لحن الربيع لـ توفه يانسن

Image

في مساءٍ هادئٍ وصافٍ أواخرَ أبريل، وجدَ “سنفكين” نفسَهُ بعيداً عن أطرافِ الشمال، ليُشاهد بِرَك الجليد الذي لم يذُب بعد على المنحدرات الشماليّة.

أمضى يومهُ كاملاُ يقطعُ طبيعةً خاليةً لا يكدّرها مخلوق، مصغياً إلى صيحات العصافير وهي تتجّه إلى منزلها شمالاً، عائدةً من الجنوب.

كان المشوار يسيراً إذ أن حقيبته فارغةٌ تقريباً وعقلهُ خالٍ من الهموم. شعرَ بالسعادة تجاه الغابةِ والأجواء،وتجاه نفسه أيضاً. فالأمس والغد بعيدانِ الآن، أما في لحظته الراهنة فالشمسُ تسطعُ في حُمرةٍ زاهيةٍ بين أغصانِ البتولا، والهواءُ ناعمٌ ولطيف.

“إنها ليلةٌ ملائمةٌ لتأليفِ لحن”، فكّر “سنفكن”. لحنٌ جديد، أملٌ في جزءٍ منه، حزنٌ ربيعيّ في جزئين، أما البقيّةٌ فعن البهجة العظيمة للمشي وحيداً وعن مُتعتها.

لقد احتفظَ بلحنهِ تحتَ قبّعتهِ لعدّة أيام، غير أنه لم يجرؤ على إخراجه بعد. إذ يلزمُ أن ينموَ حتى يصبحَ شيئاً من عقيدةٍ بهيجة، ثمُ كل ما عليه أن يضعَ شفتيه على الهرمونيكا ببساطةٍ فتقفز النوتات مباشرةً إلى مواضِعها.

إن أطلقها باكراً، قد تعلقُ في منتصف المسافة مكوِّنةً لحناً نصفَ جيّد، أو قد يفقدها تماماً ولا يجد مزاجاً ملائماً للإمساك بها من جديد. الألحان بالغةُ الجدّة، لا سيما إن كان عليها أن تكون مرِحةً وحزينةٍ في آن.

لكن “سنفكن” كان واثقاً من لحنه هذا المساء. كان اللحنُ هناك، ناضجاً ينتظره – وسصبحُ أفضلَ لحنٍ صنعهُ في حياته.

وحينَ يبلغ وادي المومين، سيجلسُ على سورِ الجسر ويعزفه، وسيقول له “مومِين ترول” حالاً: “إنهُ لحنٌ جيد، لحنٌ جيدٌ بالفعل.”

أوقفَ “سنفكِن” مسيرَه إذ شعرَ بشئٍ من الانزعاج. نعم، “مومِن ترول” المنتظِر والمُشتاق أبداً. “مومن ترول” الذي جلسَ في البيت، منتظراً إياه، معجباً به، قائلاً له دائماً: “بالطبع لا بُد أن تشعر بالحرية. طبيعيٌ أن عليكَ الرحيل. أفهمُ أنك تحتاجُ أن تكونَ وحيداً أحياناً.”

في حين تشتدُّ عيناه سواداً وتمتلآن بالخيبة دونَ أن يملكا فعل شئ.

“اوه، ياه. اوه، ياه” قال سنفكِن لنفسه وواصلَ طريقه.

“اوه. ياه. اوه، ياه. هذا المومن ترول غامرٌ بالمشاعر. لن أفكّر به الآن. إنه مومنٌ رائع غير إني لست بحاجةٍ للتفكير به الآن. الليلةُ سأكون وحيداً مع اللحن، والليلةُ ليست الغد.”

تمكّن سنفكِن من نسيانِ مومين ترول خلال فترةٍ وجيزة. أخذ يستشمّ المكان حوله بحثاً موقعٍ ملائمٍ يخيم فيه، وحينَ سمعَ خريرَ جدولٍ يبعدُ قليلاً داخل الغابة، اتجهَ ناحية الصوت.

اختفت آخر حزمةٍ من الشعاع الأحمر بينَ أغصان البتولا. حينها حلَّ شفق الربيع، بطيئاً أزرقا. تغيّرت الغابة بأكملها، وهامت جذوع البتولا البيضاء بعيداً بعيداً في الغبش الأزرق.

كان الجدولُ لطيفاً.

كانَ يجري بُنيّاً صافياً فوقَ صفٍّ من أوراقِ العام الماضي، خلل معابرَ صغيرةٍ من الجليد الذائب، متمايلاً عبرَ الطحلب الأخضر ومنهمراً على رأسهِ في هيئة شلالٍ صغيرٍ إلى مصبٍ من الرمل الأبيض. في مواضعَ أزَّ بحدّةٍ كبعوضة، ثم حاول أن يرعد ويتضخم، توقّفَ، قرقر بفمٍ ملئٍ بالثلج المذاب، ثم لفظه كلّه ضاحكاً.

وقفَ سنفكِن على الطحلب الرطب مصغياً. “لا بُدَّ أن أضع الجدولَ في لحني أيضاً.” فكّر. “في اللازمة، ربما”

انحدَرَ حجرٌ صغيرٌ فجأة قربَ الشلال فَرفعَ نغمةَ الجدول أوكتافاً كاملا.

“ليسَ سيئاً” قال سنفكن بإعجاب. “هكذا يُقضى الأمر. تغييرٌ مفاجئٌ وعابر. عليَّ أن أجد لذاك الجدولِ لحنه الخاص”.

أخرجَ قِدرَه القديم وغمره بماءٍ من الشلال. ثم نزلَ تحت أشجار التنوب باحثاً عن حطبٍ للنار. ما زالت الأرض رطبةً منأثر الذوبان والمطر، واضطر سنفكن للزحف بعيداً تحتَ الشائك المسّاقطِ بفعل الريح ليجدَ أي عصيٍّ جافة. حينَ مدّ يده، أطلق شخص صرخةً مفاجئة وعبره مسرعاً بين أشجار التنوب، فيما هو يبكي ويصرّ طيلة الوقت.

“اوه، نعم.” قال سنفكن. “مخلوقات الكريب والوودي منتشرة في كل مكان. مضحكٌ كم تبدو متوترةً دائماً. كلما صغر حجمها كلما زاد وثبها.”

وجدَ جذعاً مقطوعاً جافاً وبعضَ العصي فأشعل لنفسه ناراً جيدةً قرب الجدول. اعتادَ سنفكن طبخَ عشائه بنفسه. لم يكن يطبخ عشاءً لغيره طالما أمكنه تجنب ذلك، ولا اهتمَّ يوماً بعشاءِ الآخرين. فالكثير من الناس يصرّون على الحديث خلال الوجبة.

كما أن الناس مفتونون بالكراسي والطاولات، والبعض منهم يستخدم المناديل. بل إنه سمعَ أن “هموليناً” اعتادَ تغيير ملابسه كل مرةٍ قبل أن يأكل، لكن لعل الحديث افتراءٌ عليه فقط.

بذهنٍ مشوشٍ قليلاً، تناول سنفكن حساءه الهزيل وعيناه مثبتتان على الطحلب الأخضر جوارَ البتولا.

كان اللحن قريباً في متناول اليد، سهلَ الالتقاط من ذيله. لكن ثمة ما يكفي من الوقت للانتظار: اللحن مطوق الآن ولا يسعه الهرب. لا، من الأفضل غسل الصحون أولاً، فإشعال غليون – ثمَّ بعدها، حين تخبو النار وتبدأ مخلوقات الليل تنادي بعضها بعضاً، سيقبض عليه.

كان سنفكِن يغسلُ قِدرَه في الجدول حين لمحَ الـ”كريب” جالساً في جهةٍ بعيدةٍ تحت جذر شجرة، ينظرُ إليه. كانت عيناه خائفتين لكنْ تتابعان حركات سنفكن بكل اهتمام.

 عينان خجِلتان تحت مكنسةٍ كثيفة من الشعر، بنظرة يحملها أولئك الذين لا يلتفت إليهم أحد.

تظاهر سنفكن بعدم رؤيةِ الكريب. أوقدَ ناره وَقطع لنفسه بضع أغصان تنوبٍ ليجلس عليها. أخرجَ غليونه وأشعله. نفثَ بعض غيماتِ دخان صوبَ السماء الليلية منتظراً لحن الربيع.

لكن اللحن لم يأتِ. بدلاً عن ذلك شعرَ بنظرات الكريب محدقةً به. كانتا تتابعان كل ما يفعل بإعجاب، أخذ يشعر ببعض الضيق مرة أخرى. صفق ظِلفيه معاً وصاح: “شوو! اخرج!”

بهذا النداء انسل الكريب من تحت جذر الشجرة – في الجهة الأخرى من النهر-  وقال بخجل: “أرجو ألا أكون أخفتك. أعرفُ من تكون. أنتَ سنفكن.”

ثم خطا الكريب مباشرة نحوَ الجدول وبدأ يخوض الماء قاطعاً إياه. لكن الجدول كان واسعاً بالنسبة له، والماء بارداً كالثلج، حتى أنه فقدَ توازنه أكثر من مرة وسقط. غير أن سنفكن كان متضايقاً جداً فلم يفكر ببساطة بمد يد العون.

Image

أخيراً زحفَ الكريب ناحلاً وبئيساً إلى الضفة وقال بأضراسٍ مصطَكّة: “مرحباً. سعيدٌ بلقائك”.

“مرحباً” ردَّ سنفكن ببرودةٍ مماثلة.

“هل لي أن أُدفئَ نفسي بنارك؟” واصلَ الكريب ووجهه المبلل الصغير يضئ بالفرح. “فكّر بالأمر. سأصبحَ الكريب الذي جلس إلى نارِ سنفكن. لن أنسى هذا أبداً.”

اقترب الكريب ومدَّ ظلفاً إلى الحقيبة هامساً بمهابة: “أهنا تحتفظ بالهرمونيكا؟ أهي عندك هنا؟”

“نعم” قال سنفكن بحدة. لحنه ضاع ووحدته ذهبت، تغيّر كل شئ. أطبق أسنانه حول فمِ الغليون محدقاً صوب أشجار البتولا دون أن يراها.

“لا عليكَ مني الآن” قالَ الكريب ببراءة. “أعني، إن كنت تودّ العزف. لم أسمع عزفاً من قبل. لكني سمعتُ عنك. القنفذ والتوفل وأمي، كلهم حدثوني عنك… بل إن التوفل رآك مرة ! نعم، لا تتخيل … لا شئ يحدث هنا … لكننا نحلم كثيراً كثيرا …”.

“حسناً، ما اسمك؟” سأل سنفكن. كانت الأمسية قد أُفسدت على كل حال، لذا فكر أن الحديث أسهل.

“أنا من الصِغَر بحيث لا أملك اسماً” قال بشغف. “في واقع الأمر، لم يسألني أحد عن اسمي سابقاً. لكني ألتقيك، أنت الذي سمعت عنك الكثير ولطالما وددت رؤيتك، ليكون أول ما تسألني عنه اسمي! هل تظن … لعلك… أعني، هل سيثقل عليك جداً لو فكرتَ في اسمٍ لي، اسمٍ لي وحدي لا يمكن لأحد غيري أن يملكه؟ الآن، الليلة؟”

همهم سنفكن بشئٍ وخفضَ قبعته فوقَ عينيه. طارَ شئ فوق الجدول بجناحين طويلين حادّين وأطلق صيحةً طويلةً حزينةً بين الأشجار: يو-يووو، يو-يووو، تي-ووو.

“لا يمكنك أن تصبح حراً حقاً إن بالغت في الإعجاب بأحد” قال سنفكن فجأة. “أعرفُ هذا”.

Image

“أعرف أنك تعرف كل شئ” هدَرَ الكريب الصغير وهو يخطو أكثر “أعرف أنك رأيت كل شئ، أنتَ محقٌ في كل ما تقول، وسأحاول دائماً أن أكون حراً مثلك … إذن أنت في طريقك إلى وادي المومن لتستريح وتلتقي أصدقائك … أخبرني القنفذ أن “مومِن ترول” ذاك يترقب قدومك ما إن يصحو من سبات الشتاء … أليس من اللطيف أن تعرف أن ثمة من يشتاقك وينتظر طويلاً رؤيتك ثانية؟”

“سآتي حين يحلو لي” صاح سنفكن بعنف “لعلي لا آتي أبداً. قد أذهب إلى مكانٍ آخر”

“اوه. سيصبحُ حزيناً حينها” قال الكريب.

بدأ فروه يجف وينقلب أسمراً فاتحاً وناعماً. أخذ يشد الحقيبة من جديدٍ وسأل بحذر: “لعلك … أنت الذي سافرت كثيراً …؟”

“لا” قال سنفكن وفكر غاضباً “لماذا لا يدعون تجولاتي وشأنها! ألا يدركون أني سأفككها حديثاً إن رويتها. فتفلت، وحين أحاول تذكر ما كانت عليه حقاً، لن أتذكر إلا قصتي”

خيم صمتُ طويل، وصاح طائر الليل ثانية.

نهض الكريب وقال بصوتٍ خفيض: “حسناً، يتوجب علي الرحيل الآن كما أظن. تشيروو”

“تشيروو.” قال سنفكن متململاً قليلاً. “إسمع. إمم. بالنسبة للاسم الذي طلبته. ما رأيك بـ تيتي-وو، مثلاً. تيتي-وو، ألا ترى، بدايةٌ خفيفة تقريباً، مختومةٌ بشئٍ من حزنٍ صغير.”

حدق الكريب الصغير بعينين صفراوين تحت ضوء النار. فكر باسمه، تذوقه، أصغى له، حبا داخله، وأخيراً رفع رأسه إلى السماء وعوى في نعومةٍ باسمه الجديد، في حزنٍ ونشوةٍ بالغين حتى أن رعشةً دبت في ظهر سنفكن.

ثم اختفى ذيلٌ أسمرٌ بين العلّيق، وعم الصمت.

“يا إلهي.” قال سنفكن وركلَ جمرة. نفضَ غليونه. ثم نهض وهتف: “مرحبا! عُد!”

لكن الغابة كانت صامتة. “اوه، حسناً.” فكر سنفكن. “لا يمكنك أن تكون لطيفاً ؛ ما من وقت. على الأقل حاز هذا الكريب اسماً.”

جلسَ ثانيةً وأصغى إلى الجدول والصمت، منتظراً لحنه أن يعود. لكنه لم يعد. أدرك حالاً أن اللحن مضى بعيداً حيث يصعب إمساكه. لعله لن يتمكن من صيده من جديد. الأمر الوحيد الذي يمكنه سماعه صوتُ الكريب الحيي الشَغِف، متحدثاً متحدثاً متحدثا.

“لماذا لا يظلون في البيت مع أمهاتهم.” قال سنفكن بحدة ثم ألقى بظهره على أغصان التنوب. بعد فترةٍ نهض وهتف ثانية. أصغى طويلاً ثم خفض قبعته فوق أنفه ونام.

واصل سنفكن مسيره اليومَ التالي. كان متعباً ومنزعجاً يمشي بتثاقلٍ جهة الشمال دون أن يلتفت يمنة أو يسرة. لم تتحرّك أي همسةٍ لبداية لحنٍ تحت قبعته.

لم يتمكن  من التفكير في أي شئ سوى الكريب. تذكر كل كلمةٍ قالها الكريب وقالها سنفكن نفسه، مضغها طويلاً حتى أنهكته فاحتاج أن يجلس ويستريح.

“ما الذي عراني؟” فكر سنفكن غاضباً ومحتاراً “لم أشعر بهذا من قبل. لا بد أني مريض.”

نهض وواصل طريقه، إلا أن الأمر عاوده، كل ما قاله له الكريب وكل ردٍ رده عليه.

في النهاية صار عليه أن يتوقف. عند الظهيرةِ التفتَ وعاد أدراجه.

بعد مهلةٍ شعرَ بتحسن وتسارعت خطواته، صار يبقبق ماشياً. رفرفرت ألحان صغيرة حول أذنيه لكنه لم يملك الوقت لالتقاطها. في المساء بلغَ غابة البتولا وبدأ ينادي.

“تيتي-وو!” صاح. “تيتي-وو!”. فاستيقظت طيور الليل وأجابته، تي-وو، تي-وو، لكنه لم يسمع شيئاً من الكريب.

قطعَ سنفكن المكان ذهاباً وإيابا، باحثاً ومنادياً ومصغيا، حتى حل الغسق. سطع القمر الجديد عالياً فوق فسحةٍ في الغابة، وقف سنفكن ينظر إليه شاعراً بالحيرة.

“علي أن أعقد أمنية” فكر “إنه قمرٌ جديد”.

أوشك أن يتمنى ما اعتاد عليه: لحناً جديداً، أو كما يفعل أحياناً، طريقاً جديدة. إلا إنه صحح نفسه في عجل وقال بصوتٍ عالٍ: “أن أجدَ تيتي-وو”.

ثم التف ثلاث مراتٍ وقطع الفسحة ماضياً في الغابة ومعتلياً الهضبة. خرخشَ شئٌ بين الشجيرات، شئٌ أسمرٌ فاتحٌ ومكسوٌ بالفرو.

“تيتي-وو!” نادى سنفكن بعذوبة. “لقد عدتُ لنثرثر”

“اوه، مرحباً،” أجاب تيتي-وو وأخرج رأسه من بين الشجيرات. “هذا رائع. لأن لدي ما أريك إياه. انظر! لوحةَ اسم! واسمي مكتوبٌ عليها، لأعلقها على بابي حين أملك منزلي الخاص”.

أراه الكريب قطعة لحاءٍ بعلامةِ مالكٍ عليها، ثم أكمل باهتمام “متقنة، أليس كذلك؟ هذا ما يظنه الجميع.”

“جداً!” قال سنفكن. “إذن ستمتلك منزلك الخاص؟”

“بالفعل!” قال الكريب بحماس “لقد ابتعدتُ عن المنزل وابتدأت حياتي. إنه أمرٌ مثير! كما ترى، قبل أن أملك اسماً، كنتُ اعتدت أن أثبَ حول المكان، ولعلي شعرت بهذا أو ذاك حول هذا الأمر أوذاك، كان كل شئٍ يحدث ببساطةٍ حولي، أشياءٌ لطيفة أحياناً وأحياناً غير لطيفة، لكن شيئاً من هذا لم يكن حقيقياً، ألا ترى؟”

حاول سنفكن الرد لكن  الكريب أكمل: “الآن أنا شخص، وكل ما يحدث يعني شيئاً. لأنه لا يحدث فقط، إنه يحدث لي، تيتي-وو. وتيتي-وو سيفكر في هذا الأمر أو ذاك كما يقتضي الأمر – إن كنت تفهمني؟”

“أفهم بالطبع.” قال سنفكن. “هذا أمر جيد بالنسبة لك.”

أومأ تيتي-وو وَبدأ يفتش في الشجيرات.

Image

“أتعلم؟” قال سنفكن. “ما زلت في طريقي إلى وادي المومِن. في الواقع، أريدُ رؤيته حقاً.”

“اوه؟” قال تيتي-وو. “مومِن ترول؟ نعم.”

“لعلك تود سماع بعض الألحان قبل أن أشرع بالمشي؟” واصل سنفكن. “أو بعض الحكايات ربما”.

أخرج الكريب رأسه من بين الشجيرات وقال: “حكايات؟ اوه، نعم. وقتاً آخرَ هذه الليلة، ربما. لكني مستعجل جداً هذه اللحظة – أنا متأكد أنك لا تمانع … “

اختفى الذيل الأسمر الفاتح تحت الخزامى، وبعد مدةٍ بانت أذنا تيتي-وو على مبعدة، صاحَ: “تشيروو، وبلغ سلامي لمومن ترول! علي الرحيل بأسرع وقت ممكن، فقد ضيعت الكثير من الوقت!”

ثم غاب.

حك سنفكن رأسه.

“إذن،” حدث نفسه “نعم، كما أرى”.

استلقى على ظهره ونظر إلى سماء الربيع. كان اللون أزرقَ معتماً وصافياً فوق رأسه وأخضرَ بحرياً فوق رؤوس الأشجار. بدأ اللحن يتحرك في مكانٍ تحت قبعته، أملٌ في جزءٍ منه، حزنٌ ربيعيّ في جزئين، أما البقية فبهجةٌ عظيمة للبقاءِ وحيداً.

Image

—–

الترجمة عن الإنجليزية من مجموعة “Tales from the Moominvalley

ثلاث وقفَات مع النضال النَسَوي للمثقف السعودي

Image

في مقالها المعنوَن بـ”النسوية السعودية والإصلاح السياسي“، وجهت إيمان القويفلي نقداً للحركات النسوية في السعودية التي قبلت المساومة على الحقوق السياسية مقابلَ الدخول في بلاط السلطة الأبوية. تمثّلَ هذا في استبشار النسويات بقرار تعيين النساء في مجلس شورىً غير منتخب ولا يملك أي صلاحيات تشريعية أو تنفيذية. وكانت القويفلي على حق، فأشهر النسويات السعوديات من الجيل الجديد، منال الشريف، أكّدت مراراً حين خرجت في مظاهرتها الشهيرة، أنها لا تعني بها تحدّي السلطة ولا التظاهر ضدها، بل هي تعمل من داخل نظام يضمن لها حقها في القيادة، أو أقلاً لا يصرّح بحرمانها من هذا الحق.

لكن يبدو أن هذا الانفصام بين النسويات السعوديات ومطالبات الإصلاح ليست من طرفٍ واحدٍ، بل اثنين. ففي حين لا تقف الكثير من النسويات لمراجعة موقفهن من الإصلاح، ينأى المثقف السعودي أيضاً بنفسه عن مراجعة النظرية النسوية. وحين أقولُ “ينأى” فإني أشدد على القصدية في هذا الفعل: إذ يتجنب المثقف السعودي ما يمكن أن يصمه – والعياذ بالله – بالتعاطف مع النسوية وانحيازها اللاعقلاني إلى حقوق جنسٍ واحدٍ دونَ غيره من دوابّ الأرض. إن أبعد محاولات المثقف السعودي في التنظير للنسوية لا تتعدى التقعيد لمزاجه الشخصي حول الجمال والمرأة، أو الترويج لفكرة تقليدية في قالبٍ متجاوز للعرف لا غير. لي هنا وقفة مع ثلاثة من الجيل الجديد من المثقفين السعوديين، وهي وقفات لا تقدّم مسحاً شاملاً للساحة الثقافية، لكنها تنتخب منها ثلةً من الفاعلين نتيّاً وإعلامياً باعتبارهم فئةً مؤثرةً في تكوين رأي الشارع.

أولاً: سعيد الوهابي وعقل المرأة

الوهابي صحفيٌّ ومدوّن شاب، كتبَ سابقاً تدوينات جيدة على غرار “صديقنا الملك، هل تسمعنا” وَ “من هو المواطن السعودي المعاصر؟”. لكنّ تدويناته الجيدة لم تنل من الشهرة ما ناله مقاله المثير في عكاظ اليوم “لماذا بعض النساء السعوديات غبيات وقبيحات؟”

، والذي تمّت “هشتقته” في تويتر لسويعاتٍ قلائل – وكل مستخدم لتويتر يعرف ماذا يعني أن تكون فريسة المُتَوْتِرين المُتَوَتّرين الجديدة – . في النصف الأول من مقاله يُقدّم الوهابي ما يشبه تفسيراً لكون المرأة السعودية قبيحة، وهو ليسَ تفسيراً بقدر ما هو مجموعة اعتباطية من الأمثلة لجمال العرق الأبيض وافتتان العالم به. أما النصف الثاني في مقاله فيتسائل لماذا هي غبية؟ بالطبع لا يتوقع الوهابي أن نسأله ما هو الغباء تحديداً قبلَ أن يعرّفه لنا بعدم معرفة سعر الدجاجة المشوية والفرق بين الخروف النعيمي والنجدي. وللأمانة يقدّم لنا الوهابي هنا ما هو أقرب للتفسير حين يقول إن المرأة لا تخرج إلى المجتمع ما جعلَ عوالمها محدودة الأفق.

المقال نال ما نال من الشهرة بسبب نيله من السعوديّات وبشكلٍ مباشرٍ وفجٍّ بدءاً من عنوانه. المسألة خيانة وطنية قبل أي شئ آخر. هذا عميلٌ من الداخل وطابورٌ خامس يريد أن يفتننا عن آلهتنا. هذا لا يعني أن أياً من “تصريحاته” في المقال تتسم بأدنى قدرٍ من الموضوعية. وهي ليست المرة الأولى التي يقدم فيها الوهابي رؤيةً كارثية حول المرأة. في مقالٍ آخر أقل شهرة يحدّثنا الوهابي عن غدةٍ في عقل المرأة نسيَ اسمها في اللحظةِ الإلهامية التي كتب فيها المقال (لم يكن يملك وقتاً لمراجعة موقع هذه الغدة واسمها لأنه كان يكتب المقال في جواله في شارعٍ مزدحمٍ بالجميلات  وغيرهنّ – هذه عبارته حرفياً-)، يحدثنا أن هذه الغدة الوهّابية تسيطر على عقل المرأة عندما تسمع كلمات إطراءٍ حلوة.

لست بصدد نقد المقاليَن الكارثيين على أكثر من صعيد، لكني أود الإشارة إلى حالة الكسل التي تنتاب المثقف السعودي حين يصير الحديث متعلقاً بالمرأة. في مقاله “صديقنا الملك” يقدّم الوهابي قائمةً بأسماءِ الوزراء وأعمارهم مقارنةً بمتوسط عمر الشعب، أما في الحديث عن سيكولوجية المرأة وفسيولوجيتها، يصبحُ الأمر مطروحاً للتخمين وضرب الوَدع. يتسائلُ الوهابي كيف لامرأةٍ جامعية أن تستشير مشعوذاً، في حين يحدّثنا عزيزنا الصحفي القاصّ المدوّن الجامعي عن غدةٍ أكبر وغدة أصغر! لا ينشغل المثقف السعودي بالبحث والتمحيص حين يقرر الانشغال بموضوع المرأة، بل يكفي لديه أن يسبغ عليها من اهتمامه ووقته بحيث يمنحها مساحةً في عموده الصحفي. الرجل السعودي هو الرائي أولاً وأخيراً، هو هدف الرؤية وهو الذي يمنح الموضوعَ المرئي/المرأة مضموناً ومعنى. لا يحتاج مثقفنا إلى الإطلاع على كم الأعمال النسوية المكتوبة فهي – في النهاية – لا تعدو كونها آراء متزمتة تسلب الرجل حريته في إطلاق العنان لخياله الرومانسي وتسميته علماً. كما أن الكتابة الصحفيةَ لدينا سهبٌ واسع المدى لا حدودَ له، بحيث يتسع لنشرِ هذا الهراء برحابة صدر.

ثانياً: أحمد العلي وفستانُ پِنك

أحمد العلي شاعرٌ شابٌ ومترجمٌ صدرت له العديد من الأعمال مؤخراً، منها عمله الشعري “يجلس عارياً أمام سكايب” وكتابه “نمو المفاهيم” (أعماله متوفرة للتحميل من مدونته الخاصة في لفتةٍ جميلةٍ منه). الغالب على مدونته أعماله الخاصة من شعرٍ وترجمات ورحلات، إلى جانب بضع مواضيع منها تدوينة حول الوضع السياسي في الشرقية، لا سيما ما يختص بشيعة الأحساء.

في تدوينةٍ شاعريةٍ عن متحف الجنس في نيويورك، يستهل العليّ حديثه بـ:

“رُمّانُ الله في صدورهن.. تلك الحبّات عندما تَنهَدُ يدورُ حولها الكوكب. يسرنَ بلا رويّة في مانهاتن، رُمّان الله يهتز ولا يسقط إلا في بركة النظرة الصافية.. لو وضعتُ يديّ عليها ستتغير ملابسي كلها، سيقف شعري و أخف، أصيرُ عازف دي-جي مجنون و ينقلبُ الرصيف ساحة رقص. “

لا يتضح في الجملة الأولى إلى من تحيلُ نون النسوة. بعدَ بضع كلماتٍ تعرفُ أنهن نساء نساء مانهاتن النواهد. كلهن؟! لا أدري. لم أزر مانهاتن سابقاً. يستطرد العليّ في خياله الشعري مروراً بوقوفِ مارلين مونرو أمام كاميرا بلاي بوي وانتهاءً بلقطتها الشهيرة بالفستان الأبيض.

لكنّ وقفتي مع العليّ تتعلق لا بتدويناته، بل بتغريدةٍ صادفَ أن مررتُ بها ليلة الاحتفال بجوائز الأوسكار هذا العام. حينَ ظهرت پِنك بفستانٍ أحمر على خشبة المسرح لتُغنّي Over the Rainbow، كتب العلي في حسابه في تويتر: “الفستان يا بينك=درجة الأحمر من الله… بس انتي داخله كنّك بيّاعة شورما.. الأحمر للشعر الطويل و التقاطيع الكلاسيكيه، فك أوف”.

حين سائلتُ حكمه هذا كان دفاعه رمياً بتهمة النسوية. النسوية! يا للعار والشنار! هذا أسوأ ما يُمكن أن تنعتَ به المرأة  - والرجل – في السعودية. بالطبع، يحق لك أن تصيّر ملبسَ الآخرين – النساء طبعاً- شأنكَ الخاص وانتهاكاً للحرم القدسي لمجالك البصريّ (أين تنتهي حدوده بالضبط؟) ، أليست هذه حرية التعبير بالضبط! حرية أن يطلق المثقف السعودي لنظرته الذكورية العنان لتقرر ما على المرأة أن تلبس لترضيه، بل أنكى من هذا، أن ينتخب الفساتين للنساء كخبير أزياءٍ في What Not to Wear . هكذا ينقلبُ مثقفنا العزيز من هموم المفاهيم إلى فاشن بوليس في توك شو. ليس من المعيب أن يكون للمرء نظرة حول الأزياء. لعل پِنك نفسها سألت شخصاً بالقرب – والذي صادف ألا يكون مثقفنا السعودي – : “كيف أبدو في هذا الفستان؟”، لكن أن نمنح الفانتازيا الخاصة في رؤسنا هذه الحمية الأخلاقية ليس إلا شكلاً ما بعدَ حداثيٍ تقويضياً فينمومينولوجياً للوصايةِ على المرأة.

ثالثاً: مظاهر اللاجامي – وآخرين – وبطن المرأة

اللاجامي روائي سعودي صدر له عملان “الدكة” و”بين علامتي تنصيص”، إلى جانب مقالات منشورة له في صحيفة العرب والحوار المتمدّن. مواضيعه تتنوّع بين الأدبي والسياسي، إلى الفلسفي المشغول بأسئلة الدين والهوية. في “ستاتس فيسبوكيّ” حديثٍ له كتب:

” أشد اللحظات التي أشعر فيها بالغثيان والقرف وقبح الوجود هي تلك اللحظة التي ألمح فيها جسد امرأة حبلى…”

Image

الفيسبوك بالطبع مساحة شخصية – أو هكذا يدّعي أصحاب الشبكة – ، لكنّي سأخمن الآن أن اللاجامي لم يترك نقاطه الثلاث في آخر العبارة، إلا وهو يتوقع استطراداً لها. لا من جهته، بل من جهة كم التعليقات التي ستنهال عليه (أو معه) بسبب العبارة المستفزة. لذلك أذكر في العنوان “آخرين”. آخرين دخلوا بوابة التعليق فزادوا الطين بلة. المثقف هنا لا يأتي بجديد، إنه يمارس حقه الذكوري الطبيعي في أن يمنح فانتازياه الخاصة هذه اللغة التقريرية التي تحكم بكمال جسد المرأة ونقصانه، الجزء الوحيد الذي خالف فيه اللاجامي العرف هو أنه انتهك حرمة الأمومة بعبارته. الأمومة لا المرأة. هذه الرغبة الحيوانية الطبيعية في التكاثر على الأرض. هنا ثار الجدل حتى بلغ سيل التعليقات ثمانيناً ونيف. ثمةَ من يجد شكل المرأة الحبلى جميلة لأنه يرى في الأمومة فكرة جميلة، وثمة من يستقبحها لأنه يراها شذوذاً على الطبيعة. هلموا يا سادة واحداً واحداً. أخبرونا أيضاً أي جزء في المرأة يعد شذوذاً وأيها يعدَ تناغماً.

حين يكون الحديث عن الرجل لا تمم مقارنته بالطبيعة. فالرجل – كما ترون – وليد الحضارة، هذا العالَم المتمدّن، إنه واحدٌ من مخرجاته، والترهلات التي ترونها في جسده هي حصيلة تراكم الدهون المشبعة في أجزاء مختلفة من جسمه بسبب تكوينه البدني وتقدمه في العمر الذي يجعل مسألة حرق هذه الدهون صعباً. (لا بد من لغةٍ علميةٍ هنا لنعقلن الفكرة). أما ترهلات المرأة فهي شذوذ عن الطبيعة، انتهاك لجمال هذا العالم، بل في أحسن أحوالها هي من جماليات القبح – في ابتكارٍ لاجاميٍّ عظيم. أما حبلها وانتفاخ بدنها – لا سمح له – فليسَ إلا اختلالاً في قدرتها على التناغم مع هذا الكون (لا بد من لغة رومانسية هنا). المرأة – كما ترون أيها السيدات والسادة – جزء من الطبيعة. هي أشبه بشجرة. شجرة رمان ربما باستعارة تعبير العليّ. أنت لا ترى شجرة الرمان تنتفخ حين تحبل بثمارها، بل هي تحمر وتصفرّ وتخضرّ. وهذا ما ينبغي على المرأة فعله بالضبط. أن تغير لونَ شعرها فقط، أما جذعها فمعاذَ الله أن ينتابه أي تغيير.

الحديث لا ينتهي هنا، فاللاجامي في تعليقٍ آخر – وبإشارة عنصرية فجة – يقول أنه يحترم الحبلى كما يحترم السوداء، كإنسان، لكنه لا يراها جميلة. كيف يحترمها كإنسان؟ لنقل -تخميناً منا – أنه لا يركلها ككلب ولا يأكلها كبقرة. اللاجامي الذي كان واضحاً في مساءلته للسلطة الكهنوتية وإمساكها برقاب الناس، لم يجد حاجةً لمساءلة فكرته عن الجمال والقبح، لأن هذه مفاهيم لا سلطة له على تغييرها في نظره. إنها نابعة من انطباعٍ فطريٍ طبيعيٍ نقيٍّ نحوَ القبح والجمال في هذا العالم. من أنت لتسائل حكم الفطرة ؟!

الأمر عند اللاجامي لا علاقة له بسنواتٍ طوال من إغراقنا في إعلامٍ رخيص يقرر مقومّات الجمال ومسلّماته. لا علاقة له بمحاولة ترويج فكرة واحدة للجمال دون غيرها. رغم أن هذه الفكرة عرضة للتبديل والتغيير بالطبع لتسيير العجلة الاستهلاكية لقائمة لا تنتهي من الفاشن مروراً بالمكياج وحتى عمليات التجميل. الأمر بمنتهى السهولة حتى يصبح من العادي جداً الإشارة لجسد المرأة بالسلعة، حين يقول أحد المعلقين على الستاتس “لولا الأسواق لبارت السلع” و”لكل ساقط لاقط”. نعم. هذا هو شكل الحديث الافتراضي عن المرأة.

***

يريد المثقف السعودي أن يكون – ويؤمن – مرآةَ المرأة. إنه عينها الداخلية، نظرتها إلى نفسها وقيمتها الخاصة. هذا المثقف لا يرغب بمراجعة نظرياته حول المرأة بل يتركها عرضةً لاستيهاماته وصوره الشعرية الخاصة، لأنها – خلافاً لمواضيع الدين والسياسة – لا يمكن أن ينتفع بها خارج هذا الإطار. أن يتخلى عن رسم الحد الفاصل بين الفانتازيا والتنظير يعني أن يخلع عمامة السلطان عن رأسه. ليس الآن. ليس وهو يستمتع بامتيازات السلطة الممنوحة له من قلب السلطة التي يقاومها. إنه لا يتخيل بأي شكلٍ من الأشكال أن نظرته للجسد قد شكّلتها سنوات من البحلقة في التلفاز أو تقليب المجلات – التي يلوم النسوة لاقتناءها وهو يحتفظ بها في أدراج سرية – ، بل يسبغ على نظرته هذه القيمة الأخلاقية المطلقة التي تمنحه – دون خجلٍ أو مواربة – جرأة التصريح به في عمودٍ صحفي أو تغريدةٍ أو حالة فيسبوكية. والأمر لا علاقة له بأي شكلٍ من الأشكال بأن تكون ليبرالياً أو محافظاً، أو “غير منحاز”. هذا الجيل الذي وُلِد على خطابات تقرر للمرأة من تكون وكيف تكون، ما زال يكرر ذات الخطاب ويبرر له بكل شكلٍ ممكن.

حياتي من السابعة وحتى التاسعة صباحاً

 

ملاحظة أولية: هذه تدوينة لن تضيف لك شيئاً. يمكنك تجاوزها تماماً. إنها ليست شكوى لهذا العالم – حياتي ليست سيئة على كل حال -، لكنها رغبة في الحديث فقط. في الثرثرة عن تفاصيلي اليومية في الهواء الطلق. أو الصراخ في غرفة مغلقة.

تستيقظ باكراً.. أو تحاول.

وقّتُ الساعة على الخامسة فجراً، لكن بطارية “الآيفون” ذي السنوات الثلاث نفدت قبل الخامسة طبعاً. استيقظتُ الخامسة ونصف إذن. ماذا سأفعل هذا الوقت؟ لا أدري. أسير إلى المطبخ وأتفقد ساعة الميكروويف ثم أعود من جديد إلى النوم؟

أستيقظ قبل السابعة. ثمة واجبٌ لم أتمكن من إتمامه البارحة. أتناول حبوب الـ”تشيريوس” مع الحليب وأحاول إتمامه بعد تفقد الفيسبوك سريعاً. أكثر من عشرين دقيقة تمر ولا أتمكن من إنجازه. أقرر أنني سأفوّته اليوم. أخسر درجات؟ فليكن. بعد ثلاثين عاماً من هذا العمر لم تعد الفكرة تخيفني.

وجهي كئيب ومنهك جداً. أضعُ قناعاً من البودي شوب وأبدأ بكيّ ملابسي وملابس “ج” على عجل. لا وقت لاستجدائها للاستيقاظ. أغيّر ملابسها وهي نائمة وأنطلق لغسل وجهي وَلآخذ حماماً سريعاً. أُنهي حمامي فأجدها تتمغّط على الكنبة في الصالة وهي تبتسم.

“يلا.” أحرّضها كي تتحرك على عجل. تظن أن اليوم إجازة أيضاً. تطلب مشاهدة الكرتون. اقول لها “لا وقت” وأنا أسيّرها إلى الحمام. أضع كريماً مرطباً على وجهي في حين تُنهي هي شؤونها. أضعها أمام المرآة. أغسل وجهها، أسنانها، يديها، أسرّح شعرها كذيل حصان كما تريد. لا وقت لإفطارها. فطور الحضانة سيبدأ الآن في أية لحظة على كل حال.

على عجلٍ، أقول لها فلنمضِ. أدسّ الكتب واللاب توب في حقيبتي. تطلب مني طيَّ بطانيتها الوردية كي تضعها في حقيبتها وتحملها معاها إلى الحضانة أيضاً. تسألني إن كانت لبست فردتي حذائها في المكان الصحيح فيما أنا أركض بحثاً عن حجابٍ مناسب. أقول “آها” دون أن ألتفت جيداً. أعودُ وأحمد الله أنهما في المكان الصحيح.

أبحث عن مفاتيح السيارة. نفتح الباب ونخرج. أمامي أقل عشرين دقيقة لتوصيلها والعودة لركوب الباص. ننزل الدرجات على مهلٍ رغم ذلك لأن حقيبتها ثقيلة (حشرتْ فيها إحدى قصصها ودباً إلى جانب البطانية). نركب السيارة. لا أمنحها ما يكفي من الوقت لتسخن. – الجو دافئ على كل حال – .

أقود السيارة في عجل. لا أملك رخصة قيادة بعد لكني حفظت الشارع وصرت أكثر جرأة على زيادة سرعة السيارة فيه. الشارع ليس مزدحماً جداً على كل حال.

نصل الحضانة. أسير مع “ج” إلى فصلها. أحيي معلماتها. أضع حاجياتها في درجها الخاص. أقبّل رأسها وأمضي.

علي العودة بسرعة. أقل من عشر دقائق ويصل الباص. الإشارة الأولى مفتوحة. جيّد. لا سيارات أمامي. هذا أفضل. أنعطف بالسيارة. “بيرفكت!” . أمامي دراجة نارية ! أشعر بخطر الاصطدام بصاحبها في أية لحظة. “بيرفكت!” أمامنا مدرسة. يبدأ صاحب الدراجة بإبطاء سرعته بشكلٍ كبير. “بيرفكت!” هذا ما أحتاجه الآن. أنتظر أن يزيد سرعته. يزيدها ويرحل. أمامي دقيقتان فقط لركن السيارة داخل السكن قريباً من محطة الباص. أرى الباص أمامي. سينعطف في أية لحظة ويقف ليحمل الركاب. أسرع بركن سيارتي داخل السكن. أركض حاملة حقيبتي. لا أذكر إن كنت أغلقت السيارة. (لا يهم، من سيعرف أنها غير مغلقةٍ في وضح النهار على كل حال.). لكن الباص يغلق أبوابه قبل أن أصل. “بيرفكت!” . لن أحضر الكلاس الأول أيضاً.

أقف في خيبةٍ وأنا أتأمله يمضي. أقرر العودة لأتفقد ما إذا كانت السيارة مغلقةً أم لا. ليست مغلقة. حسناً. نسيت شاحن جوالي ذي السنين الثلاث داخلها أيضاً. أهم بفتحها من جديد لكني أسمع صوتَ مكابح خلفي. ألتفت. ثمةَ باص آخر ! أركض صوبه في جنون. يلمحني السائق فينتظر. أثب فوق العتبة وأشكره. يتبسم لي. أشعر برغبة في احتضانه الآن.

الباص غير ممتلئ. أجد مقعداً خالياً. بل مقعدين. أجلس. لم أخلع نظارتي الشمسية بعد. عيناي كئيبتان وأشعر برغبةٍ في البكاء. لا رغبةَ لي في سماع الموسيقى أيضاً.

ما هذه الحرقة في حلقي؟ لا. ليس بكاءً. إنها أعراض زكامٍ فقط.

أعصابي مشدودةٌ الآن. أوتاري ستنقطع. الجو دافئ لكني أحتاج مشروباً ساخناً. سأشتري شاياً بالباونج. أتأخر عن المحاضرة؟ لا يهم. لست كاملة. لست بحاجة لأن أدعي كونك ذلك.

أشتري شايَ بابونجٍ بالنعناع وحَلَقة دونَت. أفتح كيس الشاي فتتناثر أوراقه الجافة الصغيرة في كل مكان. “بيرفكت!” تقول الفتاة الباسمة في الكوفي شوب أن بإمكاني أخذ كيسٍ آخر. أفتح كيس شايٍ ثانٍ. أحاول حمل كوب الشاي وقطعة الدونت ومحفظتي والنظارة وحقيبتي وكيسَ الشاي الفارغ بيدين اثنتين. أقفُ كثيراً وأحاول ترتيب اشيائي.

ثلاث دقائق وتبدأ المحاضرة. لكني متعبة. أحلس وأقضم قضمات سريعة من حلقة الدونت وأرشف من الشاي. ما زال ساخناً. أنهض بعد دقيقتين. المبنى ليس بعيداً. أمشي. أسكب الشاي الساخن فوق قدمي. “بيرفكت!”. العالم ضدّي اليوم. أمسح ظهر قدمي ببطن ساقي الأخرى دون أن أتوقف.

الموسيقى تنبعث من القاعة. الأستاذة تعرض فيديو كليباً فرنسياً آخر إذن. لم نبدأ الدرس. لم أتأخر كثيراً على كل حال.

بالأمسِ أوقفني رجلٌ في السوبرماركت. كنتُ أراه يحدّقُ فيَّ من آخر ممرِّ الخضروات. خطرَ لي وأنا أقطعُ الممرَّ خلال ثانيتين أنه سيطرحُ عليَّ سؤالاً عن قيادة السيارة كما فعلَ رجلٌ في سوبرماركتٍ آخر،

 أو عن فيلم وجدة كالأشيَبِ ذي الكرش الكبير في عيادة الأسنان،

عن الحرب في لبنان كثالثٍ يتمشى على ضفة نهر ويلامِت،

عن تجربةٍ ثقافيةٍ في الأردن قبلَ عشرين سنة، كالمرأة التي ابتدرتني بطلبِ سيجارة في الداون تاون،

لكنَّ هذا الرجل مدَّ يدهُ مصافحاً وقال: شكراً لارتدائكِ الحجاب.

حسناً، اعتدتُ اعتباط الأسئلة المطروحة علي، والتي أجيبها غالباً بهز كتفي. لكني لم أعرف كيف أردُّ على هذا “الاطراء”. ولم يكن لديَّ من الوقت ما يكفي لأعرفَ ما إذا كان اطراءً حقيقياً أم سخريةً مبطنة. رغم أنه بدا صادقاً، إلا أني بطبعي السئ لم أتمكن من إخفاء نظرتي التشكيكية وقلتُ بنبرةٍ لا تخفي هزءها: على الرحب.

لم أقصد أن أكونَ سيئة، وأعلم أن هذا الرجل لم يقصد الإساءة. فهو – إن كان صادقاً- لم يرِد إلا تقديمَ دعمه. لكن دعمه لماذا بالضبط؟ في رأيي أن أفضلَ طريقةٍ للدعم هي عدم الالتفات تماماً. كالأب الذي أجابَ طفلَه حين سأله: ماذا ترتدي هذه المرأة؟ بـ “إنها ترتدي قبعة” .

ما يضايقني هو أن يُنظَر لحجابي كما لو كان وثيقةً سياسيةً أو دينيةً أو اجتماعيةً متحركة، تعبيراً عن احتجاجٍ ما، عن تحدٍ ما، عن خنوعٍ أو انفتاحٍ او بلا بلا بلا. إسقاطُ المعنى على الحجاب وكأنه قطعة ملابس لا تنتمي إلى “الكود” الملَبَسي في هذ الزمن. على العكس من الجينز. الواقع أن التيشيرت والجينز صارَ اعتيادياً جداً لدرجة أنا نزعنا عنه الدلالة، أو افترضنا أن الدلالة منزوعةٌ عنه. أنهُ لا يعكسُ أي حالةٍ ثقافية أوسياسيةٍ ما. بل ببساطة يختمك بتاريخٍ ما ليثبتَ “تحضّرك”. رغم أن الجينز حاضرٌ بقوة في وصفِ الأمم التي تتغير، تثور، بوصفها أممٌ مقبلة على الانفتاح، أممٌ تنتمي “لنا” وَ”لزمننا”. لا يخيفنا أبداً أن ندورَ بلادَ الأرض فنجد العالم كله يرتدي الجينز، لا لعيبٍ في زيه الأصلي، بل لُيثبِتَ تحضره.

 والجينز ليسَ خالياً من الدلالة. إنه كأيِّ زيٍّ آخر يقررُ ما يجبُ حجبه وما يجبُ ستره، إنه يحمل كود الملبس dress code الخاص به أيضاً. هنا يحضر “الحجاب” في ذهن الناظر بوصفه مخالفةً لهذا الكود. وهي مخالفةٌ ليست مقصودةً كأي زيٍّ آخر. إلا أن هذه الحرب الدائرة لأدلجة هذا الزي وتسييسه أكثر مما يجب، تسقطُ عليه حمولاتٍ ليست فيه، ومعانٍ مطلقةٍ لا يخطر نصفها على بال من تستيقظ كل يومٍ لتضعه فوق رأسها.

لم أرَ في حياتي أحداً يستوقف آخرَ ليشكره على ارتداء تنورةٍ أو قميصٍ أو ربطةَ عنق، أو لسؤاله عن المعنى الكامن في ما اختارَ ارتدائه هذا الصباح. المرةُ الوحيدة كانت لباستافيرينيٍّ وضعَ مشخالاً فوق رأسه في الـ DMV وحيّاهُ شابٌ صغير لارتدائه. لكنها قصة أخرى.

عن الوجهِ المخبوءِ خلفَ الفَيسبوك

803d58d1aa0adae275829c180adb7cd4

كنتُ ألتقي بها مُصادَفةً في الحرم الجامعي، في مكتبِ اليمادا حيثُ تعمل هي وأطبع أوراقي غالباً، أوفي حفل عيدٍ ميلادٍ في الحديقة الخلفية لمنزل صديقةٍ مشتركة. كانت أحاديثنا مُقتَضَبَةً وعابرة: تثني بلباقتها الأمريكية على “البلوزة” أو على طفلتي الصغيرة، أطلب منها مساعدةً تقنية مع أجهزة الماك في المعمل. لو أني التقيتها قبل عشر سنوات لوجدت صعوبةً أكبر في تذكر اسمها، أو ملامح وجهها، ولما فكرت طويلاً أيَّ تحيةٍ ألقيها حين أراها. لكنها فجأةً، وبعدَ أن أطل وجهها علي كثيراً عبر “تاغات” الفيسبوك، أرسلت طَلَبَ صداقة.

أنا بطبعي حذرةٌ في توسيع علاقاتي الاجتماعية، ولعدّة سنوات، حافظتُ بمهارةٍ على عددٍ محدودٍ من الأصدقاء. لا أكره الناس، لكنيي لا أُحسن مهارات العلاقات العامة التي تتطلبها تلك المساحة الرمادية المحصورة بين دائرة المقرّبين إلى قلبك ودائرة الغرباء تماماً. كما لا أؤمن أن أحداً يمكن أن يتخذ هذا العدد الهائل من الناس أصدقاءً له دونَ أن يخسر شيئاً من ذاته أو يزيّف صورته. من يمكنه أن يشبع هذا الطيف الهائل من الأذواق إلا سياسيٌّ ماكر ؟!

المهم، أتعاملُ مع طلبات الصداقة في الفيسبوك كما أتعامل معَ فتحِ قناةٍ محتملة للتواصل. الأمر لا يلزمني بقبول دعوتك إلى سهرة الويكند أو إرسال هدية في عيد ميلادك، ولا حتى الكتابة على “جدارك” للمعايدة. الخيارُ آمنٌ ومُطّمئنٌ إلى هذا الحد.

لكني أتصفح الفيسبوك أكثر من عشر مراتٍ يومياً، وأتلقى أخبارك بشكل مستمر، أعرف أين كنت في الويكند، أعرف اسم حبيبك، أنك تفضل/ـين الهررة على الكلاب، وتحب/ـين الهالوين، وتشاهد/ين the vampire diaries.

أعرفُ ايضاً أنكِ تخرجتِ، وغادرتِ المدينة بحثاً عن عمل.

أعرفُ كل هذا رغم أننا لم نلتقِ وجهاً لوجه ولم نتبادل كلمةً واحدة منذ عام.

لذا حينَ رأيتها – هذه الفتاة – في المكتب من جديد، وقلتُ:

Oh, you are back !

وابتسمت هيَ وحيّتني. لم أشعرُ أني أقول شيئاً جديداً. قلتُ: ستستقرّين في يوجين إذن ؟

ندت عنها ضحكة قصيرة، وقالت بخيبةٍ لا تخفيها:  yeah !

أربكني هذا الشعور، هذه “الخيبة الجديدة”، حقيقة أنها لا تحييني بشكلٍ عابرٍ كشبه غريبين، بل تترك لمشاعرها حرية أن تنكشفَ أمامي. الآنَ، وبعد عامٍ تقريباً من رؤيتها آخر مرة. وصلنا مرحلةً غريبة: أنا أعرفِ عنكِ الكثير دونَ أن تبوحي لي بشئ. أعرف عنكِ كما يعرفُ قارئٌ حكاية شخصية بقراءة سيرتها الذاتية في كتاب، ثم يشعر بالحماقة وهو يستوقفه في الشارع ليقول: قرأتُ سيرتك الذاتية، شاهدت ألبومَ صورك، سمعت أغانيك المفضلة، أيمكن أن نصبح أصدقاء؟

ثمة ما يسرقه منا الفيسبوك، إنه يخلق منا مشاهيرَ، لكن مشاهير في عزلتنا الخاصة. العالمُ يعرف عنا، لكنه يعرف عنا ما نريدُ الإفصاح عنه فحسب. لا يحتاج أصدقاؤك إلى تذكر عيد ميلادك الآن، ولا ابتزازك بصورٍ مجنونة لك. لا حاجة بهم بالاتصال بك بشكلٍ دوري لمعرفةِ ما إذا كنت عادياً، ومملاً، وبخير. الستاتُس كفيلٌ بذلك. قد تدوّن حزنَكَ في التايملاين، فلا تنسَ أن تجعله جاذباً جداً كي لا يضيع بين خبر الطفل الذي يقول “لِسِن تو مي، هَني” وبين “كم لايك تستحق هذه الصورة؟”. قد يستحق خبرك تعاطف الـ”لايك” العابر كما يعبرنا الحزن في متابعة شريطٍ إخباري لنصف ثانية. العالمُ الذي يراك الآن، لا يرى إلا صورتكَ متأخرةً، حالةَ حزنٍ مؤجل، كما لو كنت تدخر مشاعرك وترسلها في كبسولةٍ إلى الفضاء الخارجي ليتم اكتشافها بعد سنينَ ضوئية. وجهك المخبوء خلفَ نافذة الفيسبوك لا مرئيٌ بطبيعة الحال.

* مصدر الصورة

The Forgiveness of Blood | غُفران الدم

للوقوعِ على فيلمٍ جميلٍ وأنت تقترب من الثلاثين لذةٌ تشبهُ أن يُقال لك أن العشر سنوات القادمة ستشبه أوائل العشرين كثيراً. أوائلَ العشرين بنزقها وَحذرها واكتشافاتها الجديدة. أن تكتشف فيلماً جديداً، من عالمٍ جديد، يعني أن ثمةَ آفاقٌ لم تكتشفها بعد. وأنكَ لن تقطعَ البقية الباقية من عمرك وحيداً تعيدُ تدويرَ شريط الذكريات. ثمةَ طريقٌ لم تقطعها بعد، طريقٌ تخبئُ لكَ زوادةً صغيرةً تقطعُ بها ولو ليلةً واحدةً من هذا العمر، وأنت تقول: للوقوعِ على فيلمٍ جميلٍ وأنت تقترب من الثلاثين …

 Image

غفران الدم” ، الفيلم الألباني الذي وقعتُ عليه بدافعِ صدفةٍ أو ملل، واستغرقني وقتاً طويلاُ لأتفرّغَ لإتمامه، كان يُخبئ لي بعضَ الجمال. تدورُ أحداثه عن سُكان قريةٍ صغيرة يرتكب أحد أفرادها جريمة قتل، ويقتضي العُرف في ألبانيا – يطلقون عليه “القانون” – أن تمضيَ أسرةُ المعتدي حياتها حبيسةَ المنزل، لئلا تحلّ عليها لعنةُ الثأر فيُراق دمُ أحد أفرادها. الفيلم لا يغرق في السوداوية، بل يتفحّص ردّة فعلِ الأفراد الذين يجدون أنفسهم ضحيةَ جرمٍ لم يرتكبوه، لكنهم لا يستطيعون التملص من لعنته حين يكون والدهم مُشتبَهاً في الجريمة. كيف يتوقُ الابن المراهق إلى الانعتاق من هذا المكان، ومن حُكمٍ جائر، إلى آفاقٍ لا يعرفها بعد، في حين تُضطّر الابنة – غضة العود والتجربة – إلى حملِ ثقل الأسرة. يسعى الابنُ إلى الحصول على الـ”بيسا” بأي ثمن، وهي ضمانةٌ لخروجه من المنزل في مقابلٍ ما.

 Image

قد يبدو رتم الفيلم بطيئاً في البداية، إلا أنه يختزن الكثير من التوتر في عاديّة مَشَاهِدِه، “نِك” يجرحُ الجدارَ بسكينه، أو يقبضُ حجراً بيده، قلبه الذي يخفق بالحب. صمتُ الابنة – التي لا اذكر اسمها الآن – ونظراتها العارِفة. الابنةُ التي تخبئ الحكايةَ كشهرزاد دونَ أن ترويها لأحد. شموع عيد ميلاد طفلٍ يحملُ جريرة أبيه. عُزلة المنزل ذاته عن بقية القرية رمزاً لعزلة الأسرة. عربةُ نقل الخبز يجرها الخيل إلى جوارِ السيارات.

أعرفُ أن قصة واحدة لا يمكن أن تختزل حكاية ألبانيا، لكني قانعةٌ بالاكتشاف الصغير هذا الآن.

اعترافٌ صغير لامرأةٍ وحشيّة

علاقتي بقدَميَّ متذبذبةٌ دائماً، تعكسُ مزاجي الجوزائي المتأرجح بين أقصى الأشياءِ وأدناها. قبلَ العشرينَ لم أفكر بقدميَّ كثيراً، وأنا أعني القدمين تحديداً، هذا الجزء الغريب الذي تنفرُ منه نتوءاتٌ خمسة، لا الساقين التي نستيقظ على الحاجة لتشميعها وتلميعها مع أول دَورةٍ شهرية.

معَ بوادر العشرين، وقفتُ بساقين نحيلتين ترتجفان أمام الصفِ الجامعي لأعرضَ “برِزِنتَيْشنَ” ما. كانت الأستاذةَ الأنيقةَ جداً تجلسُ إلى جانبي (كنتُ أقفُ إلى جانبها بالأحرى) وتخترق جسدَ الفتاة التي خرجتَ تواً من سني مراهقتها بعينين ثاقبتين. (لم ألتفتْ لعينيها حينها بالطبع بسبب اضطرابي، لكن هكذا شعرت بهما). في لحظةٍ ما خفضتُ رأسي لأقرأ سطراً من الورقة، حين صارتْ قدمايَ وقدما الأستاذة في مجالِ نظري دفعةً واحدة. كانت قدميها لامعتين مشدودتَي الجلد، بأظافر منحوتةٍ بعناية ومصبوغةٍ جيداً. قدماي، من ناحيةٍ أخرى، رغم أنهما لم تكونا متسختين – أنا الحريصة على الاستحمام جيداً كل صباح – لكنهما كانتا باهتتَي اللون، متشققتين، جافتينَ وكالحتين كوجهِ فتاةٍ ريفية. هذا أنا، فتاةٌ قرويةٌ تخرج من بلدتها الصغيرة إلى مدينةٍ كئيبةٍ ومزدحمةٍ  -حيثُ جامعتها -كل يوم. ومعَ أن الفارقَ العمراني بين القرية والمدينة في بلدِ كالسعوديةِ ليسَ صارخاً جداً، إلا أن الفارق التركيبي بينَ أقدامنا كان كذلك. لَم تُكن تنورتي بالطولِ الذي تستُر به هذا العُرْيَ الذي انكشفَ فجأة. منذئذٍ صرتُ أكثرَ تنبّهاً لصورَ الفتيات اللاوتي يتكدّسنَ في زوايا المبنى وَلا يخرجنَ إلى الشمسَ خشيةً على جلودهن الناعمة، الفتيات ببشراتٍ شفافةٍ جداً يخرجنَ مناديلَ صغيرةً وعَطِرةً من حقائبَ أنيقةَ وَيمسحنَ أقدامهنَّ بلطف.

 

في طفولتي حلمتُ أن أكونَ أشياءَ كثيرة، لكنّي لم أحلُم يوماً أن أكونَ عدّائة. ربما لأنني كنتُ عدّائةً بالفعلِ حينها. كان يُبهجني أن أنطلقَ في سباقٍ للعدو معَ الأولاد من العائلة. لا، لم يُبهجني فقط، بل يبعثَ في جَسدي نشوةً لا مثيل لها، أن تنطلقَ ساقي الصغيرتين مع الريحِ وتسبق الأولادَ جميعَهم. وكانت العادةُ أن نعدو بأقدامٍ حافية. منْذا يحتاجُ حذائين وتربةُ الأرضِ الزراعية تتطوّع مع كل وثبةٍ برضىً وخنوع! هكذا كبرتُ وأنا أركضُ حافيةً في المزارع. وحينَ صارَ لزاماً علي أن أتدثرَ بعبائتي اتخذتُ “مشّايَ” المنزلِ الضيقِ مساراً ماراثونياً أحرقُ فيه طاقةَ المُراهَقةِ الجديدة. لكنهُ كانَ مساراً غرانيتياً قاسياً تشققت فوقه قدميّ الحافيتين وأنا أعدو لسنوات. كنتُ أعرفُ أن قدميَّ تتشققا لدرجةٍ يصعبُ على الزمنِ علاجها، ولطالما نظرتَ لهما بحزنٍ.. غير أنه حزنُ لم يدُم أكثرَ من دقائقَ تطويها بهجة الجسد المتصبب عَرَقاً.

 

غيرَ أني كبرت كثيراً، لم يعُد يليقُ بي أن أعدو (المراتُ القليلةُ التي حملْتُني فيها إلى الجمنازيُم لم تخلف فيَّ ذاتَ الفرح القديم). صار عليَّ أن أرعى هذا الجسدَ، أنحتَهُ وأصقله وأدهنه، وأعدّهُ للنظرةِ المتفحصة. النظرةِ التي تمنحهُ معنىً لتسلبَ منه معنى، التي تجوّفهُ وتطرقهُ لتسمعَ صدى إعجابها يتردد في دواخله الصقيلة. مُذاكَ وأنا أيضاً صارَ لي نظرةٌ متفحصةٌ للنساءِ وأقدامهن. اعتدتُ تخمينَ أعمارهنَّ، مستواهنَّ الاجتماعي والاقتصادي، ما إذا كنَّ يعملنَ أم لا، كم طفلاً لديهنَّ. أتخيّلهنَّ يلقينَ رؤساً متعبةً أو خفيفةً على كرسيِّ الصالون، ويستمتعنَّ بدقائق العناية الملكية التي تفوز بها أقدامهن. أتخيلهنَّ.. لأني بالطبع لم أضع قدَمَي مرةً تحت رحمةِ “البديكير”. أشعرُ أني إن فعلتُ سأكشفُ سراً من أسراري الصغيرة، سأوِدعهُ يديَّ غريبٍ لا أعرفه، وَسيلقي هذا الغريب عليَّ محاضرةً عن العناية بقَدَمي، وسأهزُّ رأسي بلطفٍ وابتسامةٍ غبيةٍ لأني لم أقل يوماً في حياتي لغريبٍ: “هذا ليسَ من شأنك” (بالطبعُ قلتُ هذا لكثيرٍ من الأحباب لأن احتمالية تدخلهم في شؤوني أكبر). أن أعتني بقَدمَي.. هذا شأنيَ الخاص، ألتفتُ لها مرةً كل أسبوعٍ، شهرٍ، سنة. وَبنعمةٍ من الأحذية “الفلات” و”التومز” لن يلتفتَ أحدٌ لكَم هيَ وحشيةٌ وبريّة، تكادُ لا تنتمي لجسدٌ جهدتُ في جعله مقبولاً لدى الآخرين.

وحشيةٌ وبريةٌ كما هيَ روحيَ الآنَ.. وأبداً.