ألتفتُ لها مرةً كل أسبوعٍ، شهرٍ، سنة. وَبنعمةٍ من الأحذية “الفلات” و”التومز” لن يلتفتَ أحدٌ لكَم هيَ وحشيةٌ وبريّة، تكادُ لا تنتمي لجسدٌ جهدتُ في جعله مقبولاً لدى الآخرين.

وحشيةٌ وبريةٌ كما هيَ روحيَ الآنَ.. وأبداً.

 

حياة موازية

مكتبة الجامعة، الأسبوع الأخير قبل الامتحانات النهائية:

يصعب العثور على طاولةٍ وحيدةً في هذا الوقت من الفصل الدراسي، فضلاً عن غرفةٍ منفردة! أمضي يومي كاملاً – أو ما أتمكن من ادخاره بين الحصص، أو قبلها، أو بعدها – أمام وجوهٍ لا أعرفها، ولا يتجاوز التواصل بيني وبينها نظراتٍ خاطفةٍ كلما انتابنا ملل، أو طلبَ مراقبةَ اشيائنا الثمينة (اللابتوبات دائماً وأبداً) حين نحتاج استخدام الحمام أو احضار وجبةٍ سريعة. 

أكثر من ١٢ ساعة أمضيها في الجامعة. طويل؟ ليسَ تماماً. مقارنةً بحجم الواجبات التي أحتاج إنجازها، يمر الوقت أمامي كلمح بصر. 

أودّ أن أقول: هذه حياتي الآن. هذا ما أفعله. كما يمكن لأي شخصٍ  آخر أن يقول. لكني أدرك الفرق. أعرفُ أن المسألة ليست ببساطةٍ

shifting gears 

بل هي عيشُ حياتين موازيتين، إحداهما أحضرُ فيها مادياً: ما أنجزه وما أستغرق فيه وقتي طيلة اليوم،

والأخرى هي النص الآخر من الحياة الذي لا أفعله، ولا أحضر فيه، لكن أشعر أنه كان يجب أن أكون هناك. واضحة الفكرة؟

ثمة حياةٌ أخرى، لا.. ليست تلك الأخرى التي في المخيلة. ليست أحلام اليقظة التي تتعزى بـ لو لم أكن أفعل هذا الآن لأنجزت ذاك. بل الحياة التي أشعر أنه كان ينبغي أن أمضيها في هذه اللحظة. حياة الأم التي تخرج من المنزل وهي تشعر أنها كان يجب أن تظل فيه. ليست مسألة إحساسٍ بالذنبِ فقط. بل إحساس الظل الذي لا يعود يتبعك. بل يفترق عنك إلى تلك الحياة الموازية ويمارس فراغك هناك. يمارس؟ يعزز هذا الفراغ ربما. 

أعرفُ أن أشياء أخرى تحدث في غيابي. الأشياء التي قد تكون ذاتها ما يحدث في حضوري، تكرر ذاتها من جديدٍ فقط. وأفكر أن لا شئ جديد. لكني فكرة الفوهة التي تأكل المكان هناك، الوجه المقصوص من الصورة، الظل الباهت على الجدار، هي ما يلاحقني الآن. 

الراتب ما يكفي الحاجة ؟

ملاحظة أولية: هذه التدوينة تخطيط مبدئي في محاولة لفهم ظاهرة استهلاكية معينة. ولأن معرفتي بالاقتصاد ضئيلة جداً، فأنا أرجو من هذه التدوينة لا شرحَ الظاهرة، بل الانطلاق من المعطيات التي أملكها الآن لفهمها أكثر، إما عبرَ الإفادة من أي قارئٍ قد يمر من هنا، أو عبرَ قراءاتٍ وملاحظاتٍ أكثر موسوعيةً تعيدني إلى الموضوع ذاته مجدداً. 

saudi-shopping-malls-650_416

أذكر أنه قبل أقل من عشرة أعوام، كانت فكرة شراء حقيبة يد يتجاوز سعرها ٥٠٠ ريال ضرباً من الجنون في محيط عائلتي الكبيرة. الآن، لا تخلو يدُ واحدةٍ من الفتيات من حقيبةٍ “ماركة” أو اثنتين يتراوح سعرها بين الـ ١٠٠٠ والـ ٥٠٠٠ ريال. رغم أن هذا المبلغ ليسَ الأكبر بالنسبة لأسعار حقائب اليد النسائية، إلا إنه يعد كبيراً مقارنةً بما كان يُعتبر باهظ الثمن في المحيط الذي أعرفه. اللافت في الأمر أن سلم الرواتب لم يتغير كثيراً في السعودية في مقابل تضخم الأسعار في السوق، كما أن فرص الوظائف الحكومية التي تضمن استقراراً ومرتباً معقولاً – نسبياً- تضائلت كثيراً مع تدهور الإنفاق الحكومي على مشاريع التنمية وجمود أغلب مؤسسات الدولة في الوقت الحالي. تكفي نظرة واحدة على الهاشتاگ الشهير “#الراتب-ما-يكفي-الحاجة”، وعلى الحملة التي شُنت لمقاطعة ارتفاع أسعار الطماطم، وعلى الطوابير الطويلة عند الإعلان عن الوظائف – قبل أن تستغني عنها المؤسسات بالتقديم الإلكتروني- للتثبت من الأمر.

إذن نحن في مقابل حالتين متناقضتين ظاهرياً: الأولى ضعفُ الرواتب أمام ارتفاع الأسعار، والثانية زيادةُ الإنفاق الشرائي لدى الطبقة متوسطة الدخل – إذا صح تعميم الوضع في المحيط الذي أعرفه – . ولأجل فهم هذا التناقض سأحاول تدوين بعض النقاط هنا، على أمل تكوين صورة أكثر وضوحاً عن الوضع الاستهلاكي في المجتمع الآن:

- بسبب الأزمة الاقتصادية التي مرت بها الحكومة السعودية في التسعينات – إن كان فهمي للأمر صحيحاً – والتي أدت إلى عجزها عن المحافظة على مستوى الرفاهية الذي تمتع به جيل ما بعد الطفرة، وانفتاحها تبعاً لذلك نسبياً على الأسواق العالمية وتشجيعها للاستثمار في السوق السعودية إضافة إلى تسهيل الاستثمارات التجارية، بسبب كل هذا غزت الماركات العالمية الساحة السعودية بشكلٍ أشد كثافة من السابق. كما أدى ازدياد العمل التجاري إلى اشتداد المنافسة على جذب المستهلك وإغراقه بالإعلانات والعروض، مؤدياً أخيراً إلى زيادة في الإنفاق. (يُلاحَظ أيضاً القفزة الكبيرة في عدد المجمعات التجارية في البلاد خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة). 

 

- أدى السماح “المقيد” لتوظيف المرأة في القطاع الخاص إلى زيادة نسبة الاستقلال المادي لدى هذه الشريحة. ولأن المتعارف عليه مجتمعياً أن الإنفاق على المنزل مسؤولية الرجل، يتيح هذا الاستقلال للمرأة إما الإنفاق على نفسها مباشرةً، أو التخفيف من عبء الإنفاق على المنزل ثم التمتع بالمبلغ المتبقي.  (قد لا يكون هذا الاستنتاج صحيحاً، لأن السماح للمرأة بالعمل في القطاع الخاص أتى بعد ضعف توظيفها في القطاع الحكومي – خاصةً التعليم).

 

- الطفرة التنموية اللي تمر بها دول مجاورة كقطر والإمارات كونت نموذجاً لمجتمع مقارب للمجتمع السعودي ثقافياً لكنه يتفوق عليه استهلاكياً، هذا النموذج الذي يتطلع إليه السعودي بعين الغيرة والإعجاب معاً ويحاول محاكاته. كما أن القرب الجغرافي لهذه الأسواق وعامل الجذب فيها كمدن سياحية “أليفة ثقافياً” وفر للسعودي مورداً جديداً للاستهلاك يتفوق على ما توفره الأسواق السعودية (وقد يفسر هذا النمو المتزايد لمحلات الماركات العالمية في الأسواق السعودية مؤخراً، بعد أن شكلت جذباً لذات المستهلك في الدول الأخرى). لعل هذا وذاك أديا إلى تكوين طبقة اجتماعية تحاول مساواة نفسها استهلاكياً بالمجتمعات في قطر ودبي، حتى وإن كانت لا تملك القدرة الشرائية ذاتها. هي محاولة لـحفظ ماء الوجه أولاً وأخيراً.

 

- الانفتاح الإعلامي الذي شهدته المملكة خلال العقد الأخير، ولا أعني على مستوى حرية التعبير، بل على المستوى التكنولوجي الذي أتاح للمستهلك السعودي الإطلاع على ما يتيحه التسوق الإلكتروني خارج حدوده الجغرافية، والشراء إلكترونياً إما مباشرةً أو عن طريق وسطاء ـ كتاجرات النت “النموذج المطور عن تاجرات الشنطة” مثالاً- لمن لا يملك توفير بطاقة ائتمانية. (هذا يعتمد أيضاً على مدى استعداد البنوك لمنح هذه الميزة لذوي الدخل المحدود. قد تكون هذه نقطة بحاجة لمزيد من البحث).

 

- لعل “التسهيلات” التي صارت البنوك توفرها لذوي الدخل المحدود سواءً عن طريق القروض أو “التقسيط المريح” أو إتاحة الحسابات الإئتمانية ساهمت في خلق وهم امتلاك المال، أو -أقلاً- وهم تأجيل عدم امتلاكه، مما يوهم المستهلك بالقدرة على اتباع نمط معيشي مترف غير قادر على توفيره حقيقةً. 

 

- قد يكون تضخم أسعار الأراضي أيضاً بشكل جنوني أحد الأسباب. فحين ينفض السعودي يده من فكرة امتلاك أرض وبناء منزل على المدى القريب، يعني أنه أصبح أقل ميلاً للادخار لهذا الحلم المستحيل، وأكثر رغبةً في الانفاق على ما هو حاضر ومباشر. إن جوالاً بألفي ريال أو حقيبة بخمسة آلاف أرخص نسبياً من منزل تبلغ مساحته أقل من ٣٠٠ متر وقيمته بأكثر من مليون ريال. 

 

- لعل ما ساهم في استمرار هذه الظاهرة أن الجيل الجديد – رغم حاجته – ما زال ابناً لجيل الطفرة، والتكوين الاجتماعي للمجتمع يساعد في اتكال هذا الجيل نسبياً على الجيل السابق له، بحيث يعتمد الإبن على أبيه في توفير سيارة أو مهر للزواج أو مسكن. هذه المساعدات تتيح للجيل الحالي الاتجاه للإنفاق على ما هو غير أساسي. هذا الاتكال الذي يتخذ شكل مساعدات أولية يقدمها الاب لإبنه ليتمكن من تكوين حياة جديدة، قد لا يكون مطروحاً كخيار للجيل التالي إن استمر الوضع على هو عليه.

لست أكيدةً من النسبة التي تساهم بها أي من هذه العوامل في رفد الظاهرة، غير أن الأكيد أن المواطن العادي ما زال قادراً رغم الظروف الاقتصادية الصعبة على تزييف نمط معيشي مترف، وأن الحاجة رغم إلحاحها لم تبلغ القدر الذي يدفع هذه الشريحة لتكوين قوة ضغط لتغيير الأوضاع، ربما بدافعٍ من عوامل أخرى ليس هنا مجال بحثها.

أعلم أيضاً أن بعض هذه الاستنتاجات قد يكون خاطئاً، بل قد تكون المعطيات ذاتها خاطئة أيضاً، كما أن المصطلحات التي أستخدمها أعلاه ليست صارمة. هي محاولة لتوصيف الظاهرة وأرحب بكل من/ما يدلني على محاولاتٍ أو شروحاتٍ أخرى.

 

مسودّة

أجلسُ في المطبخ إلى مقعد طاولة الطعام الجلدي، أقرأُ روايةً لربيع جابر من شاشة جهازي الماك، أستمعُ لألبوم مشروع ليلى الجديد على الـ”ساوند كلاود” عبر جهاز الآيفون، ورائحة سكرٍ وحليب تغمر المكان. صبيةٌ عشرينية تتنقلُ حولي في المطبخ لتعدَّ حلوىً في دقةٍ وتركيزٍ متناهيين. تلفني برودة الجو: برودة التكييف المركزي، اللمعة الداكنة في الأجهزة الستينلس ستيل، غرانيت الأرضية. هذا مشهدً يمكن أن يكون في أي مكان، كما يمكن أن لا يكون أبداً*.

أنشغلُ بتدوين التفاصيل حولي، المشاهد أراها، لا لأبحث فيها عما وراء المعنى، ولا لأسقط عليها معنىً جديداً. بل لأنها ذاكرةٌ قد تزول في أي يوم. لا ذاكرة الصور فحسب – التي يمكن أن ينقذها ضوء العدسة – بل ذاكرة اللغة التي تصفها. هكذا أقفُ مشدوهةً أمام الصور القديمة لأني لا أملك لغةً لوصفها، أراها، أرى الشجرَ وماء العينِ والمزارعَ البسيط – أكرهُ كلمة بسيط بالمناسبة – ولا أملك من اللغة لوصفهم إلا مفرداتٍ طفلٍ للتو يتعلم مخاطبة العالم من حوله.

يُقال أن الصورة بألف كلمة. لكن صورةً منقطعةً عن سياقها هي شفرةٌ مغلقة.. إما أن نجدَ لها حجرَ رشيد يشرحها، أو ننزعُ لها معنى جديداً.

 

* هذا العالمُ محدودٌ جداً. بالرغم من تنوع الأشياء وتعددها، إلا أن كم الأشياء التي نألفها مهما غيرنا الأمكنة تظل ذاتها: معدن السيارات،اسفلت الشوارع، إشارات المرور، لون الشجر، السماء. رائحة الهواء في المدن المزدحمة، رائحة الهواء في المدن البعيدة. لهب الظهيرة. براز عصافير المدن. وجوه باعة الطرق الكالحة. العالمُ متشابهٌ جداً، لذلك نشيد علاماتٍ حوله كي لا نتيه.

عينٌ واحدة

 

صورةٌ واحدة هي الذكرى المتبقية لي من وجه جدتي -الجدة التي استيقظتُ على هذا العالم وأنا أحمل اسمها بعدََ رحيلها ببضع سنوات – .

صورةٌ باهتةٌ، غامضةٌ، ضعيفةُ الدِّقة، لا تقولُ شيئاً. لا تشبهُ ملامحُها أحداً وتشبهُ كل أحد، كتشابه التواريخِ في ثبتِ المواليدِ الأول للحكومة. 

المرأةُ في هذه الصورة تحدقُ بعينٍ واحدةٍ إلى عينِ الكاميرا الواحدة. وَالعينُ الأخرى نصفُ مغلقةٍ بعد أن ذهبَ بمائها مرضٌ ما. عينٌ واحدة تحدقُ – لا في ارتباكٍ من اقتحام العدسة – بل كما تحدقُ في وجهِ غريبٍ عابر. كانت الكاميرا زائراً سريعاً في عين جدتي، إجراءً شكلياً للعبورِ إلى بلادٍ أخرى، لا شاهداً على هذا الوجه الذي سيضمحل بعد وقتٍ قصير. 

لم يروِ أحدٌ أينَ التُقطت هذه الصورة، ولا من التقطَها. خلفية الرأس محدودة المساحة لا تقولٌ شيئاًً عن المكانِ أيضاً. وَلا يبدو أن المرأة في الصورة تهتم لذلك. ليسَ من دَهشةٍ أمام هذه الآلة، ليسَ من خوف. ليسَ من شهادةٍ أو اعترافٍ ما. ليسَ من رغبةٍ في تركِ أثرٍ للأجيالِ القادمة تنظرُ إليه. كانَ العمرُ قصيراً، وجدتي كانت قد رأت كُثراً يعبرونَ إلى عالم الموتى: زوجاً، أحباباً أثثوا عمرها، أطفالاً أكلهم مرضٌ لا اسمَ له في ليالٍ ثلاثٍ أو ساروا خِفافاً مع خيطِ الفجر الكاذب. 

كانت العين الواحدة تلتقطٌ عينَ العدسة، تعرّيها٫ تعرفُ أن هذه العين لا تصنعُ شيئاً، وأن الخيالَ الذي تلتقطه ليسَ إلا ظلاً على ورق، تبريراً لمتفحصين عابرين للزعم بأن هذا الظل – الذي لا يشبهها في شئٍ – يشبهها. 

 

أنظرُ إلى الصورةِ فأشعرني وراءَ هذه العدسة. أنظرُ فيتملكني الحزن: أنا الغريبُ العابر الذي لم تره، لم تعرفه، ولم تسمع صوته. الغريبُ الذي يحملُ اسمها، لم يسمع صوتها ولم يرَ لها غير صورةٍ غريبةٍ لا تقول شيئاً. 

الحياة ليست دورةً تدريبية

While personal and individual freedom in the workplace is guaranteed, each individual is held responsible and accountable for his or her own actions and well-being. … Individual success or failure are interpreted in terms of entrepreneurial values or personal failings (such as not investing significantly enough in one’s own human capital through education) rather than being attributed to any systematic property (such as the class exclusions usually attributed to capitalism). –

David Harvey, A Brief History of Neoliberalism

 Image

 

 

أعترفُ أني واحدةٌ من آلاف القراء في البلاد العربية وفي العالم الذين – في طور المراهقة وأول الرشدِ، إن كنت بلغته بعد – اعتنقوا مبادئ التطوير الذاتي كدينٍ جديد. كانَ تبشيريو البرمجة اللغوية العصبية يغرسون في قلبي الأمل بالتغيير، وبالقدرة على قلب مقادير الأشياء، فقط ابدأ من هنا.. من الداخل. كان هذا التغيير مغرياً، لأنه ببساطة بسيطٌ ومتاحٌ وقريبٌ في متناول اليد. لم يكن فعلياً دعوةً لـ”تعرف نفسك” كما نفش على باب معبد دلفي، بل إن هذه الدعوة تجاوزت معرفة النفس ابتداءً إلى خلقها، أو استخراج هذه القوة الكامنة المزعومة التي لم نستثمرها كما يجب.

 

ابتعدت عن هذه الدعوات شيئاً فشيئاً. ربما وجدتني أول الأمر حالةً يائسة عصية على عقاقير البرمجة العصبية. لم أتمكن من أن أصبح “إيجابيةً” بما يكفي، تغيرتُ كثيراً – دون إرادتي ودون أن أخطط لذلك، لكن بمحض صدفةٍ معرفية – وكان هذا التغيير أجمل لدي من تغييرٍ متكلفٍ يبشر به كتاب. 

 

مؤخراً صرتُ أقل احتمالاً وأكثر حنقاً من هذه الدعوات، وقد يكون مرد هذا الحنق الوعي الجديد الذي أطلقته ثورات الربيع العربي، القدرة على رؤية التغيير الحقيقي من الخارج هذه المرة. هذه المرة كان اليأس فعالاً، والغضب فعالاً، والنقد فعالاً، والحنق فعالاً. كل هذه المشاعر السلبية التي رفضتها دعوات التغيير الذاتي كانت فاعلةً وقادرةً على تحريك الميت في سياسات العالم العربي – مهما كان موقفنا من النتائج. 

 

صارت دعاوى التطوير الذاتي في نظري ليست مجرد أفيون للناس، بل نداءً برجوازياً جداً يفترض أن العالم بأكمله يمتلك من الموارد ما تمتلكه هذه الطبقة، وهو ملامٌ على عدم تغيير ذاته. هذه دعوة ضمن إطارٍ أكبر يمكنه ببساطة التخلص من لوم الأنظمة عبر لوم الطبقات الأدنى لأنها “جاهلة” أو”متخلفة” أو “سلبية” أو”غير راغبة في التغيير”. أعترفُ أني أقل احتمالاً اليوم لبرامج منوعات سياحية مثل “خواطر” الشقيري التي تبيع الحلم على المساكين بدعوى الإيجابية والتطوير. في حين نفثت سابقاً شيئاً من غضبي في بوستٍ على الفيسبوك، ووضحتُ المبدأ الأخلاقي الذي أنطلق منه لرفضها، لم ألتفت قبل هذه الليلة للجانب الاقتصادي/السياسي من المسألة. 

 

وأنا أقرأ كتاب ديڤيد هارڤي “تاريخ موجز للنيوليبرالية” لفتتني العبارة التي اقتبستها أعلاه. لم يخطر لي سابقاً هذا الربط بين الموضوع الذي ناقشته أعلاه وبين الاتجاه الليبرالي الرأسمالي الذي يسيطر على الإعلام العربي منذ صعود القوة الأمريكية أحادية القطب. في حديثه عن مبادئ الليبرالية، يشير هارڤي سريعاً إلى المسؤولية الشخصية كأحد أهم هذه المبادئ. في نظامٌ يطلق يد الشركات الخاصة – بوصفها أفراداً أيضاً! – لاستغلال الموارد، تقع على عاتق الأفراد أنفسهم – مؤسساتٍ أو أناسٍ مفردين – مسؤولية النجاح أو الفشل. باعتبارِ أن الخيارات مفتوحة – فرضياً – و”يداك أوكتا وفوك نفخ”.

 

تصدير هذا المبدأ إلى البلاد العربية، وإلى أرض الخليج تحديداً، مضحك جداً. فالأنظمة التي استوردت أسوأ ما في الرأسمالية صدرت لشعبها المحروم من الحرية الخطاب ذاته: الشعب مسؤول عن التغيير – حتى وهو لا يملك الخيار- ، لكنه ببساطة غير مهيأ له. إنها الفكرة ذاتها: إنه شعب “متخلف”، “سلبي”، “غير راغب في التغيير”. 

 

“العالم وصل وين واحنا وين !”

هذه المناحة اليومية وجلد الذات اللذان نفرضهما على أنفسنا بشكلٍ مستمر لنقول أننا “متخلفين” ، وكأن الزمن حلبة سباق، أو كأن الزمن يمكن أن يجري في محورين مختلفين. هذه النظرة الاجتزائية إلى مفاهيم ك”النجاح” و”التطور” كسولة جداً إذ تتخاذل عن فحص هذه الأنظمة ضمن إطارها الأوسع وقاصرة جداً إذ تختزل النجاح في شراء جريدة من صندوقٍ في الشارع. 

 

مشهد أخير:

في إحدى حلقات “خواطر” يقدم الشقيري فكرة الشاب الذي ينصب طاولةً لبيع المرطبات والوجبات الخفيفة دونَ أن يُشرف عليها، ويحتفي بالأمانة لدى الناس. لكنه يمرر تعليقاً سريعاً بأن هذه الفكرة لا يمكن تطبيقها في أي مكان في لوس انجلس. لم يقل مقدم خواطر لماذا. 

و الحكايةُ لا تسيرُ في خطٍ مستقيم  . .

 أبداً

 

كرائحةِ شجنٍ عراقيٍّ قديم

 مثل ما تنقطع جوّا المطر شدّة ياسمين

 كأثرِ قهوة تركيةٍ في فنجانها

 كالشكّ المتربص بك في غبش الليل

 أو كعرصات سردابك السريّ

 السردابُ الذي أطفأت شمعته الأخيرَ قبلَ

 كلهبِ الشمعةِ الأخرى

 كاحتمالِ اللهب في الشمعة الأخرى

 كالأخرى التي لا تنام

 كالطريقِ الموعرة إلى النوم

 كقائمةِ أصدقائها الذين لا تعرفهم

 كأعدائها الذين لا يعرفونها

 كتمارين الفقد

 كمطرٍ في أرضٍ غريبة

 كالمعنى الوحشيّ في مقامِ نهاوند

 الرابضِ كنمرة

 كالخيط الممتد ما بين زهرِ الياسمين والليل .. وكلِّ ما اسّاقطَ بينهما

 كالثقب الأسود في الذاكرة

 كالهاويةِ التي تحدّقُ فيها

 كأكاذيبِ المرآة

 كالنصل الصغيرِ الذي ترعاهُ تحت فراشها

 كأكاذيبها

 كجرحٍ مفتوح

 كهواءِ ظهيرةٍ شرقية

 كأقراصها التي التهمها الخبّاز

 كالتابوت الصغير الذي تسمّيه قلباً

 كصلاةِ العجم

 كاليدِ التي رأتْ كلَّ شيءٍ “**

 كأسماءِ الحزنِ المائة

 كظلالِ بورخيس

 كرئةٍ تضيقُ

 كوصيتها الأخيرة

 الوصية التي لن تكتبها

 كشبحها يبكي وحيداً في الزاوية المعتمة التي كانت تخافها

 كرطوبة الزاوية المعتمة

 كرعشة الموسيقى الحزينة

 كأنفاسِ الواحدةِ ليلاً

 كحموضة عناقيدها

 كما يُهيّاُ لها

 كمقيصٍ  قُـدَّ

 كنُقطةٍ

 أولّ السطر

 كالمسافة بين ما تفكّره وما تلفظه

 كالمسافة بين ما تدوّنه وما تمحوه

 كاللامفكّر به

 كالمفكر بهِ على وجلٍ

 كوشمِ جرحٍ قديم في الخاصرة

 .كأنفِ فرجينيا وولف

 

                                          November 3, 2011

 * آسرة ” مملكة الأخيضر ” لمحمد علي اليوسفي

** كلّما رأى علامة ، أمجد ناصر